Year: 2011

الليتورجيّا والأنتروبولوجيا

الليتورجيّا والأنتروبولوجيا

 

إن كلمة أنتروبولوجيا هي كلمة مركبّة من كلميتين يونانيتين:

أنتربوس ومعناها الإنسان.

ولوغوس ومعناها دراسة أو علم.

إذاً، كلمة أنتروبولوجيا تعني دراسة الإنسان. وعلم الأنتروبولوجيا يأخذ موضوعه بطريقة كلّية شاملة، أي في إطار الزمان والمكان والوجود، وهو لا يقبل بتجزئة الإنسان أو تقليصه إلى بُعْد واحد للدرس بل إنّ الإنسان هو موضوع علم الأنتروبولوجيا.

وينقسم علم الأنتروبولوجيا إلى عدة أقسام فهناك:

الأنتروبولوجيا الطبيعية، والأنتروبولوجيا الثقافية، والأنتروبولوجيا الاجتماعية، والأنتروبولوجيا الدينية، والسياسية، والاقتصادية، وسواها…

إنّ كلمة ليتورجيّا تعني خدمة الشعب وهي كلمة يونانيّة مؤلّفة من كلمتين يونانيّتين هما ليتون وتعني العامّة  والشعب، وكلمة إرغُن وتعني خدمة. إذاً، إنّ كلمة ليتورجيّا هي في معناها الاشتقاقي خدمة عامّة، عمل للمصلحة العامّة.

إذن، الليتورجيّا هي خدمة الشعب، وصلاة الشعب، وعمل الشعب ضمن مكان معيّن ولغاية معيّنة ولزمان معيّن. ثم تطور هذا المعنى، فأصبحت كلمة الليتورجيّا تعني الخدمة الدينية أو الطقوسيّة المقدّمة لله بواسطة جماعة أو جمهور مجتمع باسمه وعلى اسمه.

والعلاقة بين الأنتروبولوجيا والليتورجيا هي علاقة جوهريّة وغير ممكن الفصل بينهما. فحياتنا ليتورجيّا دائمة: أي طقوسيّة شعبيّة يتجلّى فيها وقع الزمن والأحداث وحضور الأشخاص والمعتقدات.

“الطقس أو الليتورجيّا هو التعبير الحضاري والثقافي عن إيمان جماعة ما، في زمن ما، ولحدث ما. فمن الخطأ المزج بين انتمائنا الحضاري والثقافي التراثيّ المحدود وبين إيماننا بالكنيسة الواحدة، الجامعة، المقدّسة، الرسوليّة، الكاثوليكيّة والأورثوذكسيّة.

الليتورجيا حياة الكنيسة في جماعتها المصلّية والمتذكرة حياة وموت وقيامة الربّ يسوع، واختبار الجماعة المؤمنة بارتباطها الجغرافي والثقافي والتاريخي.

إذن، العلاقة بين الليتورجيّا والأنتروبولوجيا تظهر في طقس الكنيسة وفي رتبها…

والطقس هو الفعل الواقعي المعبّر عن معتقدات وعقائد وإيمان الجماعة، هو الضابط والشارح والعاطي الدلالة والمعنى المنطقي لتصرّفات الجماعة. فهو اللغة القويّة الظاهرة لأبعاد خفيّة وغير ظاهرة في جماعة ما.

وإنّ لجميع الشعوب طقوسَها ورتبها واحتفالاتها وخادمي مراسيمها وليتورجيتها. وهذه الكثرة من الطقوس اللامتناهية هي طرق متمايزة لتعبير الناس عن معتقداتها، كلٌّ حسب وسطه الجغرافي والاجتماعي والثقافي. لكنّ سرّ الطقس المسيحي يفترق كليّاً عن سواه من الطقوس بطبيعته وبمعناه ومحتواه وحقيقته وفعاليته. إنّه شخص المسيح الخفي القائم المتجدّد فينا والمحوّل ذواتنا وأجسادنا بقوّة الروح القدس. فليس هو مماثلة أو مشابهة أو استذكار. إنّه حقيقة واقعيّة تدخل في الآن الزمني وفي بُعْدِ المسافة.

فإنّ العلاقة مع المسيح تُعطي كياننا كياناً آخر، وهي ليست فقط تُعطي معنى، بل هي تكثيف وجود. أيّ إنّ هناك كائناً جديداً قد حلّ. فالمسيح بشخصه وحضوره، يُعطي اختبارنا بُعداً روحياً به نتحرَّر، نتّحد بالله ونصير أبناء لله. أي إنّ كياننا يتألّه.

الطقوس، لا يُدرك سرّها ومعناها ورموزها وغناها إلاّ مَن يعيشها ويؤمن بها وبفعاليّتها الحقيقيّة.

وهناك نشاطات تُنفَّذ وتمارَس من قبل هيئات ضخمة من الكهنة في المعابد وهي تؤسّس نظاماً من الأفعال يؤدّي بطريقة ثابتة وفي أوقات منتظمة من قبل أشخاص مخوّلين يمتلكون المعرفة المتخصّصة بالطريقة المثلى لأداء الأفعال. وهناك تصميم نسق محكم من الأفعال Typicon يتضمن بأكمله رفاهَ الجماعة عن طريق ضبط القوى التي لا حصر لها. هذه القوى التي وَجد الإنسانُ نفسَه محاطاً بها تُؤسِّس نظاماً مرافقاً للأفعال هو الكلمات المحكية، التراتيل والتي كانت فعاليتها السحريّة جزءاً جوهرياً لنا.

فالطقس يتألّف من قسمين: الجزء الذي كان يؤدّى والذي أسماه الإغريق Dromenon والجزء المحكي وقد أسمَوه Muthos. فلكلّ طقس بُعْد كلامي إخباري محكي أسطوري يسرد قصّة يجري تمثيلها. لم تكن غايةُ القصّة الترويحَ عن المشاهدين. بل هي الحقيقة وتُطبّق فيها أعمال، وتجري رتب وحركات تلازم هذه الكلمات السحرية المتكرّرة التي تنطوي على قوّة تجسّد الموقف الذي تصفه أو تعيد خلقه. التلاوة والحركات تفعل شيئاً ما؛ هي تجسّد التغيير.

والإنسان المؤمن يجد كلّ معنى حياته في هذه الطقوس التي يرتعش لها قلبه ويمتلئ شعورهُ بالسعادة والفرح عند إتمامها. ولو أنّه، أحياناً لا يدرك معانيها.

فواقع الطقس، هو واقع كياني وعالمي في آن. فالإنسان كائن ليتورجي في كيانه. والمجتمع كذلك هو كيان طقوسي في ممارساته وانشغالاته.

والطقس يستند إلى قانون المشاركة وقانونَي التجاور Contiguité والمشابهة Similarité. والطقس يتميّز بترداده وإعادته كما هو، إلى حدود الرتابة أحياناً. التكرار هو العنصر الأساسي الذي يكوّن جوهَر الطقس. وهو مكرَّر حسب Typicon ضمن قوانين لا تتغيّر. ولتطبيق هذه الطقوس فعاليّةٌ حقيقية وليس فقط آلية ميكانيكية فارغة.

للطقس بُعْدٌ جماعيّ حتماً. لكن مَن له السلطة والسلطان للقيام به هو خادم ومحتفل أُعطيت له القوّة وله الحقّ ليقوم به باسم آخر.

هذا الآخَر، هنا، هو الجماعة أو الكنيسة أو الحزب أو القبيلة أو العشيرة أو المنظّمة أو الفريق. من هنا قوّة الدلالة والرمزية وفعاليتهما الحقيقية الواقعية.

الدلالة، ببعدها الأنتروبولوجي، هي دائماً فاعلة بما تدّل عليه.

وللطقس بُعْدٌ مرجعي تذكاري وتذكيري وانتظاري. وخاصّة في الطقوس المسيحية. إنّها تستند إلى حدث مرجعي هام. هذه المرجعية المستمرّة لقصّة الخلاص والفداء هي العنصر الأساسي الذي يميّز هذه الطقوس المرتكزة على تذكار دائم لعمل الرب الخلاصي: “نذكر موتك وقيامتك وننتظر مجيئك الثاني”. إنّ هذه العودة والمرجعية ليست تذكارية حنينية غارقة في ذاكرة الماضي، بل هي تأوين خلاصي actualisé، أي إنّها تجعل الخلاص حالياً وواقعياً وليس فعلاً رمزياً آلياً سحرياً فقط.

تذكارات الأحداث السابقة ليست ذاكرة تاريخية بل حدث معيوش في اللحظة القائمة التي يتمّ فيها الطقس وتقام بها الرتب والشعائر والقرابين والذبائح: من الوعد إلى التجسّد، إلى الفداء، إلى القيامة، إلى الصعود، إلى نهاية الأزمنة حدث واحد متماسك متواصل.

هذه المرجعية هي، بالحقيقة بالرغم من أوننتها، معاديّة نهيوية. هي مثال الحدث في نهاية الأزمنة وبدايتها في آنٍ. إننا نجد أنّ الزمن الطقسي المسيحي (أو ما يُسمى بالسنة الطقسية) مشدود إلى اتجاهين متكاملين: واحد نحو الماضي، استذكاري مثالي مرجعي؛ وواحد نحو ميناء المستقبل، انتظاري باروسيزي Parousie، ظهوري، اسكاتولوجي، نهيوي، مرتكز على حياة وموت وقيامة وظهور الرب يسوع.

لذلك، يصعب علينا حقّاً خلق فواصل في هذه الليتورجيّا المسيحانية، وهذا ما يميّزها عن سواها، فهي في الوقت ذاته وليمة تذكارية Commémorative وطقس تأويني actualisation واحتفال استباق anticipation للأزمنة المعادِيّة التي أخذت تتحقّق.

وهناك ارتباط بين علم الاجتماع وعلم الأنتروبولوجيا، وعلم التيولوجيا وعلم الليتورجيا. لأنّ الحقيقة الدينية تمتاز بأنّها حقيقة اجتماعية وجمعية معاً. الدين لا تتمّ طقوسه إلاّ في الجماعة التي منها يستمدّ ما يقول عنه مارسل موس “مجتمعه السحري”. لذلك فإنّ الشعور الديني هو، في ذاته، شعور جمعي، طقوسي، له قواعده وأنماطه ورتبه وأزمنته ومساحته واحتفالاته وأعياده وخدّامه، وليس هو فقط شعور فردي وممارسة منفردة، خاصّة. الحقيقة الدينية هي حقيقة جمعية، أي إنّها تتميزّ بالضرورة والعموم والطقوسيّة. هذه الظواهر الدينية تنقسم، عند دوركيم، إلى قسمَين أساسيين هما المعتقدات Les Croyances والطقوس Les Rites ويحدّد الطقوس بمايلي: إنّها نماذج الأفعال وأشكال السلوك التي ينبغي أن يمارسها الإنسان حيال تلك الأشياء المقدّسة. هي نوع ونماذج من تقديم القرابين والذبائح والصلوات والرتب.

أمّا المعتقدات، فهي التي تقسم الأشياء والعوالم إلى ما هو مُقدَّس وما هو غير مُقدّس Sacré et profane المحلّل والمحروم، الممنوع والمسموح.

من هنا أمكنه القول إنّ التصوّرات الدينية هي تصوّرات جمعية تعبّر عن حقائق جمعية. أمّا الطقوس، فهي أساليب للعمل وهي لا تنشأ إلاّ في أحضان الجماعات المجتمعة. والمقصود منها إشارة أو استبقاء أو بناء حالات عقلية معينّة خاصّة لتلك الجماعات.

والطقس كالهيكل العظمي في جسم الإنسان. إنّه العنصر الأكثر صلابة في جسد الجماعة وهو الجسم الذي يبقى عائشاً لمدّة طويلة حتى بعد زوال مبرّراته، ولو تحوّل إلى نوع من اللعب.

فكلّ طقس فقد معناه الحقيقي تحوّل إلى لعبة، وكلّ طقس لا يستند إلى بُعْدٍ عقائدي إيماني تحوّل إلى عمل آلي ميكانيكي فارغ أو شعوذه.

لذلك، فإنّ للطقس ارتباطاً بما فوق الطبيعة. أمّا التقنيات والعادات، فلها ارتباط بالطبيعة. ومن هنا ينبع الارتباط ما بين الأنتروبولوجيا والليتورجيا في قلب الإنسان والجماعة. لأنّ الإنسان باحتكاك دائم بالمحلَّل والمحرَّم، بالظاهر والدنس، فيتِمَّ عليها لذلك طقوساً إمّا سلبية وإمّا إيجابية، حماية له واطمئناناً لنفسه.

عن الموسوعة العربية المسيحية

ما هو الطقس المقدس؟

ما هو الطقس المقدس؟

     نواجه اليوم عدة ردّات فعل أمام ممارسة الطقوس الدينية. فبينما هناك فئة تهزأ  من الطقوس على أنها مجرَّد عادات قديمة قد لا تعني شيئاً لإنسان القرن الحادي والعشرين، نجد آخرين مهتمّين بممارسة طقوس معيّنة، مدَّعين أنها تساعد الإنسان على معرفةِ ذاتهِ والتأمل من أجل الوصول إلى الحقيقة…  مثل التأمل التجاوزي، اليوغا، وكل ما يتعلّق بحركة الجيل الجديد (New age).

  قبل أن نتحدَّث عن الطقوس وأهميّتها في الحياة الدينية، نود أن نشير إلى حضورها في الحياة اليومية ودورها الأساسي في حياة الإنسان: كما أن الإنسان هو كائن اجتماعي هو أيضاً “كائن طقسيّ”. لنذكر مثلاً الطريقة التي نتبعها للإحتفال بعيد ميلاد صديق، الاجتماع في مكان محدد لائق ومزيَّن بشكل يُعبِّر عن الفرح، قالب الحلوى، الأغاني التقليدية، العناق وتبادل التهاني … كل هذه الأمور تدخل في نطاق “طقسيّة الكائن البشري”.

  من صفات الطقوس في حياة الإنسان أنها مجانيّة، أي أنها ليس من ضروريّات الحياة، لكن مع ذلك وبشكل غريب تُُضفي على الحياة معنى أسمى، وبدونها يبدو وكأن الإنسان لا يستطيع التعبير عن ذاتهِ!.

  ما هو صحيح على الصعيد الاجتماعي هو صحيح أيضاً على الصعيد الدينيّ. فمن الخطأ التفكير بأنه من الممكن أن توجد ديانة مجرَّدة من الطقوس، وقائمة بشكل كامل على التقوى الشخصية الداخلية. كل ديانة هي بحاجة إلى وسائل للتعبير عن إيمانها وهذا التعبير يتواجد بشكل رئيسي في طريقة الصلاة الجماعية التي تحييها جوقة المؤمنين.

  لنحاول الآن أن نفهم ما معنى كلمة طقوس:

  على الصعيد الأنثروبولوجي (علم الإنسان)، تشير كلمة “طقوس” إلى جميع الممارسات الجماعية أو الفردية منها والتي تتسم بـ:

ـ تقليد معيَّن، وتُنسَج على منوال ممارسة سابقة وبهذا تعبِّر عن كيان الإنسان من حيثُ أنهُ كائن اجتماعي، ينتمي إلى حضارة معيّنة ويتصرَّف بحسب عادات متعارف عليها (لنذكر التحية في مختلف الحضارات: التصافح باليد، الإنحناء أمام الآخر، وأشكال أخرى تختلف بإختلاف الحضارة).

ـ المجانية (كما سبق وذكرنا) أو بكلمة أخرى “عدم النفعيَّة”. لأن الإنسان يتسم بأنهُ يُمارس عدة أمور لا تدخل في نطاق النفعيّة بل المجّانية (عندما تقوم امرأة بتحضير طبق حلوى، لا تهتم فقط بالطعم بل بالشكل أيضاً، هذا يدخل في نطاق المجانية أو عدم النفعيّة)؛ مع العلم أنه ليست كل الطقوس متّسمة بالمجانية (على سبيل المثال الطقوس الوثنية التي تُقام لأجل استدعاء الخصب والأمطار).

ـ الارتباط باعتقادات معيَّنة، الابتعاد عن المنطق الحسّي للأمور والدخول في حدود ما فوق الطبيعة.

  الطقس المسيحي:

  الطقس المقدس في المفهوم المسيحي هو رمز يُشير إلى حقيقة معينة ويُحققها. لنأخذ مثالاً على ذلك: البذرة هي رمزٌ للشجرة، لكنها لا تشير إلى حقيقة الشجرة فحسب بل تحققها، أي تحوي في ذاتها حقيقة الشجرة. مثال آخر : الجنين في الرحم هو رمز للإنسان الناضج، ولكنهُ رمزٌ يحملُ في ذاتهِ حقيقة الإنسان فهو إذاً “يحقق” ما يشير إليهِ.

  لفهم هذا الموضوع بشكل واضح نورد بعض الأمثلة عن علامات لا تحوي في ذاتها الحقيقة التي تشير إليها. إشارة المرور مثلاً، تشير إلى حقيقة معيّنة (ممنوع الوقوف، ممر مشاة، طريق خطر…إلخ) ولكنها لا تحمل في ذاتها الحقيقة التي تشير إليها، بل هي مجرد رمز من إبداع الإنسان الذي يتفق مع نظيره على معناه المحدد (على سبيل المثال لو كان الإنسان قد قرر أن الضوء الأحمر في إشارات المرور يعني السير والأخضر الوقوف، لما كانت هناك مشكلة، لأن اللون في حدِّ ذاته لا يحمل حقيقة معيّنة بل هو مجرّد رمز يُتَّفق عليهِ لا أكثر!).

  الطقس المسيحي إذاً ليسَ علامةً على شاكلةِ إشارة المرور، بل هو رمزٌ  يحمل في ذاتهِ الحقيقة التي يشير إليها، ويُحققها. فمع أنهُ مؤلَّف من إشارات، كلمات ولغة رمزيّة، يجب علينا ألا نفهمهُ على أنّه مجرد وسيلة تشبع حاجة الإنسان إلى استعمال اللغة الرمزية والإشارات كي يعبر عن حقيقة معينة (تفسير أنثروبولوجي). بل علينا أن ندرك بأن الطقس المسيحي هو رمز يُشير إلى علاقتنا بالمسيح ويحققها وكما أن الرب يسوع ذاتهُ قد حقق عملاً إلهياً (خلاص الإنسان) بواسطة طبيعتهِ الإنسانية المتحدة بكلمة الله، بنفس الطريقة الطقس الليتورجي المسيحيّ يُأُوِّن (يجعل حاضراً) بواسطة طبيعتهِ الماديّة عمل المسيح الخلاصي(تفسير لاهوتي). لهذا فالطقس المقدس هو “يد الرب يسوع” الممدودة إلى الكنيسة “هنا و الآن”، كيما نستطيع أن “نلمس” إنسانيَّتهُ التي حقق بواسطتها خلاصنا.

  عندما نشترك في صلاة الكنيسة الطقسية علينا أن ندخل في منطق هذه الصلاة التي تجمع الكنيسة من مشرق الشمس إلى مغربها، وندرك قيمة النعمة المعطاة لنا من خلالها أي الخلاص الإلهي الذي يصبح بقوة صلاة الكنيسة حاضراً لنا اليوم والآن، بحسب وعد الرب يسوع: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون هناك في وسطهم” مت 18/ 19.

عن الموسوعة العربية المسيحية

ما هي الليترجيا؟

ما هي الليترجيا؟

    ليترجيا (λειτουργια / leitourgia) هي كلمة يونانية الأصل، وكانت في البداية تعني العمل أو المبادرة الحرة التي يقوم بها شخص ما من أجل جماعة معينة (الشعب، المدينة، البلد…). مع مرور الوقت فقدت هذه الكلمة مضمونها الحر، وراحت تعني كل عمل إجباري يقع على عاتق الفرد تجاه مجتمعه أو تجاه الآلهة (خدمة العبادة).

  في الترجمة اليونانية للعهد القديم (السبعينية) تدل كلمة ليترجيا على كل نوع من الخدمة الدينية، على سبيل المثال خدمة اللاويين في خيمة الاجتماع ومن ثم في هيكل أورشليم. وهكذا كانت هذه الكلمة تدل على خدمة العبادة الجماعية لشعب الله، والمتميِّزة عن العبادة الفردية التي يُشار إليها في الترجمة السبعينية بتعابير يونانية أخرى.

  في العهد الجديد كلمة “ليترجيا” لا نجدها أبداً تدل على خدمة العبادة الجماعية كما في العهد القديم (هناك حالة واحدة تشذ عن هذه القاعدة وهي أع 13/ 2 )، هذا لأن الكلمة كانت مرتبطة بشدَّة بخدمة الكهنوت اللاوي.

  لكن تعبير “ليترجيا” سرعان ما عاد يظهر في الكتابات المسيحية ـ اليهودية القديمة مثل “الديداكيه” ورسائل القديس أكليمنضس. هذه الكلمة تكتسب في الكتابات المسيحية معنى جديد لأنها تدل على خدمة المسيح الكهنوتية، حتى لو أنها في أشكالها قد استعملت كثيراً من طقوس العبادة اليهودية، مضفية عليها معانٍ مسيحية.

  هذه الكلمة اليونانية انتشرت بسرعة في الكنيسة الشرقية لتدل على خدمة العبادة المسيحية عامة وعلى الاحتفال بالإفخارستيا خاصةً. بينما ظلَّت غريبة عن الكنيسة الغربية لأجيال عديدة.

  في القرن السادس عشر تظهر من جديد هذه الكلمة في الكنيسة الغربية لتدل على الكتب الطقسية المستعملة في العبادة، وعلى كل ما يتعلق بالعبادة المسيحية. للأسف هذا التعبير قد فُهِمَ على أنه إشارة للطقوس وللقوانين التي تحكمها، هذا المفهوم ظلَّ سائداً حتى المجمع الفاتيكاني الثاني، وهو مفهوم يُعبِّر عن نظرة سطحية لليترجيا ورؤية ذات طابع “قانوني“.

  في أواخر القرن التاسع عشر قامت في الكنيسة جماعة أرادت تجديد الليترجيا والتعمُّق في مضمونها، سُمِّيت هذه الجماعة بـ “الحركة الليتورجيّة” وقد أسهمت في التوصُّل إلى نظرة أكثر عمقاً وشمولية، جعلت المجمع الفاتيكاني الثاني يتبنّى مواقفها ودراساتها. ظهر هذا جليّاً في الوثيقة المجمعية الخاصة بالليترجيا (أول وثيقة يصدرها المجمع) حيث قُدِّمَت الليترجيا على أنها متابعة حقيقية وواقعية لحدث التجسُّد: بواسطة الليترجيا يتحد الله بالإنسان والإنسان بالله، كما حدث في سر تجسد كلمة الله الذي صار إنساناً لأجل خلاصنا، فقد كان مخطط الله منذ البدء أن يكون الإنسان متحداً بهِ، هذا تحقق في يسوع المسيح عن طريق الكنيسة لأنها شعب الله، حيث يقيم روحه القدّوس.

  الليترجيا إذاً هي الوسيلة التي من خلالها تحقق الكنيسة دعوتها أي الاتحاد بالثالوث الأقدس. وهيً تنبع من الحدث الأساسي في تاريخ الخلاص أي السر الفصحي، موت الرب وقيامته. هذا السر الفصحي ليس مجرد حدث تحتفل به الليترجيا كذكرى سنويّة، بل إنه “الحدث” الذي منه تستمدُّ وجودها، وهي ذاتها (الليترجيا) تجعل هذا الحدث الأساسي حاضراً “الآن وهنا” لأجل كنيسة اليوم، فكما أن خلاص الله لشعب العهد القديم من عبودية مصر تمَّ عن طريق “الطقس الفصحي” هكذا أيضاً اليوم، يحقق الله خلاصنا من خلال أمور ملموسة (الليترجيا).

  إليكم كلمات المجمع الفاتيكاني الثاني في تعريف الليترجيا: “هي عمل مقدس، الذي بالطقس الديني، في الكنيسة وبواسطة الكنيسة، يُمارَس ويستمر عمل المسيح الكهنوتي، أي تقديس الإنسان وتمجيد الله”  (SC2)

  فالعمل الليترجي ليس مجرد عملً مقدس، بل هي الوسيلة التي من خلالها، يكون المسيح الرب ذاته حاضراً في كنيستهِ ومكملاً رسالته كوسيط بين الله والناس.

عن الموسوعة العربية المسيحية

Michigan SEO