عيد جميع القديسين أم هالاوين؟

 

عيد جميع القديسين أم هالاوين؟

في كل عام من شهر تشرين الأول يبدأ النقاش بين أبناء الكنيسة حول إحتفالات الكثير من الدول خصوصاً في الولايات المتحدة, كندا وأوربا بعيد الهالاوين. والجميع يلاحظ كيف يتم الأحتفال بهذا العيد من تزيين البيوت بصور مرعبة وصور وتماثيل الساحرات, ولاتختفي من الساحة ثمرة القرع المفرغة من الداخل والمحفور عليها تفاصيل وجه شرير.

تبدأ هنا الكثيرمن المغالطات لوقوع إحتفال الهالاوين ليلة الأحتفال بعيد جميع القديسين في الكنيسة الكاثوليكية الذي يصادف في الأول من تشرين الثاني. والمؤسف إختفاء أهمية هذا العيد الدينية نظراً لسيطرة فعاليات عيد الهالاويين على الحياة اليومية في الأيام التي تسبق وتتبع عيد جميع القديسين. سأحاول من خلال هذا المقال إعطاء شرح حول هاتين المناسبتين والتداخل فيما بينهما:

عيد جميع القديسين

الكنيسة وخصوصا في الشرق إحتفلت منذ القرن الرابع بأعياد القديسين جميعاً, فعلى سبيل المثال تسمى كنيسة المشرق بكنيسة الشهداء لكثرة من ضحى فيها بحياته في سبيل إسم ربنا يسوع المسيح, وكذلك باقي الكنائس السريانية والبيزنطية والقبطية والأرمنية وكنيسة روما أهتموا بتكريم كل القديسين خصوصاً بعد زمن الإضطهاد حيث حرصت الكنيسة على أن يتم تكريم جميع القديسين المعروفين وغير المعروفين. فالكنيسة البيزنطية إحتفلت ومازالت في الأحد الأول بعد العنصرة بعيد جميع القديسين.

كنيسة روما قامت بتنظيم الأحتفال على مرحلتين مختلفتين بفارق زمني مدته تقريباُ 190 سنة, حيث قام البابا بونيفاتيوس الرابع ( 608-615 ) بتحويل أكبر هيكل وثني في روما إلى كنيسة, ألا وهو البانتيون  Pantheon   الذي بناه الإمبراطور هادريانوس, مكان هيكل قديم, تكريماً للآلهة الرومانية في الفترة مابين 118 – 126 بعد الميلاد. البابا كرس الكنيسة الجديدة للعذراء مريم وكل الشهداء وذلك يوم 13 أيار سنة 610. وإحتفاءاً بالمناسبة قامت الكنيسة بنتقل ذخائر الشهداء من دياميس روما إلى مذبح الكنيسة الجديدة, حيث تذكر المصادر عن نقل 26 عربة مليئة بعظام الشهداء. بعد ذلك إزداد تكريم ذخائر القديسين من قبل المؤمنين, حيث خصص يوم الجمعة بعد القيامة للإحتفال بعيد جميع القديسين.  

في فترة حبريته أيضاً, قام البابا بونيفاتيوس الرابع بعقد سينودس في روما لترتيب أحوال الرهبان والعمل التبشيري في إيرلاندة وإنكلترا, حيث قامت في هذين البلدين أول الجماعات المسيحية في أوربا خارج حدود الأمبراطورية الرومانية ومنهما إنطلق المبشرين يحملون بشارة الأنجيل إلى أوربا.

في القرن الثامن قام البابا غريغوريوس الثالث ( 731 – 741 ) في خضم الصراع المشتعل داخل الكنيسة حول إكرام الإيقونات بتكريس كابيلا تحت كنيسة القديس بطرس في روما لجميع القديسين وحدد اليوم الأول من تشرين الثاني للإحتفال به. ومن هنا بدأت فرنسا بالأحتفال بعيد جميع القديسين في نهاية القرن الثامن, وفي سنة 839 عمم البابا غريغوريوس الرابع هذا العيد على عموم الكنيسة.

في الأول من تشرين الثاني يحتفل بعيد جميع القديسين وفي الثاني منه بتذكار أرواح الموتى المؤمنين ( في كنيستنا الكلدانية نتذكر الموتى في الجمعة الأخيرة التي تسبق الصوم) في هذه الأيام يقوم المؤمنون بزيارة قبور موتاهم والصلاة من أجل راحة نفوسهم, حيث تمنح الكنيسة غفرانات للمصلين عن نية موتاهم. كذلك شهر تشرين الثاني مخصص من أجل راحة النفوس المطهرية.

إحتفال هالاوين

 كلمة هالاوين مشتقة من جملة All hallow eve ليلة (عيد) جميع القديسين, لكون الأحتفال بالأعياد الكنسية يتم حسب النظام الليتورجي في ليلة العيد, لذلك تحتقل الكنيسة الكاثوليكية مساء الواحد والثلاثون من تشرين الأول بعيد جميع القديسين. وإحتفال هالاوين جلب للولايات المتحدة من قبل الإيرلنديين في القرن التاسع عشر وبدأ الإحتفال به في القرن العشرين, وفي السنوات الأخيرة غلب عليه الطابع المرعب. لفهم إحتفال الهالاوين وإرتباطه بالإرلنديين المعروفين بتمسكهم بالإيمان الكاثولكي, نلقي نظرة سريعة على أصل الشعب الآيرلندي وتقاليده:

الكلتيون

شعب عاش في العصر الحديدي غرب أوربا وتكلم اللغة الكلتية ومثل جميع الشعوب كانت له عاداته وتقاليده وكذلك آلهته الخاصة. عن طريق المرسلين الرهبان قبل الكلتيون الإيمان المسيحي في إيرلاندة وإنكلترا. مثل كل البلدان التي قبلت الإيمان, بدأ صراع حضارات بين الدين المسيحي والديانات والعادات المحلية, فعكس العقلية السائدة في الوقت الحالي, كانت الكنيسة تحارب كل شيء غير مسيحي.

في نهاية تشرين الأول أحتفل الكلتيون بنهاية السنة وقدموا الشكر للحصاد, حيث كانت توقد النيران وتلبس الملابس الملونة. أيضاً في هذا اليوم كان يتم تنصيب سحرة وساحرات القرية أي الحكماء. وهناك رواية أخرى تقول بأنه في هذا اليوم يقوم إله الموت سامان بمناداة الأرواح الشريرة لتذهب إليه, لذلك كان الناس يوقدون النار لحمايتهم من الأرواح الشريرة. ويمكن في هذا اليوم أيضاً التواصل مع أرواح الأموات.

وفي عيد هالاوين تنتشر أيضاً ثمرة القرع المفرغة من الداخل والمضيئة بواسطة شمعة أو مصباح. هذا التقليد أيضاً جلب من إيرلاندة للولايات المتحدة لكنه غير قليلاً عن صورته الأصلية. فالأسطورة تتكلم عن رجل شرير أسمه جاك أوفوتان قام بأسر الشيطان في قارورة وساومه قبل أن يطلق سراحه. بعد موت الرجل الشرير لم يدخل السماء لأعماله الشريرة, لكن في جهنم لم يقبل أيضاً لمكره بالشيطان, لكن الشيطان رحم لحاله وأعطاه جزرة مضيئة لتحميه من الأرواح وتنير له الطريق. ولنمو القرع بكثرة في الولايات المتحدة إستبدلت الجزرة بالقرع وصارت تعرف بقرعة جاك أولانتيرن. ولربط التقليديين ببعضهما رسمت تقاطيع وجه شرير على القرع لإخافة الأرواح الشريرة.

تداخل العيدين

الشيء المشترك بين عيد جميع القديسين و الهالاويين هو فكرة تكريم الموتى والتواصل معهم. فإكرام الموتى يعد من أقدم الأشياء التي تعرفها البشرية ومارستها بمختلف الطقوس ونظمتها العديد من الأديان. بمجيء المسيحية قدمت صورة واضحة أساسها الأيمان عن مكان تواجد الإنسان بعد الموت, حيث لايكون مقره العدم لكن إما عند الله أو في غربة عنه. في الوقت الذي نحيي فيه عادات وثنية قديمة تبعدنا عن إيماننا المسيحي, فنحن نضع أنفسنا في دوامة جديدة من الصراعات الفكرية التي تؤثر في حياتنا الفردية والعائلية

كذلك الأصرار على الأحتفال بعيد هالاوين ليلة عيد جميع القديسين يطغي عل وصية الهدوء التي ترافق هذا العيد, فبدل قضاء الوقت في الصلاة, تنظم الحفلات الساهرة التي تبعد الأنسان عن المعنى الحقيقي للعيد, الا وهو التقرب لله من خلال الهدوء.

 في بعض الدول الأوربية مثل ألمانيا وليشتنشتاين يكون الأول من تشرين الثاني عطلة رسمية وتمنع ليلة العيد النشاطات الصاخبة في العديد من المقاطعات.

في مثل هذه الأعياد كعيد جميع القديسين تقدم لنا دعوة للإختلاء مع ذاتنا والعودة لله في هدوء داخلي في زمن لم نعد نسمع فيه كلمة الله بسبب الضوضاء المحيطة بنا.

الأب بولس ساتي للفادي الأقدس

 

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO