كلمة الله في حياة الكنيسة ورسالتها

كلمة الله  في حياة الكنيسة ورسالتها

في الثلاثين من أيلول سنة 2010 نشر قداسة البابا بيندكتوس السادس عشر الأرشاد الرسولي حول “كلمة الله” في حياة الكنيسة ورسالتها، الموضوع الذي بحثه سينودس الأساقفة في اجتماعه المألوف الثاني عشر في الفاتيكان من 5- 26 تشرين الأول 2008. إنها كانت خبرة رائعة للّقاء مع المسيح، كلمة الآب، الذي هو حاضر حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة بأسمه (مت18: 20

هذا الأرشاد الما وراء السينودس أراد قداسة البابا أن يستجيب حالاً على طلب آباء السينودس، ويعلن لشعب الله بأسره عذوبة وغنى الثمار التي ظهرت من لقاءات الأساقفة، والتوصيات التي نتجت من الجهود المشتركة المبذولة من قبل الجميع ذاكراً كل الوثائق التي حررها أعضاء السينودس محاولاً أن يُظهر المحاولات الأساسية للتقارب وكشف كلمة الله في حياة الكنيسة كربيع للتجديد المستمر. آملاً بأن تملأ هذه الكلمة كل نشاط كنسي

اكتمال الفرح

يتكلم قداسته عن أكتمال الفرح بالوحدة مع آباء السينودس، ذاكراً كلمات انجيل يوحنا الذي يؤكد لنا بأن أساس حياتنا هو “كلمة الله” الذي هو منذ البدء مع الله والذي صار جسداً وسكن فيما بيننا، هكذا يقول: “والكلمة صار جسداً وحلَّ فينا وقد أبصرنا مجده مجد وحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً” (يوحنا 1: 14). وهذا مُلخّص الايمان المسيحي يقدمه شخص التقى بالمسيح وتبعه وهو “التلميذ الذي أحبه يسوع” (يو 13: 23؛20: 2؛ 21: 7، 20). وقد وصل إلى يقين عميق بأن يسوع هو حكمت الله الذي تجسّد، هو الكلمة الأزلية الذي أصبح انساناً مثلنا ماعدا الخطيئة

ليُساعدنا يوحنا “الذي رأى وآمن” (يو20 :8) بأن نتكئ على صدر المسيح (يو13: 25) ينبوع الدم والماء، (يو19: 34) رموز أسرار الكنيسة، لنكون مستعدين لكي يقودنا الروح القدس إلى محبة أعظم لكلمة الله

بعد هذه المقدمة، قسّم قداسته هذا الأرشاد إلى ثلاثة أقسام

القسم الأول: كلمة الله.

القسم الثاني: الكلمة في الكنيسة.

القسم الثالث: الكلمة إلى العالم.

الحوار

ففي القسم الأول يتكلم قداسته عن الله الذي يتكلم: إنه يدخل في حوار. إن الأمر الجديد في الوحي الكتابي هو بأن الله يُعرف من خلال الحوار الذي يريد أن يعقده معنا. هكذا نقرأ في الدستور العقائدي في الوحي الألهي للمجمع الفاتيكاني الثاني عدد2: “إن الله الذي لا يُرى، يُخاطب جماعة البشر، من فيض محبته، كما يُخاطب الأحباء، إنه يتحدث إليهم ليطلب منهم أن يشاركوه في حياته”. إن الكلمة تنوجد قبل الخلق، وبالنتيجة في عمق الحياة الألهية توجد شركة، هناك هبة مطلقة “الله هو محبة” (يو4: 16)

يسوع المسيح المولود قبل كل الدهور من الآب، هو إله من إله ومساوٍ للأب في الجوهر، الكلمة كان مع الله والكلمة كان الله. وهو عينيه تجسّد وأصبح انساناً مثلنا ماعدا الخطيئة (يو1: 14). إذاً يسوع المسيح الذي ولُد من مريم العذارء هو حقاً كلمة الله الذي أصبح مثلنا في الجوهر. إذاً “كلمة الله” تعني هنا شخص يسوع المسيح وهو الأبن الأزلي وقد أصبح انساناً

ثم يُكمل الأرشاد الرسولي ويتكلم عن بُعد الكلمة الكوني لأن الكلمة المتجسّد والمخلّص هو الوسيط الأوحد بين الله والبشرية. وينتقل إلى خلقة الأنسان، فالحقيقة الواقعية كلها مخلوقة بواسطة الكلمة وكل شيء يجب أن يخدم الكلمة. هذه هي واقعية الكلمة، وفي ذلك توجد حقيقة مسيحانية الكلمة. لأن ظهور الله يكتمل بواسطة تجسد الكلمة، ورسالة يسوع النهائية اكتملت أخيراً في السر الفصحي، وهنا نجد أنفسنا امام كلمة الصليب (1 كور 1: 18

قمة الوحي

إن قمة الوحي هو في يسوع المسيح ولهذا فالمؤمنون يعيشون منتظرين مجيئه الثاني ليتحقق برنامج الله في الكلمة المتجسّد. وهكذا توجد العلاقة بين الروح القدس والكلمة الألهية، فعلاً لا يمكن أن نفهم حقيقة الوحي المسيحي خارج عمل الفارقليط. وهذا بسبب أن الله يُعلّمنا عن نفسه دوماً بواسطة العلاقة بين الابن والروح القدس وهذا ما أثبته ايرينيوس من ليون قائلاً بأنهما يدا الآب

هذه العلاقة يُثبتها التقليد والكتب المقدسة. هذا ما نادى به الرسل وما تعلموه من المسيح نفسه، مما قاله وعاشه وعمله، ومما عرفوه من إنارة الروح القدس، وما أكده المجمع الفاتيكاني الثاني في وثيقة: الدستور العقائدي “الوحي الألهي” عدد7

إن الفكر الأساسي والمفتاح لفهم النص المقدس ككلمة الله في كلمات بشرية هو بالتأكيد: الوحي. فكما إن كلمة الله صار جسداً بقوة الروح القدس في أحشاء العذراء مريم، هكذا الكتاب المقدس وُلد في أحشاء الكنيسة بقوة الروح القدس نفسه. إن الكتب المقدسة هي ” كلمة الله مكتوبة بالهام من الروح القدس” (الوحي الألهي) عدد 9

الله الآب، هو ينبوع وأصل الكلمة. إن تدبير الوحي بدأ وتأصل في الله الآب. بقوة كلمته “خلقت السماوات… ” (مز 33:6). إنه هو الذي أعطانا “نور فهم مجد الله في وجه المسيح يسوع” (2كور 4: 6؛ مت 16-17؛ لو9:29)

جوابنا لله الذي  يتكلم

لقد دُعينا إلى العهد مع الله. إن سر العهد يشرح هذه العلاقة بين الله الذي يدعو الأنسان بكلمته، والأنسان الذي يجيب. وهذه هي محظ هبة منه تعالى. وبواسطة هذه الهبة من محبته، الله يُقرّب كل بُعد، ويجعلنا حقاً “شركاءه” لكي يُقرّب سر حب العريس بين المسيح والكنيسة. والله يسمعنا ويستجيب على مطالبنا. وهكذا يستمر الحوار مع الله بواسطة كلمته. إن طاعتنا في الايمان يجب ان تكون جوابنا لله الذي يظهر لنا بكلمته. ولهذا علينا أن نبتعد عن الخطيئة لأنها ترفض السماع إلى كلمة الله

العذراء مريم أم كلمة الله وأم الأيمان

إن آباء السينودس أعلنوا بأن الغاية الأساسية من إجتماعهم هي “أن يجددوا إيمان الكنيسة بكلمة الله”. ومثالنا في ذلك هي العذراء مريم التي فيها تحقق بالكامل التناغم بين كلمة الله والإيمان. وهي بواسطة “النَّعم” لكلمة العهد ولرسالتها أكملت تماماً دعوة البشر الألهية

ثم تكلم قداسته عن تفسير الكتب المقدسة في الكنيسة ويقول بإن الرباط الداخلي بين الكلمة والإيمان يُظهر بوضوح بأن التفسير الحقيقي للكتب المقدسة يمكن أن يتحقق فقط في إيمان الكنيسة الذي تأصل في قول العذراء: “ليكن

يكمل الحديث حول الوحدة الكتابية الداخلية، وهذا نتعلّمه في العبور من الحرف إلى الروح في تقليد الكنيسة الكبير حيث نرى هذه الوحدة المبنية على وحدة كلمة الله. ومن هنا تأتي العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، مما يتضح قبل كل شيء، من إعتراف العهد الجديد بالعهد القديم ككلمة الله

ومن الأمور المهمة هو الكتاب المقدس والمسكونية. أسس المسيح الكنيسة وهو كلمة الله المتجسّد، فالسينودس يريد أن يؤكد على مركزية الدروس الكتابية مع الحوار المسكوني قاصداً التعبير الكامل لوحدة جميع المؤمنين بالمسيح، في الوقت الذي تحتوي الكتب المقدسة نفسها، الصلاة التي رفعها يسوع إلى الآب طالباً منه بأن يُصبح تلاميذه واحداً ليؤمن العالم (يو 17: 21). البابا يُشجع كل الذين يعملون في هذا الحقل للتقارب بين المسيحيين للوصول إلى الوحدة

القسم الثاني: الكلمة في الكنيسة: “فأمّا كل الذين قبلوه فاعطي لهم سلطاناً أن يكونوا أبناء الله للذين يؤمنون بأسمه” (يو 1: 12)

الكنيسة تستقبل الكلمة

إن الرب يلفظ كلمته لكي تُقبل من أولئك الذين خُلقوا “بواسطة” الكلمة هذه نفسها. “إنه أتى إلى خاصته” (يو 1: 11). إن كلمته، أساساً، ليست أمراً غريباً عنّا. والخلقة حدثت بعلاقة الألفة مع حياة الله نفسها. فمن لم يقبلها يعني أنّه يرفض صوته (يو 1: 11)

إن المسيح هو حاضر باستمرار في حياة الكنيسة، فالعلاقة بينه، كلمة الآب، وبين الكنيسة لا يمكن أن نفهمها كاملة كمحض حدث عابر، بل كعلاقة حياتية بحيث كل عضو من المؤمنين هو مدعو شخصياً ليدخل فيها، ولهذا يقول الأنجيل بأنه: “لكل من قبله أعطى قوة ليكون ابن الله” (يو1 :12

هذا يتحقق في الليتورجيا وفي الأسرار

تعتبر الكنيسة كبيت الكلمة، فالطقوس هي مهمة لفهم كلمة الله. وهكذا في الأسرار وبداية بدأً من الأفخارستيا إذ هناك علاقة عميقة بينها كما نقرأ في (يو6 وفي لو 24). هكذا هي كلمة الله فعّالة في العمل الأسراري وفي الليتورجيا خلال القراءات الكتابية وفي الموعظة وأهميتها كبيرة لنا لأن كل عضو من شعب الله له واجب ومسؤولية مختلفة عن الآخر بالنسبة إلى كلمة الله. ولهذا على الأكليروس أن يهتم كثيراً في فن الموعظة. وكلمة الله تُعطي السلام في سر المصالحة وسر مسحة المرضى

كلمة الله والفرض الألهي

هذا ما تفعله كلمة الله في ليتورجيا الساعات (الفرض الألهي). إنّها تتقوى بالكتاب المقدس وتحمل المؤمن ليسمع كلام الله، وتتكون له علاقة مع الكتب المقدسة ليعيش تقليد الكنيسة. ولهذا على كل الذين لهم هذا الواجب المقدس بسبب حالتهم الحياتية عليهم أن يقوموا بذلك بكل أمانة لخير الكنيسة كلها. إن الكلمة تُساعدنا لكي نشترك بالكامل في الليتورجيا وفي الأحتفالات بكلمة الله. وقد أكد الآباء على الهدوء والسكوت في الصلاة وعن إعلان الكلمة بأُبهة ووقار. وعن إستعمال الكتب المقدسة على الأطلاق في الليتورجيا

كلمة الله في حياة الكنيسة

يجب أن يكون أهتمام راعوي في الأشخاص والجماعات بحيث ويكون مؤسساً فوق كلمة الله لتصبح قاعدة لحياة المؤمنين الروحية. وهكذا يأمل قداسته مع آباء السينودس بأن ينفتح في الكنيسة موسماً جديداً لمحبة أعظم للكتب المقدسة في قلب كل مؤمن. هكذا يعمل الرعاة بحيث تُلهم الكتب المقدسة كل النشاطات الراعوية. بحيث تُصبح كل النشاطات لقاءات حقيقية وحية مع المسيح، لأن جهل الكتب المقدسة يعني جهل المسيح. وهذا عينه يكون البعد الكتابي في التعليم المسيحي. في عمل الكنيسة الراعوي يجب أن تتذكر دوماً وتعمل بحكمة لأكتشاف مركزية كلمة الله في هذا النشاط الذي يزرع الأيمان الحقيقي في قلوب الأطفال ويقربهم من يسوع المسيح المخلّص

إن كلمة الله يجب أن تقود حياة الكنيسة والمؤمنين لتُنعشها وتقويها وتعمّق علاقتها مع الله صاحب الكلمة ومع يسوع المسيح الكلمة المتجسد. إذاً يجب على الكنيسة أن تُنمي وتُعزّز وتوسع عملها في التربية الكتابية لكل المسيحيين هذه هي الرسالة الكتابية والتي تشمل الأجتماعات الكنسية كالمؤتمرات واللقاءات في المناسبات الكبيرة

هذا مهم جداً لخدام الكلمة، في رسالتهم اليومية خاصة الأساقفة والكهنة، يجب أن يُصبحوا اصدقاء الكلمة وناشريها في حياتهم كلها وفي عيش الكلمة في كل وقت. هكذا الأمر مع الذين يقبلون سر الكهنوت، والذين يختارون الحياة المكرسة من الرهبان والراهبات والمكرسين والمكرسات… إن كلمة الله هي ينبوع الحياة الروحية والمسيحية لكل مؤمن يريد الخلاص، ويحاول أن يكمل إرادة الله هذا ينطبق على الحياة العائلية في الزواج. وماذا نقول عن الصلوات التي يتلونها الكهنة كفرض إلهي! إن طابعها الأساسي يجب أن يكون كلمة الله وما يشترك في الكلمة هي الصلوات المريمية لأنّ الرباط بين كلمة الله ومريم التي من الناصرة، لا ينفصل أبداً

القسم الثالث: الكلمة في العالم

إن رسالة الكنيسة هي أن تُعلن كلمة الله للعالم، فالكلمة هي من الله وإليه ترجع: “الله لم يره أحد قط. الأبن الذي في حضرة الآب هو أخبر” (يو1: 18). إن كلمة الله هي ينبوع رسالة الكنيسة، وهي كلمة الرجاء، وروح الرب القائم هو يقوّي إعلان هذه الكلمة وهذا بالشهادة التي يُقدّمها المؤمنون من خلال حياتهم في الكنيسة، هذا هو رجاء البشر ومنه تأخذ الكنيسة قوتها، هذه الرسالة وهذا الأعلان يأتي من يسوع الذي قال: “كما أرسلني الآب كذلك ارسلتكم” (يو20: 21). وهذا “إعلان الكلمة” هو لمجيئ ملكوت الله التي أعلنها يسوع نفسه (مر1: 14-15

هذا الأعلان هو مسؤولية كل المعمدين لكونهم تلاميذ يسوع المسيح الذي أرسلهم جميعاً ليُبشروا. هذا يتحقق بقوة سر العماد الذي يجعلهم أن يصبحوا أعضاء جسد المسيح. ومن هنا تأتي ضرورة رسالة إلى الأمميّين هذا بواسطة التبشير الجديد. فنحن بحاجة إلى موسم تبشيري جديد لشعب الله بأسره كما قال السعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة: “رسالة المخلص”. فإعلان كلمة الله يؤدّي إلى المصالحة والسلام بين الشعوب

بكلمة الله تتحقق الشهادة الحية، الروح القدس الذي هو محقق التبشير يقود الكنيسة في عملها هذا. كلمة الله والألتزام في العالم

قبل كل شيء انّنا، بواسطة الكلمة، نخدم يسوع في أخوته الصغار (مت 25: 40). لأن هذه الكلمة تُلقي الضوء على الوجود الأنساني وتحرك ضميرنا لننظر بعمق إلى حياتنا لأنه أمام حكم الله يقف كل تاريخ البشرية. وهذا الألتزام يُوحي إلى البشر لكي يبنوا علاقات مبنية فوق العدالة والأستقامة في الجماعة. كما أن كلمة الله تنظم وتقود المحبة العملية (الأحسان العملي

اعلان كلمة الله ومختلف الطبقات

إن الشباب هم أعضاء فعالون في الكنيسة ويمثلون مستقبلها وفي غالب الأحيان نجد فيهم إنفتاحاً تلقائياً لسماع كلمة الله، ورغبة خالصة لمعرفة يسوع. ففي كلمة الله يجدون الأجوبة الشافية لمشاكلهم وفيها تُشبع حاجاتهم. هذه هي الحالة مع المهاجرين الذين يجدون ضالتهم في كلمة الله. والمتألمين يجدون تعزيتهم فيها، وشفاءهم العاجل روحياً ونفسياً وجسدياً. وماذا نقول عن الفقراء والمحتاجين حيث نجد بأن الله يُظهر لهم محبة خاصة في الكتاب المقدس (مت 25: 31-46). إنه مهم جداً أن يسمعوا رسالة الأنجيل وتقرب رعاتهم وجماعاتهم منهم ليتقووا ويحتملوا حالتهم بصبر وبقوة، الفقراء هم بحاجة ليس فقط إلى خبز ولكن إلى كلمات الحياة أيضاً. والكنيسة على علم بأن الفقر يمكن أن يوجد كفضيلة أيضاً، وأن يكون إختياره حُراً، كما فعل كثير من القديسين

إن كلمة الله تُعلن لحماية الخليقة أيضاً وهكذا تكون العلاقة مع العالم بواسطة هذه الكلمة ممّا يجعل الأنسان ينظر إلى العالم بأسره (كوزموس) بأعين جديدة لأنه خُلق بواسطة الكلمة (يو1: 2). بعين الأتجاه تكلم السينودس عن كلمة الله والحضارة كقيمة للحياة البشرية والعلاقات الدولية والفردية. هناك علاقة بين كلمة الله والكلمات البشرية التي بواسطتها تتحاور معنا. فالكتاب المقدس هو القانون الكبير لكل للحضارات

إن معرفة الكتاب المقدس هو مهم جداً في المدارس والجامعات وهذا يتعلق بالعلاقة بين كلمة الله والحضارة، فالرعاة يجب أن ينتبهوا بشكل خاص إلى هذا الوسط لكي يعملوا على تحريك لمعرفة أعمق للكتاب المقدس وأن يتمسكوا بتطبيق ثمار نتائجها الحضارية لأيامنا هذه، وكل هذا يتبع التربية الدينية في المدارس، وفي التعابير الفنية المختلفة وفي المعاني المختلفة لوسائل الأعلام وهذه يجب أن تُستعمل بطريقة عقلية صالحة للعلاقة بين هذه الوسائل وبين العهد القديم والجديد

الأنثقاف

اما العلاقة بين الكتاب المقدس والأنثقاف فهي مهمة جداً، إن سر التجسّد يقول لنا بأن الله يُحاور معنا دوماً بطريقة تاريخية، وكلمة الله، مثل الأيمان المسيحي نفسه، لها صفة حضارية متبادلة عميقة. ولكن مع كل ذلك فأن كلمة الله تفوق الحدود الحضارية. هذه الكلمة يمكنها أن تدخل في الحضارات واللقاءات المختلفة لتجد لها التعابير الضرورية للظروف والأجواء والشرائع والتقاليد، فأنها تعبر حدود الحضارات الأنفرادية لكي تؤسس علاقة بين مختلف الشعوب

كلمة الله والحوار بين الأديان

إن هذا الحوار له قيمة كبيرة وهو جزء أساسي لأعلان الكلمة، وكلمة الله وإعلانها يتحقق في الحوار وفي التعاون مع كل الشعوب ذوي الأرادة الصالحة، خاصة مع من يتبع الديانات المختلفة ذوي التقاليد الأنسانية لكي يتقاربوا فيما بينهم. ففي التقليد اليهودي – المسيحي مثلاً، هناك نجد حركة الشهادة لمحبة الله لجميع البشر في العهد مع نوح بواسطة القوس في الغيوم.(تك 9 : 13-14

والحوار أيضاً بين المسيحيين والمسلمين، الذين تحترهم الكنيسة، وهم يعبدون الأله الواحد وينظرون إلى إبراهيم ويسجدون لله من خلال الصلاة والصدقة والصوم. أما مع باقي الأديان القديمة والتقاليد الروحية فأن الكنيسة، بواسطة كلمة الله، تحترمها في مختلف القارات لأنها تحتوي على قيم بإمكانها أن تحمل دوماً إلى التفاهم بين الأفراد والشعوب. هذا كله يستمر في الحوار وفي الحرية الدينية. لأن كل هذه العلاقات والحوارات لا تثمر إلاّ إذا شملت الأحترام الحقيقي لكل شخص، والأمكانية على أن يمارس كل واحد، دينه الخاص بحرية

الختام: كلمة الله النهائية

في الختام، يقول قداسة البابا: أريد أن أشجّع، مرة أخرى، شعب الله بأسره، الرعاة، والمكرسين، والعلمانيين، ليتقدموا ويصبحوا أكثر ألفة مع الكتب المقدسة. لا يجب أن ننس أبداً بأن كل حياة روحية مسيحية خالصة هي مبنية على كلمة الله المُعلنة والمحتفل بها، والمقبولة والمتأمل بها في الكنيسة، هذه العلاقة العميقة مع الكلمة الألهية تسير بحماس أقوى إذا ما كُنّا واعين، بأنه في الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة الحي نقف أمام كلمة الله النهائية حول العالم والتاريخ.

العيش مع مريم

الكنيسة، الآن، تحمل رسالتها بإنتظار وشوق لظهور الرب الأسكاتولوجي كما يقول سفر الرؤيا: “الروح والعروس يقولان: “هلمَّ” (رؤ 22: 17). هذه الرسالة تتحقق في التبشير والأصغاء الجديد ثم في الكلمة والفرح، إذ بقدر ما ننفتح إلى كلمة الله، بقدر ذلك سيمكننا أن نعترف بأن سر العنصرة لا زال، اليوم، يعمل في كنيسة الله

هذه الرسالة ستكتمل خاصة بالعيش مع العذراء مريم أم الكلمة وأم السرور إذ فيها تظهر كلمة الله مُتحققة في فرحها، وهذا نجده في كلمات اليصابات: “طوبى للتي آمنت لأنه سيتمّ ما قيل لها من قبل الرب” (لو1: 45). والعذراء هي طوباوية لأنها آمنت وبهذا الأيمان قبلت كلمة الله في بطنها، لكي تقدمه للعالم فيما بعد. ويسوع يقول أيضاً: “إمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها” (لو 8: 21 ؛11: 28). لتتجدد حياتنا كل يوم بملاقاة المسيح كلمة الآب المتجسّد. هذا ما يقوله الروح والعروس، وعلى كل من يسمع ذلك يجب أن يقول: “هلمَّ” والذي يشهد لكل هذه الأمور يقول: “بالتأكيد ها أناذا آتٍ حالاً!”. نعم هلمَّ أيها الرب يسوع” (رؤ 22: 17-20

المطران شليمون وردوني

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO