أحلم بمدينة

أحلم بمدينة

عمّان – وائل سلمان

حل الظلام، فرغت الشوارع، أنطفأت الانوار، صحت الوطاويط، خيم السكون، تلالأت النجوم، وابتسم القمر وتمنى أحلاماً سعيدة لأصدقائه البشر.

وكما جرت العادة، قررت سلفاً ما سيكون حلمي، لأني أعتقد بأني على الاقل صاحب القرار في حرية اختيار أحلامي، وإذا الحياة أجبرتني دائماً على عيش أحلامها آتى اليوم الذي أردت أن أجبر نفسي وروحي وفكري وقلبي على عيش أحلامي، حتى لو بقيت في خيال الليل المظلم.

فغادرت مسافراً الى مدينة جديدة، مدينة حلمت دائماً أن أكون أحد ساكنيها، مدينة أبنيتها متناسقة، شوارعها متساوية، تخترقها الانهار من كل مكان، تظللها الأشجار شمالاً وجنوباً، تقطنها معظم حيوانات الغابة، تتطاير العصافير، تغرد الببغاء وأصوات الموسيقى في كل مكان.

مدينة لا يعرف سكانها السلاح، تعم بالسلام،  يجتاحها العدل، تتنفس حرية المعتقد والفكر، تمشي في طرقاتها وترى الفرح في وجوه الناس، أرض نظيفة، مجتمع واعِ لواجباته ويؤكد مسوؤليته ويثبت أنتماءه.

أحلم بمدينة، شعبها يحب الكتابة والقراءة، يعشق الفن و الرياضة، يتنغم بالفكر، يهوى السهر، لا يرى الحدث بل ما وراء الحدث، يتعلم وهو يتمرن، يبتسم صباحاً ومساءً، يتألم وهو واثق بأنه سيتخطى الآلام، يبصر النور في وسط الظلام.

أحلم بمدينة، جمالها يعكس حياتي، وروحي تعكس صداها، مدينة جديدة، يستطيع أهلها أن يغادروها متى يشاؤون ففي ذهابهم بقاء، مدينة حفرت أسماء قاطنيها بخيط من ذهب حتى لا تمحى الا بالنار.

أحلم بمدينة جديدة، لا عنف، لا دمار، لا كراهية، لا حقد، لا حكم على الآخرين، لا فقر، لا جوع، مدينة سكانها يضعون كل شي بالمشاركة وكلُ يأخذ حاجته ليعيش.

أحلم بمدينة، لا تهتز بورصتها، تعمل بنزاهة ولا يشوبها الفساد، ولا تتناحر الأحزاب فيها، أحلم بطلبة يذهبون الى مدارسهم ليتعلموا وليتسلل كل منهم الى ميدانه الخاص الذي سيخدم به المدينة الجديدة.

أحلم بمدينة سكانها يحبون بعضهم بعضاً، يتقاسمون المسك والعنبر، الخل والعسل، الخبز اليابس واللحم الناشف، يتشاركون بالفرح والترح، يتقاسمون هواء الارض، ندى الصيف، نور الشمس ومطر الغيم، يتقاسمون حتى معنى الحياة.

أحلم بمدينة جديدة، الجميع يعملون سوياً من أجل بنائها، أساس العمل المحبة، روح العمل التعاون، الفكر رسالتهم، الصفاء يغزو سريرتهم ، الرؤية طاهرة، الاجتهاد بتعاون، الكلمة الاخيرة هي ال “نحن” وليس ال “أنا”.

أحلم بمدينة جديدة، حيث “أبناؤكم ليسوا لكم”، وبين الأزواج مساحة تتراقص فيها ملائكة السماء، وأزواجكم سراب يتحول بمحبتكم فقط الى حقيقة.

أحلم بمدينة جديدة، ملائكة السماء يحسدون ساكنيها لأنهم يحبون الله وهم على الارض، فوق الصليب أحياناً، أما ملائكة السماء فتحب الله وهم في السماء بدون حمل الصليب.

أحلم بمدينة جديدة، سكانها يعرفون بعضهم بعضا، وكل شخص يعرف نفسه جيداً، مدينة جديدة حدودها السماء والشمس ، القمر والنجوم، مدينة تترك لبانيها مساحة ليولد فيها بمكان دافىء، بعيدا عن ضجيج الحيوانات.

أحلم بمدينة كما في السماء كذلك على الارض، مدينة لا ظالم فيها ولا مظلوم، الشمس والمطر تخيم على صالحها وطالحها.

أحلم بمدينة الكبير فيها يخدم الصغير، والصغير يحترم الكبير، والاولون يصبحون آخرين والآخرون يصبحون أولين.

أحلم وأحلم وأحلم بمدينة من ضربك على خدك الأيمن فدر له الآخر أيضاً، مدينة لا سلام بدون عدالة ولا عدالة بدون رحمة، مدينة في أختلافها غناها، وفي تعدّدها عبادة، وفي رؤيتها مستقبل لأبنائها.

أحلم بمدينة، لا مدين ولا دائن، مدينة ما هو لي فهو لك، مدينة ملوّنة بألوان الربيع، كل وردة أجمل من قرينتها.

أحلم بمدينة، الجار فيها قبل الدار، والغريب هو الصديق، ومدينة أحبوا أعدائكم، باركوا لمبغضيكم، وصلوا من أجل الذين يسيئون اليكم.

أحلم بمدينة، عندما نستيقظ صباحاً نرى النور في الظلمة، نفرح مع الفرحين ونحزن مع الحزانى، نرى في السراب الحقيقة، نرى في الخيال الواقع، نرى في الفشل الآمل، نرى في النجاح عمل الفريق.

أحلم بمدينة سكانها لا يهابون الموت، بيوتهم بلا أقفال، خيراتهم ملك الجميع، الحب هواية، الفرح هبة، السعادة علامة، والحرية حياة.

أحلم بمدينة، لا رئيس ولا مروؤس، مدينة جديدة بالفكر، جديدة بالروح، جديدة بالتاريخ، جديدة بحضارة لم تمر في تاريخ البشرية، جديدة بناسها، جديدة بثوبها وحلتها، وجديدة بمأكلها ومشربها.

أحلم بمدينة، صممها خالقها منذ الأزل، حلم بتحقيقها على أرض الوهم، أرادها قلعة حصينة من أي عدو، نفخ فيها روحه لتبقى فينا وبيننا الى آخر الدهر.

أحلم بمدينة لا يعرفها آحد، يتمناها الجميع، يقطنها بحرية من أراد العيش بحرية، لا هم ولا غم ولا يأس، والبقاء فيها معلق حتى يذوب الثلج لتستمر الرحلة الى بلد اللانهاية.

أحلم وأحلم وأحلم ومن ثم أحلم وفجأة صحوت من حلمي وما أردت الصحوة، اردت أن أعيش حلمي اليوم وغداً وبعد غد، أردت البقاء في مدينة البهاء، في مدينة رأيتها في خيالي، قرأتها في ذكرياتي، وعشتها في أحلامي. مدينة خبرني عنها التاريخ ووعدني بأن أقطنها يوم المغيب، مدينة تبنيها في الحاضر لتعيشها في المستقبل.

رجعت الى واقعي، وقررت ان اعيش واقعي من هاجس أحلامي، ولن أسمح للحياة بعد أن تجبرني على ما تريد، سأجبرها من اليوم على ما أنا أريد، فسيغدو حلمي حقيقة، ومدينة أحلامي جديدة، ولن أرحل قبل أن أرى “أنظروا كيف يحبون بعضهم بعضاً”.


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO