المطالعة الروحية

المطالعة الروحية

 

إن الكتب الروحية ليس للمطالعة“، مثل كتاب “السلّم إلى الله“. ولعلّها تشير إلى المعنى العميق للمطالعة الروحيّة. إنّ أوّل ما يتوجّب علينا توضيحه هنا هو معنى”الحياة الروحيّة” بالذات؟ فليست هي الحياة الرومنطيقيّة بالطبع، أو مجرّد الاهتمام بالأمور والنصوص الإنسانيّة…الخ لكنّها باختصار هي حياة “الروح” فينا. كما يقول بولس الرسول “لست أنا أحيا بعد بل المسيح يحيا (بالروح) فيَّ”. وهذه غاية الحياة المسيحيّة بحسب القدّيس سيرافيم ساروف: “أن نقتني الروح القدس“. لذلك تتأجّج الحياة الروحيّة (تحيا) في الإنسان بطرق عديدة. من ضمن هذه الطرق هي الأعمال اليوميّة أيضاً. فالمهن والأعمال والأشغال لم توضع لكي تصير سبباً لنسيان الله، وإنّما بالأصل قال الربّ لآدم، الذي نسي الوصّية الإلهيّة في الفردوس: “بعرق جبينك تأكل خبزك“، وذلك لكي يقوده الجهد وعرق الجبين إلى تذكّر الله. يجب أن تكون أعمالُنا ومهنُنا مندرجةً في إطار “حياتنا الروحيّة“.

 

لا شكّ أنّ “الصلاة” هي الصلة المباشرة التي تفتح قلبنا على نِعم الروح القدس. فالصلاة هي، كما يعرّفها السلميّ، “العشرة مع الله“، وهي “الاتّحاد به تعالى“. وهذه الصلاة والأعمال هي للطريق للقاء النعمة الإلهيّة. ولكن نودّ هنا التوقّف أكثر عند إطار آخر.

تشكلّ المطالعة الروحيّة الإطار الضروريّ جدّاً، والذي تظلمه دوماً ظروفُ الحياة بالإضافة إلى إهمال المؤمنين، أو ربّما أيضاً الخلط بين المفيد من الكتب وبين العديد المتعب من الكتب ولربما أحياناً المعثِّر.

ينصح القدّيس إفاغريوس الرهبان والمسيحيّين قائلاً: “لا تدع الشمس تراك إلا والكتاب المقدّس في يديك“. وهناك قوانين شريفة توعز إلى الكهنة حثَّ المؤمنين على المطالعة الروحيّة وقراءة الكتاب المقدّس المتواترة.

يعتبر القدّيس يوحنا الذهبيّ الفمّ أنّ مطالعةَ الكتاب المقدّس والكتب الروحيّة ضروريّةٌ جدّاً للرهبان، لكنّها ليست أقلّ أهميّة عند العائشين بالعالم: “نحن (العائشين بالعالم). بحاجةٍ أكثر للمطالعة من هؤلاء، لأن الجروحات الدائمة بسبب الاهتمامات تتطلّب الاستخدام الأكثر للأدوية”. ويؤمن أوريجنّس أنّ المطالعة ليست نشاطاً إضافيّاً بل إحدى مقوّمات الحياة الروحيّة الأساسيّة. لأنّها الطريق الذي يدرّجنا على الحياة الروحيّة وينمّينا فيها. إنّ مطالعة الكتاب المقدّس والكتب الروحيّة هي شيء من تكويننا الروحيّ.

 

تربطنا المطالعة الروحيّة بتقليدنا وتجعلنا نطّلع بواسطة حياة القدّيسين على طريقة حياتنا. المطالعة هي البيئة التي ننشأ فيها بتقليد آبائنا وليس في أوساطنا الدهريّة، التي لا تترك لله والحياة الروحيّة مكاناً.

ليس غريباً إذن أن نرى مثلاً القدّيس غريغوريوس بالاماس (القرن 14) يفكّر تماماً بروح الذهبيّ الفمّ (القرن 4)، وليس حسناً أن نفكّر نحن (القرن الـ 21) إلاّ كما فكّر هؤلاء والرسل القدّيسون في المسائل الجوهريّة للحياة. فالأخلاق المسيحيّة هي هي بروحها وتقليدها، وإن كانت تتماشى مع الظروف، لأنّها بالنهاية أعمالٌ وليست مقولات، لهذا لا يمكنها إلاّ أن تنطبق على الوقائع الحاليّة لتظهر فيها خُلقاً روحيّاً مسيحيّاً.

 

الإيمان بمعرفة” هي الصيغة الحقيقيّة للإيمان. الإيمان المسيحيّ ليس تسليماً مبهماً، بل إنّه إيمان يحاكي العقل البشريّ ويجيبه على الحقائق، إنّه بالنهاية “الحقيقة“. وهذا لا يلغي أنّ هذا الإيمان وإن كان يخاطب العقل سيذهب إلى ما بعده ولكن به وليس يتجاوزه. يتبادر إلى ذهن كثير من الشباب في سنّ المراهقة وما بعده (سنوات الدراسة الجامعيّة) أسئلة عديدة حول وجود الله والخلق والثالوث والكنيسة…الخ ويظن البعض منهم أحياناً كثيرة أنّ هذه هي مظاهر عدم إيمان أو شيء من الإلحاد! على العكس، إنّ هذه الأسئلة هي طبيعيّة، لا بل ضروريّة، وهي دليل على وجود الإيمان وليس على غيابه. فهذه هي تساؤلات حقانيّة وليست شكوكاً إيمانيّة. إنّها المرحلة التي يطلبُ فيها الإنسانُ تحويلَ إيمانه من الإيمان الفطريّ والموروث دون أسئلة إلى نوعيّة الإيمان “بمعرفة“، الثابت والراسخ والذي اختارته القناعة الشخصيّة، للالتزام به ونشره. هذه هي السنوات من العمر البشريّ التي يُمكن للإيمان فيها أن يصير بدلَ مجرّد عادات ودوافع بشريّة، وعندها يلهج القلب البشريّ بعبارة الكتاب “مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا“. ويكرّر كلّ شاب عبارة فيلبس لنثنائيل “تعالَ وانظرْ، لقد وجدنا مسيّا الذي سمعنا عنه بموسى والأنبياء والعهد الجديد…“. عندها يصير التعبير عن الإيمان (بمعرفة) يتمّ بفعل “وجدنا” وليس “سمعنا“. هذه المعرفة لعمق وحقيقة وأبعاد إيماننا لا يمكنها أن تتمّ دون المطالعة، والمطالعة الحكيمة والمختارة. ولكن، ما دامت ضرورة المطالعة الروحيّة كبيرة، يبقى هناك السؤال المهمّ: كيف نطالع الكتب الروحيّة؟

 

لا شكّ أنّ هناك نوعين من القراءات. النوع الأول هو القراءة المعلوماتيّة والدينيّة. عندما نطالع مثلاً دراسات علميّة وجغرافيّة وديموغرافيّة… تخصّ أيّة مسألة حول الإيمان أو تفاسير الكتاب المقدّس. وهذه يمكن أن يكتبها ويقرؤها حتّى الملحدون أنفسهم. هذه يجب أن تقودنا إلى المطالعات الروحيّة وتساعدنا عليها. من هذه الكتب “المعلوماتيّة” العديد من المؤلفات عن تاريخ الكنيسة والحقّ الكنسيّ وحتّى بعضها في شرح الكتاب المقدّس ذاته؛ وسواها.

ولكن هناك المطالعة الروحيّة، تلك التي تنقلنا من القراءة إلى الصلاة. هناك إذن- بحسب القدّيس اسحق السريانـيّ- ثلاثة درجات لقراءة الكتاب المقدّس والكتب الروحيّة.

 

فالقراءة الأولى هي “السطحيّة” أي “القراءة” بحدّ ذاتها. حين “نطّلع” على أقوال وأحداث الكتاب المقدّس أو الكتب الأخرى. وبذلك نعرف الحدث أو الكلمة بمعنى “نتعرّف لأوّل مرّة” (نطّلع). ومن هذا المنظور فإنّ قراءة نصٍّ ما لمرّة تكفي وتغنينا عن قراءته للمرّة الثانية. هكذا يمكنني مثلاً أن أقول أنّي أعرف مثَل الفريسيّ والعشار وأعرف قصّة السامريّ الصالح وأعرف كلّ الوصايا (منذ صباي كما قال الشابّ الغنـيّ للمسيح). وهكذا نعلّم الأطفال على “حفظ الأحداث” أي الحفاظ عليها “بالذاكرة” والتعرّف عليها.

 

أما الدرجة الثانية من المطالعة الروحيّة، فهي الدرجة “العقلانيّة“. عندها نبحث في الكتب ونطّلع ليس على الحدث بل على ما يريد أن يشير إليه. فكلمة “فريسيّ” مثلاً تحتوي على كثير من المعاني الضروريّة لفهم الحدث وتفسيره… هنا يشترك العقل في تحليل النصوص وفهمها وكشف معانيها العميقة. وتحتاج هذه المرحلة للدراسة والمطالعة الكثيرة.

والدرجة الحقيقة الكاملة والثالثة في المطالعة، هي الدرجة “الروحيّة“. عندها نقرأ الأمور التي تخصّنا من هذه السطور والكلمات والصفحات. وتصير الكتب “رسالةً” لنا، أي تنقلب من نصّ إلى سؤال، ومن صفحات إلى حوار. هكذا يقول الذهبيّ الفمّ، إنّ مَن يعرف لغة أجنبيّة بشكل سطحيّ بسيط، عندما تصله رسالة بتلك اللغة، يحاول فكّ رموزها، ويمكنه أن يتكلّم عنها قليلاً. أمّا من يعرف ويفهم تلك اللغة فعلاً، فإنّه يقرأ في الرسالة معانيها الكاملة والغنيّة. لكن أخيراً، عندما يقرأ الإنسان الروحانـيّ الرسالةَ “يتّصل بالمرسِل”. هنا تصير المطالعةُ صلاةً والقراءةُ حواراً.

 

لهذا علينا ألاّ نمسخ القراءات الروحيّة إلى حدود العقل أو السطحيّة.  مطالعة الكتاب المقدّس، مثلاً، ليست محاولةً للاطّلاع على ما فيه، ولكنّها عشرةٌ مع يسوع. الكتاب المقدّس ليس كتاباً نقرأ فيه نحن ولكنّه “مطالعة” يتكلّم فيها هو (يسوع). هكذا عندما نجلس بخشوع ونطالع الكتاب المقدّس يتكلّم فيه يسوع إلينا. وهذا الحوار هو المعنى الحقيقيّ للكتاب، ودونه نكون في قراءة حروف والسير على سطور دون لمس المعنى الحقيقيّ الذي هو اللقاء بالربّ. فقط في الحالة الأخيرة ندخل أحداث الكتاب المقدّس ونحياها حين نطالعها. عدا ذلك فإنّنا نقرأ الكتاب تاريخيّاً كرواية، وهذه ليست مطالعة روحيّة.

إنّ الصوم والصلاة والمطالعة الروحيّة هي رياضات روحيّة متكاملة وفيها يطرح الإنسان السؤال ويجيب الله، فيها يبحث الإنسان ويكشف الله. هكذا تصير المطالعة اكتشافاً للحبّ والتدبير الإلهيّين.

لهذا إنّ الوضعيّة الحقيقيّة والأسلم للمطالعة هي الحالة التي تصير فيها المطالعة “عشرة” أي صلاة. مطالعة الكتاب المقدّس مثلاً هي شكل آخر للصلاة ننصتُ فيه إلى يسوع. فالكتاب المقدّس هو صفحات “نلتقي فيها مع يسوع” ويرسلنا منها يسوع. إنّ القديسين هم أكثر مَن فهموا وفسرّوا ,وطبقوا كلمات الكتاب المقدّس في حياتهم اليومية ، وليس العلماء والبحّاث.

الاب / بيوس فرح ادمون

P.  Pio Farah Edmond

E-mail: farahofm2011@yahoo.com فرنسيسكان –  مصر

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO