المطران سليم الصايغ، كلمة وفاء

الكثير من العراقيين الذين عاشوا في الأردن وتقربوا من الكنيسة تعاملوا مع شخص المطران سليم الصايغ النائب البطريركي للاتين في الأردن ومطران عمان، ومنهم أنا شخصياً حيث تعرفت عليه أثناء فترة إقامتي في الأردن وعملي في الكنيسة وسعي للكهنوت، فكان هو نعم الأب والمرشد. الذي عاش في الأردن في تلك الفترة كان يعلم كم كانت الحياة صعبة والتواصل أصعب لعدم وجود الوسائل لهذا الأتصال مثل الأنترنت والموبيل. العراقي كان للأسف شخص غير مرغوب به في ذلك البلد الذي لم يكن يقبل أطفالنا في المدارس ولايوفر لنا عمل لائق، لكن البنوك كانت ترحب بالدولارات العراقية وبدون إقامة! في الأردن كانت هناك جهتين ترحب بنا كعراقيين دائماً: السفارة العراقية في عمان ومطرانية اللاتين والمؤسسات التابعة لها. أبواب المطرانية كانت مفتوحة لكل العراقيين الذين ضاقت بهم السبل في التسعينات ولم يجدوا غير الأردن منفذاً للخارج. المطران سليم الصايغ كان يساعدنا بكل الطرق، فعلى سبيل المثال للحصر ساعدني وقريبة لي بـتأسيس مدرسة للأطفال العراقيين في دير راهبات دون بوسكو في جبل اللويبدة. هذا الشيخ الجليل وصل للسن القانونية وتقدم بإستقالته لبلوغه السن القانونية. فهنا كلمة الشكر هي واجبة علينا من باب الوفاء بالجميل والإعتراف براعي نفذ تعاليم الأنجيل بدون تفرقة في المقال أدناه يذكر مراحل حياته الأب رفعت بدر

الأب بولس ساتي للفادي الأقدس

في استقالة المطران سليم الصايغ: شخصيّة مسيحيّة ووطنيّة

للأب رفعـت بدر

مدير الإعلام في البطريركية اللاتينية ومدير موقع أبونا

في تشرين الثاني من عام 2008 طلب من السفير البابوي في عمان المشاركة بإجتماع أولي للتحضير لزيارة البابا بندكتس السادس عشر، وحضره البطريرك فؤاد الطوال والمطران ياسر عياش والمطران سليم الصايغ والسفير البابوي المطران فرنسيس اسيزي شوليكات ، ووفد من  الفاتيكان برئاسة مدير البرتوكول البابوي البرتو غسباري الذي قال ممازحا: “يبدو أنه من لجنة تحضير زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 2000 ، لم يبقَ سوى المطران سليم الصايغ و الأب رفعـت”. فقلت له أجل تغيّر البطريرك و أساقفة عديدون، لا بل تغيّر البابا نفسه إلا أن المطران سليم بقي في مكانه.

و الواقع أن هذا ” الثبات ” في المكان و السلطة لا يعني تمسُكاً بها أو رغبة في التمديد أو التوريث المعنوي، بمقدار ما هو ” احترام ” لقوانين الكنيسة اللاتينية التي يتبعها المطران المولود في ارميمين عام 1935 و أصبح مطراناً منذ عام 1982 على يد البابا بوحنا بولس الثاني أي عندما كان عمره 48 سنة فقط . وعلى كل أسقف أن يقدّم استقالته عند بلوغه 75 سنة .

ثلاثون عاماً من خدمة المطران، هي ثلاثون عاماً من عمر الكنيسة المحلية. لذلك يطيب لي التذكير ببعض المحطات الهامة، دون أن يغفل عن البال أن المطران قد لا يكون المحرّك الأساسي لكل هذه الأحداث ، لكنّه بقي رقماً صعباً، وشخصية رئيسية في كل الأحداث الكنسية والمجتمعية المتعلقة بالمسيحيين وشؤونهم، و قد عاصر عهدين من الملكية في الأردن والبابوية  في الفاتيكان وثلاثة عهود لبطاركة القدس وعددا من رؤساء حكومات و زملاء عديدين في الأسقفية أصبحوا أساقفة بعده، و كان عليهم تقديم استقالتهم قبله بكثير.

في بداية عهد المطران الجديد في بداية الثمانينات ، كانت المطرانية ما زالت في جبل اللويبدة قرب كنيسة البشارة، وجاء خلفاً للمطران نعمة سمعان المعروف بحضوره الاجتماعي والوطني البارزين، فاختار المطران سليم أن يكون حضوره مميّزاً وخاصاً ، وهو حضور رجل الدين في الميادين العامّة، دون أن يتم التنازل عن أي موقف ديني أو عقائدي أو قانوني . وكان هدفه الذي لازمه على مدار ثلاثة عقود : إرضاء الناس يأتي بعد إرضاء الله . و ممّا يُذكر في بداية عهده إنشاء مجلة ” الكلمة” الاجتماعية و الدينية و الثقافية، و التي كانت في بدايتها ملحقاً لمجلة ” صوت الأرض المقدّسة ” التي كان يحرّرها المونسنيور الراحل رؤوف نجار، و بقيت كلتا المجلتين تصدران لغاية سنة 2002. و عُيَن عام 1987 أوّل بطريرك عربي هو البطريرك ميشيل صبّاح، خلفاً آنذاك للبطريرك يعقوب بلترتي ، فابتدأت مرحلة جديدة في البطريركية اللاتينية تمثلت بمزيد من التنظيم في المكاتب الإدارية، فتم بناء دار المطرانية الجديدة (سنة 1990) في منطقة الصويفية و كذلك المحكمة الكنسية و إدارة المدارس والمالية غيرها.

و في تسعينات القرن الماضي، وجدت الكنيسة في الأردن نفسها أمام تحدٍ كبير و هو استيعاب الألوف المؤلفة من اللاجئين العراقيين، و كان هذا عنوان انفتاح للأردن ككل الذي فتح أبوابه لاستيعابهم، فيما فتحت الكنيسة كذلك ذراعيها لتقديم الخدمات الإنسانية بالتعاون مع جمعية الكاريتاس الخيرية ، و أيضاً الروحية، و تم استحداث الكنيسة الكلدانية في الأردن، ولم تكن من قبل موجودة.  و في عام 1994 أبرمت المملكة الأردنية الهاشمية علاقات دبلوماسية مع الكرسي الرسولي – الفاتيكان، وفتحت السفارة البابوية أبوابها . وفي عام 1995 تم افتتاح السينودس ( المجمع الكبير ) للكنيسة الكاثوليكية في فلسطين و الأردن.

و في عام 1998 تم إنشاء مجلس رؤساء الكنائس في الأردن، ليكون الهيئة الممثلة للمسيحيين في الدوائر الرسمية ، وكم جاهد المطران الصايغ في سبيل الحفاظ على هذا المجلس، بالرغم من العواصف الكثيرة التي حاولت القضاء عليه. و في عام 1999 ودّع العالم جلالة المغفور له الحسين بن طلال، و استقبل بكل فخر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، و كان من بشائر عهد جلالته إعلان العطلة الرسمية الوطنية في عيد الميلاد، والشروع بعقد لقاء سنوي مع رؤساء الكنائس في عيد الميلاد ، وكان للمطران سليم حضوره البارز في تلك اللقاءات. و في بداية عام 2000 ( عام اليوبيل الكبير ) شارك المطران مع جماهير غفيرة بأول صلاة حج في موقع المعمودية – المغطس و ألقى فيها العظة الأولى، و كم جاهد و كتب و دافع من اجل الاعتراف بالمغطس في الجهة الشرقية لنهر الأردن، و بعدها ابتدأت التحضيرات لاستقبال البابا يوحنا بولس الثاني، و ترأس لجان التحضير و كان أن زار البابا دار المطرانية و تناول طعام الغداء فيها.

و في بدايات القرن الحادي والعشرين، كان المطران سليم من أوائل المتجاوبين على عقد مؤتمر العرب المسيحيين في عمّان في 1232002، برعاية وحضور صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني، بعنوان ” معا للدفاع عن الأمة ” ، وذلك لتبيان دور العرب المسيحيين في الدفاع عن صورة الإسلام الحقيقية ، في وجه الاتهام له بالإرهاب. وابتدأ المطران يبصر تحقيق حلمه الكبير و هو إنشاء مركز سيدة السلام لذوي الحاجات الخاصّة، و قاوم من أجله كل العراقيل، الماديّة منها و المعنوية، و كان اتكاله كبيراً على العناية الربانية، فأبصر المركز النور و دشّنه الأمير رعد بن زيد، في نيسان 2004، مندوبا عن الملكة رانيا العبدالله.

وكتب المطران العديد من المقالات في الصحف اليومية ، الا أنّ الكتابة الصحفية لم تكن هاجسه ولم ترق له، بسبب تدخل رؤساء التحرير وتغييرهم للمقال وقصّه وأحيانا تغيير العنوان نفسه. فألفَ العديد من الكتب الروحية، إلا أن كتابه حول “الآثار المسيحية في الأردن” المنشور عام 1996، قد لاقى رواجاً كبيراً و بخاصّة لدى الإعلاميين و أهل الصحافة و الدارسين عن تاريخ الأردن الحافل. وصدرت الطبعة الثانية للكتاب عام 2009، مع إضافة خمسة فصول جديدة حول موقع المعمودية – المغطس. و في أيار من العام ذاته حلّ البابا بندكتس ضيفا على الأردن ، ملكا وحكومة وشعبا وكنيسة، فاستقبل المطران، إلى جانب البطريرك الجديد فؤاد الطوال ،  قداسته الذي زار مركز سيدة السلام كأوّل محطة له بعد المطار، و من الجميل التذكّر هنا أنّ المطران حمل العلم الأردني على كتفه في زيارة البابا إلى المركز و بقي يرفعه لكي يكون بارزاً أمام كاميرات الصحافة والإعلام. وبارك البابا حجر الأساس للجامعة الأمريكية ( و كان اسمها جامعة مادبا ) و التي هي أيضاً من أحلام و مخططات المطران الصايغ، كذلك بارك البابا حجر الأساس للكنيسة الجديدة على ضفة نهر الأردن الشرقية. و في عام 2010 شارك المطران سليم بسينودس الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط المنعقد في الفاتيكان 10-24/10 و تحدّث في مداخلته حول تفشي البدع والشيع الدينية الهدّامة في الكنيسة والمجتمع.

وبعد، لقد قدّم المطران الصايغ استقالته، و قبلها البابا، و سيمضي كما هو معلوم سنوات تقاعده في مركز سيدة السلام – الحلم الذي تحقق، وفي ذهنه الكثير من الأحلام التي لم تتحقق ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر : تدريس التعليم المسيحي في المدارس الحكومية . ويبقى ارثه الأساسي روحياً ووطنياً وإنسانياً: روحياً من خلال ترؤسه للاحتفالات الدينية واعتنائه بالشبيبة والمدارس والعائلات والشمامسة، ووطنياً من خلال حبّه لوطنه ومواقفه الأردنيّة والعربيّة، وإنسانياً من خلال اهتمامه بالأشخاص المهمّشين وذوي الحاجات الخاصّة. و نستطيع القول اليوم: أنه شخصية أردنية وطنية من الطراز الأول، و كذلك شخصية مسيحية متمسكة بالإيمان… و متشبثة كذلك بتربة الوطن و مياهه المقدّستين

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO