الأحد الثاني بعد الميلاد

الأحد الثاني بعد الميلاد

لو 2 : 22 ـ 38

عيد الختانة ورأس السنة الميلادية الجديدة / يوم السلام العالمي

الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقاً لِقَوْلِكَ

جمعٌ غفير من الزوار ملئ هيكل أورشليم وضوضاءٌ عالية تنطلقُ هنا وهناك وضجيجُ المارة يطرشُ الأذان ، يمكننا أن نتخيل الموقع هذا ونتصور كيف دخلا يوسف ومريم مع طفلهما الجديد بهدوئ وبصورة عادية وطبيعية وبدون أن يثيروا دهشة الأخرين. وهناك شيخٌ (سمعان) وعائلة شابة أمامه، هذا ما نجده في قلب الحدث. فمريم تحتضن أبنها البكر، أبن الله، فتحمل بين ذراعيها قربان العالم. أما يوسف فيحمل قربان الفقراء، زوجي حمام. أما سمعان فلم يكن لا كاهن ولا معلم ولا فريسي. فلم يكن أصلا ًفي الهيكل منتظرًا وصول الحدث هذا لأنه للتو وصل إلى الهيكل باحثًا عن شئ. الروح القدس كان قد دفعهُ إلى هناك “فأَتى الـهَيكَلَ بِدافِعٍ مِنَ الرُّوح”. القديس لوقا يلخص لنا حالة هذا الرجل بثلاث عبارات

أولا ً: كان”رَجُلٌ بارٌّ” ويسير لتحقيق إرادة الله

ثانيـًا : كان رجلٌ “تَقيٌّ” عند إستقباله لرحمه الله

ثالثـــًا : كان أبنٌ من أسرة شعب الله ينتظر بصبر وثقة وعد الله، ” يَنتَظرُ الفَرَجَ لإِسرائيل”، متضامنــًا مع مصير شعبه

رجلُ إيمانٍ ومحبة ورجاء أرسله الروح القدس أمام طفل المغارة المسيح المنتظر. بدون أي كلمة تذكر يستقبل الطفل ويحملهُ بين ذراعيه. ها هو العهد الجديد بين يدي القديم (الشيخ)، ها هي لحظة الوفاء التي أعدها الله منذ أبراهيم لشعبه وغنم مرعاه

بعد أن حمل سمعان الطفل يسوع بين يديه بدأ بتمجيد الله، ” حَمَله عَلى ذِراعَيهِ وَبارَكَ اللهَ”، والروح القدس أضاء صلاته ليكشف لهذا الشيخ الفقير مصيرهُ، “الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقاً لِقَوْلِكَ”، ومصير الطفل الذي يحمله ومصير أمه العذراء مريم “ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض. وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة” هذا ما تنبئ به سمعان الشيخ

تكلم شيخنا سمعان بموضوعين أحدهما الإنطلاق والأخر السلام “الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام”. فهو يستطيع الأن أن ينطلق أو أن يطلقه الله نحو الموت لأنه أبصر وألتقى ولمس ما وهبة الله لحياة العالم. فينطلق بسلام لأن الله أفتقد شعبه وتذكر وعده الأبوي

أما ما يخص الطفل يسوع، فسمعان يعلن مصيره الذي يشمل به العالم. فهو سيكون خلاصٌ لجميع الأمم. خلاصٌ من جهة لإسرائيل التي يكشف الله وفاءه وعهده لها وللوثنيين أيضـًا حيث يغمرهم برحمته الواسعة، “فتَقَبَّلوا إِذًا بَعضُكُم بَعضاً، كما تَقبَّلَكمُ المسيح، لِمَجْدِ الله. وإِنِّي أَقولُ إِنَّ المسيحَ صارَ خادِمَ أَهْلِ الخِتان لِيَفِيَ بِصِدْقِ اللهِ وُيثبتَ المَواعِدَ الَّتي وُعِدَ بِها الآباء. أَمَّا الوَثنِيُّون فيُمَجِّدونَ اللهَ على رَحمَتِه، كما وَرَدَ في الكِتاب: ((مِن أَجْلِ ذلِك سأَحمَدُكَ بَينَ الوَثنِيِّين وأُرَتِّلُ لأسْمِكَ)) .وَردَ فيه أَيضًا: ((إِفرَحي أَيَّتُها الأُمَمُ مع شَعْبِه)). وَردَ أَيضًا: ((سبِّحي الرَّبَّ أَيَّتُها الأُمَمُ جَميعًا، وَلْتُثْنِ علَيه جَميعُ الشُّعوب)). قال أَشَعْيا أَيضًا: ((سيَظهَرُ فَرْعُ يَسَّى، ذاكَ الَّذي يَقومُ لِيَسوسَ الأمَم وعَلَيه تَعقُدُ الأُمَمُ رَجاءَها)) لِيَغمُرْكُم إِلهُ الرَّجاءِ بِالفَرَحِ والسَّلامِ في الإِيمان لِتَفيضَ نُفوسُكم رجاءً بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس! .” (روما 15 : 7 – 12) سيشع إذن نور الله على كل البشر. نورُ ومجدُ الطفل يسوع أبن الله سيشمل العالم بأسره فيصبح الكل جزءًا لا يتجزء من عائلة الله ومن خطة الله الخلاصية. هذا الضياء البهي الذي يشع على العالم بأسره قادرًا أن يخترق قلب الإنسان وقلوب كل الجماعات البشرية بنفس القوة والفعالية. إلا إن البشر مهما كانت اللغة ومهما كانت الثقافة هم أمام خيار إستقبار ذلك النور الرباني أو رفضه. أمام أبن مريم وأمام يسوع إلاه من إلاه، يتوجب عليهم تحديد وجهتهم بحرية وصدق ومسؤولية

أمام أندهاش مريم يضيف سمعان عندما يتكلم معها “وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة”. وكأن قلوب الأخرين لا تنتظر إلا هذا الحدث، قمة محبة الله للعالم وهو على الصليب، لتنكشف الأفكار عن قلوبهم. فأي مولودٌ هذا الذي نحتفل بولادته وفي نفس الوقت نتنبئ بموته المروع ؟ وأي أمٍ تحتمل هذا الكلام حول مصير إبنها البكر الوحيد الحديث الولادة ؟ كل هذا ما فعله الله من أجلنا نحن البشر، نحن من نحس ونلمس حدود رفض نور الله أو أستقباله، نحن من نعيش ونتواجد أمام قلقنا وخوفنا من كل شئ أو تأمين حياتنا بيد الله. إلى أين نسير لنجد نور خطواتنا وخطوات من حولنا ؟ أين نجد سلامنا ومتى نستطيع حمله لغيرنا ؟ لنسير اليوم، أخوتي وأخواتي، على خطى سمعان الشيخ مدفوعين ومدعومين من روح الله. لندخل إلى معبد الله ، لنصلي إلى الله الأب ولنستقبل من مريم الطفل يسوع فمريم تؤمنه بين أيدينا يوميـًا ومتى ما طلبناه لأنها تثق بنا. لنحتفظ به بقوة بين أيدينا فعندما نحمله سيقودنا هو بنفسه في درب الحياة ويغمرنا بحبه ورحمته

الأب مهند الطويل

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO