لنفسح المجال لله كي يدخل في عالمنا

 لنفسح المجال لله كي يدخل في عالمنا

“وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ.وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة: سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد” (لوقا 2: 11-12)، وفي إنجيل يوحنا نقرأ: “الكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا” يو 1: 1 -14

1

التجسد هو اسلوب خلق جديد حيث يأتي الرب ليدخل في العالم وفي التاريخ فيشارك الإنسان في بناء هذا الكون. أنه شكل من أشكال الخلاص الذي يهبه الله لكل البشر: “فَرأت جميعُ أَطْرافِ الأَرضِ خَلاصَ إِلهِنا” (اش 52: 10)، أي إمكانية تحقيق الحق والعدل والسلام كما هو مذكورٌ في سفر اشعيا: “لِنُمُوِّ الرِّئاسة ولسَلام لا آنقِضاءَ لَه على عَرًشِ داوُدَ ومَملَكَتِه لِيُقِرَّها ويُوَطِّدَها بِالحَقِّ والبِرّ مِنَ الآنَ وللأَبَد غَيرَةُ رَبِّ القُوَّات تَصنعُ هذا”

اش 9: 6

 

ولد المسيح في مذودٍ، بيد أنه يحمي العالم، بالأقماط يُلف بالرغم من أنه يكسوك عدم الموت؛ في الفندق لا يجد له محلاً في حين أنه يقيم في قلوب المؤمنين به. صارت القوة ضعفاً ليصير الضعف قوة” القديس أوغسطينوس في منافع تجسّد المسيح

 

عظمة سر المسيحية تكمن في المفارقات التي نجدها فيها: أبن الله، الذي به خلق الآب: “كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين” (عب 1: 2)؛ الذي بدونه “ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان” (يو 1: 3) يولد، كأي طفل من أطفال العالم، من فتاة شابة، في زاوية مظلمة من الأرض، ملفوفٌ بقمطٍ و”لأَنَّهُ لم يَكُنْ لَهُما مَوضِعٌ في الـمَضافة” (لو 2: 7). انه يترك وراءه مجده ويأخذ بشريتنا الضعيفة فيولد كطفل. ينزل الله من السماء إلى الأرض إلى حد أن نزوله هذا لا يمكن أن يدرك أسبابه أحد “هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة  بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان  فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيل 2: 6-8).

 

3  

  “لأَنَّكم جَميعًا أَبناءُ اللهِ بِالإِيمانِ بِالمسيحِ يسوع”

 

تقدم لنا قراءات اليوم رسالة عيد الميلاد العميقة. هذه القراءات تدعونا إلى استعراض أحداث الميلاد كي ننتبه إلى شخصيات قصة الميلاد وبطل الرواية: مَن هو الطفل الذي يولد؟ انه كلمة الله الذي صار إنساناً: “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين. هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه، يَحفَظُ كُلَّ شيَءٍ بِقُوَّةِ كَلِمَتِه. وبَعدَما قامَ بِالتَّطْهيرِ مِنَ الخَطايا، جَلَسَ عن يَمينِ ذي الجَلالِ في العُلَى” (عب 1: 1-3).

 

الطفل الذي ولد لنا، هو الابن، الذي أعلن عنه النبي أشعيا، والذي سيكشف وجه الله الآب الى الابد: “لِأَنَّه قد وُلدَ لَنا وَلَدٌ وأُعطِيَ لَنا آبنٌ فصارَتِ الرِّئاسةُ على كَتِفِه ودُعِيَ أسمُه عَجيباً مُشيراً إِلهاً جَبَّاراً، أَبا الأَبَد، رَئيسَ السَّلام” (اش  9: 5) فهو يفتح الباب أمامنا مع إمكانية أن نصبح أبناء في الابن: “أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله” يو 1: 12

 

  الشعب  السّالكُ في الظلمة أبصر نوراً عظيماً

 

هذا الطفل يعرّفنا بأنفسنا، من نحن، من نحن والى من نذهب ؟، أي يقودُنا إلى العلاقات الجيّدة التي تبنينا، فسر ميلاد المسيح الرب يفتح الطريق أمام الممارسات الفاضلة التي تسمح لنا فقط بتبادل الاحتياجات، المقاسمة المشتركة في الصعوبات مثلا، والشعور بالوحدة مع الآخرين والتعاون معهم من أجل بناء عالم جديد.

 

التحول الكبير الذي حدث في الإنسانية بولادة المسيح يجبرنا على الشعور بمعاناة كل البشر أبتدأً من المهمشين إلى المعتبرين، من المعوزّين إلى الأغنياء، من الأطفال إلى الشيوخ ومن المرضى إلى الأصحاء. هذا التحوّل يجعلنا نشاطر الشباب الذين يتذمرون من الحياة ولا يجدون الأمل ويشعرون باليأس من المستقبل؛ نشاطر أولئك الذين يعانون من الألم ويقضون هذا العيد في أسرّة المستشفيات، هذا التحول يجعلنا أن نعمل بإجتهاد بواسطة المحبة من أجل حل مشاكل الأُسر المفككة بسبب الحقد وأن نداوي جروحها، أن نأخذ هذا التحوّل على محمل الجد في دعوتنا للدخول في المجتمع وبناءه، كل حسب دعوته الخاصة، إنها دعوة للمساهمة في بناء عالم الله بالعدل والسلام كي يتعافى من الأزمات التي يعاني منها في الاقتصاد والسياسة والتطرف، أن نتشاطر مخاوفنا لأجل المسيحيين المُعرّضين للعنف بسبب الاضطهاد في البلدان التي ليس فيها حرية التعبير الديني، ولا ننسى الكثير من البشر، لا سيما في جنوب الكرة الأرضية الذين يعانون من الجوع ويعيشون في بؤس وفقر كبير.

 

إذا عشنا عيد الميلاد هذا كفترة للراحة والعطلة، جاعلين منه طقوس متوارثة تعاد كل سنة في حياتنا، سيكون هذا خيانة لفعل التجسّد الذي قام به يسوع من أجلنا. لذا فمن الأفضل أن نضيء مصابيح إيماننا كي نفسح المجال مرة أخرى لله أن يدخل في حياتنا، كي نصبح شعبه وأبناءه، اي أن نكون منفتحين للكل “الَّذي جادَ بِنَفْسِه مِن أَجْلِنا لِيَفتَدِيَنا مِن كُلِّ إِثْمٍ ويُطَهِّرَ شَعْبًا خاصًّا به حَريصًا على الأَعمالِ الصَّالِحَة” (تيطس 2: 14).

 

5   

 “جاءَ إِلى بَيتِه. فما قَبِلَه أَهْلُ بَيتِه”

 (يو 1: 11)

 

انه خيار صعب ومخيف لنا أيضاً. ومع ذلك فإن قبول الشرط ليس صعباً، بل إنه في متناول أيدينا. إنه وبكل بساطة، نفس خيار الرعاة الذين، بعد الإعلان الفائق الذي سمعوه من الملائكة، اتخذوا القرار ومن دون تأخير ” قالَ الرُّعاةُ بَعضُهُم لِبَعض: (( هَلُمَّ بِنا إِلى بَيتَ لَحم، فَنَرَى ما حَدَثَ، ذاكَ الَّذي أَخبَرَنا بِه الرَّبّ))” (لوقا 2: 15). هكذا فقط في التعجّب يُعرف الطفل والتعجّب يقود إلى عبادته (غريغوريوس النيصي). كما يقول أيضاً: “الإنسان في حركة دائمة، تشدّه رغبةٌ لا حدود لها هدفها الله، الجمال اللامتناهي الذي يزداد بعداً كلما اقتربت النفس منه. إنه غيرُ مدرك، وهو مع ذلك محط الرغبة البشرية التي لا تجد السعادة إلاَّ فيه”.

 

أيتها العذراء مريم ومار يوسف المعظم أفتحوا قلوبنا في عيد الميلاد هذا لولادة جديدة. وعيد ميلاد سعيد!

الأب سامي الريس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO