الابن الضال

الابن الضال

وائل سلمان – عمّان

من هو هذا الذي عاش الترف والسهر وغرق في ملذات الحياة دون اكتراث بأحد؟ من هو هذا الذي أضاع أباه وأمه وفقد أخوته؟ من هو هذا الذي عاش عكس ما تعلم؟ من هو هذا الذي قرّر الرحيل تاركاً وراءه جرحاً لا يضمده الا هو؟ ومن هو الذي كان قاسياً على من كان لين عليه ودَمر ما تم بناءه من أجله هو؟ من هو هذا الذي لعب ولهو كما يشاء ومتى يشاء؟ ومن هو هذا الذي خسر كل شي الا إيمانه بعودته يوماً ما من حيث أتى؟ ومن هو هذا الذي عاد واثقاً بأن أباه سيستقبله في أي وقت ناسياً بل متناسياً ما حصل وما قد يحصل؟

… أنه الابن الضال، هو أنت وأنا، هو كل واحد منا وفي كل يوم من أيام حياتنا القصيرة على هذه الأرض. كم مرة نلهو ونلعب في مزاريب الحياة؟ كم مرة نغرق في ظلام الليل العتيق، غير مبالين بمن نكون؟ وكم مرة خلال اليوم نفقد الأب والأم والأخ والأخت ونحن تائهين في شتات الأحداث؟ وكم مرة خلال اليوم يمر الصديق والحبيب من أمامي دون ان أراه؟ وكم مرة نضيع في ملذات الضياع ولا نريد الرجوع؟ وكم مرة يتفجر نهارُ جديد علينا ليذكرنا من نحن وأنه علينا العودة يوماً ما من حيث ضللنا؟

نعم علينا العودة ونعود ونحن كلنا ثقة بأنه هناك أمام الباب في انتظارنا وسيعيد ألينا ما أضعناه من ضعفنا. كم مرة خلال اليوم أكون الابن الضال، وكم جميل هذا الشعور بأن أكون الابن الذي إذا ضلّ وجده أباه، إذا ضلّ وجدته المحبة، إذا ضلّ وجده من أراد الاحتفاظ به دائماً، ولم يرغب أبداً في أن يضيع! كم مرة ننسى من نحن من انشغالنا بأحلام الحياة! كم مرة لا ندرك بأننا نحن هو الابن الضال!.

نعم نحن الابن الضال الذي تكلم عنه التاريخ وكرّره وبحث عنه حتى وجده، وعندما وجدة أخبره سأستمر في البحث عنك طالما أنا باقي هنا حتى يعلم الضال أن هنالك من ضلّوا ورجعوا وأنا في انتظارهم. الابن الضال هو القصة، هو الفكرة، هو الرهان على عودة سليمة ذات قبول أو عودة برفض طويل الأمد. الابن الضال هو حاله أحياناً لا نعرف وصفها، لأن الضال عاد ولا يريد سوى البقاء، ولكن لا يستطيع الابن الضال أن يثبت كثيراً، سيبقى ضالاً طالما هو على الأرض، سيبقى يبحث عن أبيه يتمنى في كل لحظة استقبالا حافلا وحفلا كبيرا وعجلا مسمّنا! أنه يلعب دور البطولة حتى بالرغم من أنه الضال، يلعب البطولة في مسرحية الحياة وهو يعي دائماً أن النهاية هي” ابن ضال وأب ينتظر ويحتفل”.

وهنا الحديث يطول عن ابن ضلّ وننسى أن هنالك أخاه الذي على الأقل في تلك الفترة كان موجوداً في غمامة الضباب يريد فقط الطيران على أجنحة الأب محلقاً بثقة بأنه هو باقً اليوم وغداً، لا يشك بأنه بين يدي الأب، لقد ضلّ في يوم من الأيام وعاد وأراد البقاء ولا يريد أبداً المغادرة، ويظن بأنه الأحق في كل شي، في ميراث الأب، في الأرض، في البيت الجميل، في المعاملة الخاصة، في الحفل مع الأصدقاء، في حتى حقه بذبح العجل المسمّن.

لقد كلفه غياب شقيقه كثيراً، لقد علمته الخبرة كيف يضحي من أجل إسعاد من هم بحوله، لقد علمته كيف يكون لا-شيء من أجل أن يشعر الجميع بأنّهم كل شيء، لقد كلفه أرادة في حب الحياة وتحمل الآلام غياب الأخ بدون كلل أو ملل، لقد أراد أن يكون أخاً آخر للأب حتى لا يشعر الأب أن أحد أبناءه تركه، لقد ضاعف حبه، حتى أنه أجبر على أن لا يظهر تعبه للأب، تظاهر بأنه قوي كفاية حتى يعطي القوة للأب لتخطي المحنه، وأراد دائماً أن يكون اباً للأب مضمداً جرحاً لا يعلم اذا كان سيشفى منه أم لا. لقد آمن أنه في يوم من الايام سيعود الأخ، سيعود الابن الضال وسيكون هو أول المهنئين محبة في الأب، لقد لعب جزءا من دور البطولة أمام جمهور غفير على خشبة المسرح.

أما الأب، فعشق الحرية، وعلم الحرية، وأرادها لأبنائه دون قيود أو حواجز، لقد قال لهم أني أريد ما أنتم تريدون، أنّي أحبّ ما انتم تحبون، أني مستعد أن أعطي حياتي لكم، لقد أراد لهم في مخيلته ما لم يتخيله خيال أبنائه! لقد حلم بمستقبل لم يمر حتى في أحلام يقظتهم! لقد ألغى أرادته لتكون أرادتهم أذا أرادوا هم ذلك!.

الأب لا يعرف سوى التضحية، سوى الإخلاص، سوى العدل، لا يعرف أن يكون الا محبة لمن لا يعرفون المحبة. الأب يغار حتى على ملامح بصرهم، يهتم حتى بخصال شعرهم، يعرفهم حق المعرفة، ويريد لهم سعادة بلا نهاية، يريد لهم ما لا يريدون هم لأنفسهم، وهو يلعب دور البطولة من خلف الكواليس تاركاً مسرح البطولة فقط لهم.

في سفرة حياتنا على هذه الأرض الغريبة العجيبة، نلعب جميع أدوار البطولة، غالباً ما نكون نحن الابن الضال الذي يمر في النفق الأسود عندما يخسر كلّ شي يملكه، وعادة نكرّر الخطأ لأنّنا بحاجة جداً الى حضن يغمرنا عند عودتنا، الابن الضال هو نحن حتى أذا اعتقدنا غير ذلك، كم مرّة خلال النهار نفقد الصبر تجاه أخوتنا؟ كم مرّة خلال النهار لا نكترث بأحداث مؤلمة أو مفرحة عند جيراننا؟ كم مرّة خلال النهار نتمنّى الخير فقط لأنفسنا وليس لغيرنا؟ كم مرّة خلال النهار نخرج عن سكة حديدنا، لنكون قاطرة بدون قطار؟ كم مرّة خلال النهار نحكم على فكر الآخرين، وعاداتهم، وتقاليدهم، ونعتقد بأنّنا وحدنا من يسكن هذه الأرض؟ كم مرّة نغرق في ضباب الفضاء الواسع، لا نرى لا حقيقتنا ولا حقيقة غيرنا؟ ونرفض عادة أننا الابن الضال، معتقدين بأنّه حق مشروع لنا أن نلعب دور بطولة الضال.

أما الابن الشاطر فمن هو؟ لغويا، هو الذي “شطر” الميراث مع أخيه… وباللغة الدارجة، هو المتمتع بدرجة لا بأس بها من الذكاء… فمن هو الشاطر هنا؟ هل يعقل أن يكون أخي الذي تربّى بذات المنزل، وكبر مع نفس العائلة، وترعرع في كنف الأب الصالح، واستنشق هواءُ نقيّا، وتغذّى من ذات الوعاء، هل يعقل أن يكون أخي ضالاً؟ واذا كان أخي ضالا، ماذا علي أن أفعل من أجل إيجاده؟ هل أنسى أنه موجود لأستمتع بخيرات لا أملكها! هل أرضى بحياة لا يستطيع أخي أن يعيشها! هل لدي المقدرة بالتلذذ في سخاء الأب، مع علمي بأن أخي خسر طعم الحياة! هل أستطيع أن أسمّى الابن “الشاطر” مع رفضي التام لاستقبال أخي الضال! كيف لي أن أرتعش بالسعادة وأخي يرتعش بالتعاسة؟ وهل أنا هو سبب تعاسة أخي، أو أن أخي سيكون يوماً ما سبب تعاستي؟ وهل أتقاسم مع أخي دور البطولة التي لا نستحقها بتاتاً لا أنا ولا أخي!

الابن الضال قصة لا نعرف معناها، ولن نعرف معناها، لأنها قصّة وجدت لنعيشها، ولنلعب أدوار البطولة فيها، بطولة وهمية، أمام جمهور يضحك دائماً وفي جميع المشاهد، جمهور يهنئ البطل الحقيقي، الغير معلن عنه، ألا وهو المؤلف والمخرج، الذي لعب دور الأب المحتار بين فرحة رجوع الابن الذي ضلّ وبين أرضاء الابن الشاطر، وفي ذكاء المحبة الصادقة، يستقبل الابن، محتفلاً ومعلناً عودة سليمة، ومشاطراً الابن الشاطر، متقاسماً الميراث معه إلى الآبد، ومعلناً انتصارا جديداً للمحبة.

إذا أجبرتنا الحياة على أن نلعب دائماً دور الابن الضال، وأحياناً تجبرنا على قبول أن نكون الابن الشاطر، لا ننسى أننا نستطيع دائماً أن نجبر الحياة لتعطينا فرصة أن نلعب دورا من خلف الكواليس بإرادتنا بأن نكون مثل الأب، أباً آخر لأبنائنا الضالين.


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO