الأحد الرابع من البشارة

الأحد الرابع من البشارة

مت 1 : 18 ـ 25

فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس

الله صنع في مريم عجائب “لأَنَّ القَديرَ صَنَعَ إِليَّ أُموراً عَظيمة”. والأعجوبة الأكثر إدهاشـًا والأكثر إغناءً للخليقة البشرية كانت أنجاب أبن الله أي أعطاء ملامح للذي سيكون متساميـًا فوق كل ملامح وجهٍ بشري ومصدر نعمة عظيمة لكل فرد يقستبله. مريم لا تستطيع أن تفُهم ماذا عمل الله بها وما هي غايته، فتعمل بجد على إقحام يوسف في عمل الله الخلاصي، فتختبئ من جانبها في أعماق ذلك الصمت الذي سيدينها بالتأكيد “فَلَمْ يُرِدْ أَن يَشهَرَ أَمْرَها، فعزَمَ على أَن يُطلِّقَها سِرّاً”، لأن الله وحده فقط قادر على إنهاضها من ورطتها تلك فيرجع لها نشوة الفرح والسلام الذي ظنت ولو للحظات بأنها أفتقدتهما “تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسي وتَبتَهِجُ روحي بِاللهِ مُخَلِّصي لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة”. إنكسارها أصبح نصرًا عظيمـًا لمشيئة الله

فيعمل الله على إرسال ملاكه ليوسف كجواب سريع وشافي لقلق ولتساؤلات مريم الصامتة، فيقول لهُ: “يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ”، لا تخف لأن كل ما تراه وتستنتجه غريب ويبدو لك من الوهلة الأولى غير منطقي وعديم المعنى، فكل هذا هو سر عمل الله. فيمكنك قبول هذا الطفل وتستطيع تسميته يسوع لأن بواسطته سيخلص الله شعبه من خطاياهم ويزيل عنهم ذلك الحمل الثقيل الذي يهد أكتافهم منذ زمن بعيد “وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم” ذلك الطفل الذي يملئ العالم بالسلام والوئام

هكذا هي طرق الله، فهي تغير تمامـًا وجهات مسير البشر، لكن ليس نحو أي إتجاهٍ كان بل نحو طريق الفرح وطريق العطاء اللامحدود والطاعة التامة. وهنا يفقد الرجاء الأرضي بريقه  لأن الله بذاته قد جهز للإنسان كنزًا في السماء سيكتشفه عندما يظهر من جديد القائم من بين الأموات ويجلب معه كل مؤمن بإسمه القدوس. الكنز العظيم هذا سيتجاوز كل لحظات إنتظار عالمنا اليوم. فكل ما لم يتعشعش في قلب الإنسان ولا يستطيع أن يجد لهُ مأوى هناك، الله بذاته سيجد له طريق أكيد بطريقة هو وحده يختارها ويعرفها لكنها ناتجة عن حبٍ عميق وفريد نحو البشرية جمعاء

الله يبتهج عندما يفاجأ البشر، وكل أعماله تحمل علامات التناقض بنظرهم والمفاجأت اللامتوقعة تدهش عقولهم وأفكارهم، فمن تلك القبيلة الصغيرة  يهوذا الإسرائيلية سيخرج ذاك الذي سيحكم العالم بقبضة السلام والمولود من قبل عذراء مخطوبة فيعطي تفسير شافي ووافي لخطة الله الخلاصية للبشرية جمعاء وقوة محبته ستنتشر إلى كافة بقاع العالم لتغمر كل ركن فيها بحضور دائم لطفل السلام

هذه هي طريقة الله التي تختلف عن طرقنا. فنحن نحسب لكل خطوة ألف حساب ونفكر مليـًا قبل الإقدام على أي مشروع غير إن الله لهُ مشيئة أخرى تقلب رأسـًا على عقب حياتنا لتوجهها نحو طريق تمجيد أسم الرب وإعلان بشراه السارة لبني البشر. طرق الرب ترج الإنسان فتوقضه من نومه العميق وسباته الطويل “فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ” فأظهر طاعة لا مثيل لها لكلام الله

ما قاله الرب ليوسف: “يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ”، يقوله لنا اليوم عندما نجد أنفسنا غرباء أمام مخطط الله، صامتين في لحظات تبدو لنا غريبة وغير مفهومة هذا لأن الله يعتني بنا ويجهز لنا كل ما هو رائع ومدهش لحياتنا ولخلاصنا. “لا خافوا” كررها قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني عندما عنون كلامه للشباب القادمين للمشاركين في اليوم العالمي للشباب، ليدعوهم بالثقة التامة بوعود الله وبالإيمان الكامل ببشراه السارة لهذا العالم البعيد عن مشيئة الله. “أَمَّا أَنتُم، فشَعَرُ رُؤُوسِكم نَفسُه مَعدودٌ بِأَجمَعِه. لا تَخافوا، أَنتُم أَثمَنُ مِنَ العَصافيرِ جَميعاً”. وضع يوسف ثقته بالله فأصبح بارًا ووضعت مريم إيمانها بكلمة الله فأصبحت أم مخلصنا وفادينا يسوع المسيح طفل المغارة ورئيس السلام

الأب مهند الطويل

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO