على هامش لقاء أسيزي.. “حجاج الحقيقة، حجاج السلام”

على هامش لقاء أسيزي.. “حجاج الحقيقة، حجاج السلام”

المونسنيور بيوس قاشا – بغداد

“حجاج الحقيقة، حجاج السلام”… عنوان رسالة قداسة البابا بندكتس السادس عشر إلى رؤساء وممثلي الكنائس والجماعات الكنسية والأديان المختلفة في العالم والذين اجتمعوا في مدينة أسيزي في الثالث من نوفمبر عام 2011 للصلاة من أجل السلام، بمناسبة العمر اليوبيلي الفضي للقاء الأول الذي دعا إليه البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني عام 1986، كون السلام رسالة الجميع ومسؤولية الجميع وهدف الجميع، مؤمنين وغير مؤمنين.

ففي بدء رسالته، وفي مقدمة موجزة، يذكّر البابا الحاضرين في أسيزي بأن هذا الاحتفال يتزامن والذكرى الخامسة والعشرين للقاء أسيزي الأول والذي دعا إليه حينها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1986، وكان الهدف منه ترسيخ مبدأ الدين في خدمة السلام في العالم. وفي هذه المقدمة يتساءل قداسته عن السلام وما الذي حصل له منذ ذلك الحين وأين وصلت اليوم قضيته. كما يذكّر البابا بأن اللقاء الأول جاء حينها كردّ فعل للتهديد الكبير للسلام في العالم، حيث كان منقسماً إلى قسمين متضاربين، وجدار برلين كان العلامة الأكيدة إذ يقول: “كان التهديد الكبير للسلام في العالم ينبع من انقسام الكوكب إلى قسمين متضاربين كما كان جدار برلين يرسم الحدود بين عالمين”.

ويذكر البابا في مقدمته كيف كان سقوط حائط برلين عام 1989 أي بعد ثلاث سنوات من لقاء أسيزي الأول وبدون سفك دماء، وكان نتيجة هذا السقوط أن فقدت الصواريخ المعدة وراء الجدار قدرتها، فيقول: “لم يعد من معنى للصواريخ التي كانت معدة وراء الجدار والتي فقدت قدرتها على الترهيب بإرادة الشعب التي كانت أقوى من صواريخ العنف”. إلى جانب أسباب أخرى اقتصادية وسياسية إضافة إلى الطابع الروحي، كون العنف لا يمكن أن يملك ستاراً روحياً. وقد كانت الصلاة عبر حرية الإيمان انتصاراً، كما كانت الدافع الأكيد من أجل إحلال السلام، وإن لم تكن لوحدها.

ثم يلج قداسته في حديث عن هذا الموضوع الساخن، فيقول: “إن العالم مليء بالخصام.. والعنف حاضر بحد ذاته ودوماً.. وإزاء العنف يتكلم قداسته عن الحرية التي ما هي إلا خير عظيم، ومن المؤسف أن تكون دون توجه، فتظهر حينذاك بصورة أخرى، فتكون حرية ارتكاب العنف، حيث يأخذ الخصام وجوهاً جديدة ومرعبة”.

ثم يضع قداسته -وهو في وسط الحدث وفي صلب الموضوع- الخطوط العريضة لوجود العنف. فيميز بين نوعين جديدين من أشكال العنف: أولهما الإرهاب والذي لا يهتم بحياة الأبرياء الذين يُقتَلون ويُجرحون بإجرام أمام عيون المسؤولين، وفي ذلك يتم تهميش كل القوانين الدولية التي سُنَّت كرادع للعنف، وغالباً ما يكون العنف مدفوعاً من أسباب دينية والتي تفيد تبرير العنف الذي لا يعرف شفقة، معتقداً أن في ذلك تهميش قواعد القانون لأجل الخير المرتجى، إذ يقول قداسته: “نعرف أن الإرهاب هو غالباً مدفوع من أسباب دينية، وإن طابع الاعتداءات الديني يفيد لتبرير العنف الذي لا يعرف شفقة والدين هنا ليس بخدمة سلام بل هو تبرير للعنف”.

ثم يتكلم قداسته في رسالته إلى أن عصر التنوير كان يشدد دوماً على أن الدين هو سبب العنف، وفي هذا ساهم في تعزيز العداء نحو الأديان… فلا يمكن -يقول قداسته- أن تكون الأديان أمراً يحث على العنف فهذا يقلق الجميع كوننا متدينين. وأحياناً أخرى نرى الأديان سبباً للعنف عندما يتم استعمال العنف من قبل محامي دين ضد الآخرين.

وهذا ما دفع الذين التقوا عام 1986 في أسيزي إلى أن يقولوا -وقداسته يردده اليوم أيضاً وبقناعة- أنه “ليست هذه طبيعة الدين الحقيقية بل هي تشويه يسهم في تدمير الدين”… ثم يتساءل قداسته إن كان هناك اعتراضاً على هذا الأمر، ولمعرفة ماهية وطبيعة الدين الحقة، وما هي القناعة التي تنبع من واقع أن قوة الدين قد خفتت، وهناك مَن يعترض أيضاً إذ يقول: هل هناك حقاً طبيعة مشتركة للأديان والتي يتم التعبير عنها في كل الأديان؟.

بعد هذه الأسئلة، يناشد قداسته معالجتها إذ يقول: “هذه التساؤلات لابد أن نعالجها إذا ما أردنا أن نواجه بشكل واقعي وقابل للتصديق اللجوء إلى العنف لأسباب دينية”… ويخلص قداسته إلى الحل الأمثل الذي يأتي من دور الحوار بين الأديان… وكمسيحي يعترف قداسته “باسم الإيمان المسيحي أيضاً إذ تم اللجوء إلى العنف”، ويقول: “إن هذا الاستعمال للعنف كان استخداماً سيئاً للإيمان المسيحي، كما لا يتطابق إطلاقاً مع طبيعته الحقيقية”.

بعدها يستشهد قداسته معلناً الحقيقة إذ يقول: “إن الإله الذي نؤمن به نحن المسيحيون هو خالق وأب جميع البشر… وهم أخوة وأخوات… ويشكّلون عائلة واحدة. وصليب المسيح ما هو إلا علامة الله لنا -الذي بدل العنف- يضلّ يتألم لأجل الآخر والمحبة مع الآخر… إنه إله الحب والسلام (2 كو 11:13)”… كما أظهر قداسته أن من واجب المسيحيين تطهير الدين المسيحي، إذ قال: “من واجب جميع الذين يحملون مسؤولية في الإيمان المسيحي أن يطهّروا باستمرار الدين المسيحي انطلاقاً من محوره الباطني كي يكون وسيلة سلام الله في العالم”.

ثم تساءل قداسته مرة أخرى قائلاً: “إذا كان هناك نوع من العنف الذي يتم تبريره اليوم دينياً، فسيكون وضع الدين أمام التساؤل حول طبيعته، ويتطلب بل يُفرض علينا جميعاً تطهيره”.

أما النوع الآخر من العنف فهو نتيجة لغياب الله، وإن أعداء الدين يرون في الدين المصدر الأول للعنف، ويطالبون بالتالي بزوال الدين. ورفضهم لله يولّد عنفاً وقسوة بلا مقياس، إذ قال:”رفضُ الله إنما ولّد قسوة وعنفاً بلا مقياس. ولأن الإنسان لم يعد يعترف بأي شرع وبأي قاضٍ أعلى من ذاته، وأخذ ذاته كقاعدة وحيدة… وهذا ما ظهر جلياً في السجون النازية التي بيّنت بوضوح نتائج غياب الله”.

وفي هذا المضمار ينتقل قداسته في إيضاح لغياب الله عبر طرق مختلفة ووسائل عديدة، كالإلحاد وانحطاط الإنسان، ونزواته في عبادة المال والتملك والسلطة، إذ تظهر هذه، كما يقول قداسته “وكأنها دين معادٍ، لا يوجد فيه اعتبار للإنسان، ولكن فقط للمصلحة الشخصية -وعلى سبيل المثال يقول قداسته- في السعادة المنحطّة وفي سيطرة المخدرات بأشكالها المختلفة”، والتي يقع فيها الشباب فريسة إذ يؤكد قداسته “هناك الكثيرون الذين يقعون في أغوائها ويدمّرون أجسادهم ونفوسهم، فيضحي العنف واقعاً اعتيادياً ويهدد بتدمير الشباب، ويدمر السلام… وفي فقدان السلام هذا يدمر الإنسان نفسه”.

إذن، يقول قداسته: “إن غياب الله يؤدي إلى انحطاط الإنسان والإنسانية”.. ويتساءل: “ولكن، ابن الله؟، هل نعرفه وهل نستطيع أن نبيّنه من جديد إلى البشرية لبناء سلام حق”.. وفي هذا المخاض يوجه قداسته دعوة إلى أن يلخص الجميع أفكارهم فيقول: “لقد قلت أن هناك مفهوم واستعمال للدين تضحي من خلاله مصدر عنف، بينما توجه الإنسان نحو الله.. وإذا ما تم عيشه بشكل مستقيم هو بالواقع قوة وسلام”… وهذا ما جعل قداسته يؤكد لضيوف أسيزي أن الحوار ضروري إذ قال: “في هذا الإطار أشرتُ إلى ضرورة الحوار، وتحدثتُ عن تطهير الدين المعاش الذي هو أمر ضروري دائماً”.. كما بيّن قداسته مصرّحاً بأن “إنكار الله يؤدي إلى فساد الإنسان، ويحرمه من المقاييس، ويقوده إلى العنف”.

وقبل أن يختم قداسته رسالته إلى ضيوف السلام في ضيافة فرنسيس الأسيزي، يوجه قداسته أنظار سامعيه إلى أن هناك لواقع الدين ومعاداته، توجه أساس آخر وهو أن هناك أشخاصاً لم يحظوا بهبة الإيمان، ولا زالوا يبحثون عن الحقيقة، عن الله، عن الخير… ويعتبر قداسته أن هؤلاء هم “في مسيرة داخلية نحو (نحو الله) ويسمّيهم بِـ”حجاج الحقيقة، حجاج السلام”، وهم لا زالوا يطرحون أسئلة من ناحية إلى أخرى، وفي هذا “ينزعون من الملحدين العدائيين ضماناتهم الباطلة” التي يضيف قداسته قائلاً: “التي يزعمون من خلالها أن يعرفوا بأن الله غير موجود، ويدعونهم بدل أن يكونوا مجادلين إلى أن يكونوا أشخاصاً  يبحثون ولا يفقدون الرجاء، كون الحقيقة موجودة وعليهم أن يعيشوا من أجلها”… ويظهر قداسته أن “تأثيرهم يصل أيضاً إلى المنتمين إلى الأديان، كي لا يعتبروا الله كملكية خاصة فيظنون أنه يحق لهم أن يستعملوا العنف ضد الآخرين… هؤلاء الأشخاص يصفهم قداسته بأنهم أشخاص يبحثون عن الحقيقة، عن الله الحق”… والذي بسبب الأسلوب المعاش تبقى صورته مراراً كثيرة مستورة (غير ظاهرة جلياً)، والسبب في عدم تمكّنهم من إيجاد الله، يعود إلى المؤمنين الذين يصوّرون الصورة المشوّهة عن الله. وصراعهم هذا وبحثهم ما هو إلا نداء للمؤمنين جميعاً من أجل تطهير إيماننا، إذ يقول قداسته: “لكيما يضحي الله، الإله الحق، ملموساً”… فكانت دعوته أشخاصاً ممثلين لهذه الفئة في لقاء أسيزي، الذي لا يجمع فقط رجال المؤسسات الدينية بينما كل البشر ومن جميع الأديان والاتجاهات.

وختم قداسته رسالته قائلاً: “نحن نلتقي لكي نكون في مسيرة نحو الحقيقة، للالتزام الثابت من أجل كرامة الإنسان، بعدها أن نعمل سوية في الالتزام بقضية السلام ضد كل أنواع العنف الذي يدمر الحقوق”… وخاتماً كلمته وشاكراً ضيوفه، أعلن قداسته أن الكنيسة الكاثوليكية سوف لن تتخلى عن صراعها ضد العنف، وما هذا إلا التزام أمين تجاه السلام في العالم… وذكّر الجميع بدعوتهم ورسالتهم قائلاً: “نحن يحركنا توق مشترك وهو أن نكون “حجاج الحقيقة، حجاج السلام”.

وختم قائلاً: وهل أجمل من قول الحقيقة وعيش السلام… ومن المؤسف أن تباع الحقيقة اليوم في مزاد الضمائر الميتة من أجل غايات ونوايا، فيكون العنف فاصلاً مخيفاً وعبره نظلم أناساً أبرياء، بسطاء، فنجسّد مآربنا وإن كانت دون حق ونتاجر بمصالحنا وفي ذلك يُشوَّه وجهُ السلام ودعاتُه، في شورجة السلع الفاسدة جملةً وفراداً، هل فعلاً نحن ندعو ونحيا الحقيقة حسب قول قداسته في أن نكون رجال الحق والحقيقة بل حجاجها لنحمل السلام وليس الخصومة والعداء والعنف.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO