الوجود المسيحي في المشرق العربي: من الريادة والشراكة إلى الاضمحلال 5 – 6 – 7

الجزء الخامس: مسيحيو العراق: من الانتداب البريطاني إلى دكتاتورية صدام حسين… فمساوئ الاحتلال الأميركي. تعرض المسيحيون العراقيون خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر 

وخلال الحرب العالمية الأولى إلى هجمات الأكراد، لكن وضعهم تحسن تحت الانتداب البريطاني، حتى أنهم اتهموا بالعمالة له، بعدما تلاعب الإنكليز بمشاعرهم لتأسيس دولة مسيحية مستقلة، ثم تخلوا عنهم. فأُجهضت محاولتهم بعنف على يد الدولة العراقية في الثلاثينيات من القرن العشرين، واضطر الآلاف منهم للهجرة إلى سورية. وبعد الثورة العراقية العام 1958، عاد وضعهم يزداد سوءاً، ومع حكم حزب البعث العربي الاشتراكي وصدام حسين، استقر وضعهم من الناحية الاجتماعية، ليس بسبب تقبل المسلم للآخر المسيحي، بل بسبب قسوة النظام العراقي وإمساكه بالشعب العراقي ومكوناته بالحديد والنار. وقد لعب بعض المسيحيين أدواراً مقربة من النظام، كطارق عزيز، وشارك الجندي المسيحي جنباً إلى جنب الجندي المسلم في الحرب ضد إيران بين عامي 1980 و1988، ومع ذلك استمرت هجرتهم.

منذ أن تفجر الوضع في العراق بعد الاحتلال الأميركي العام 2003، كُشف الغطاء عن المسألة الطائفية المتجمرة، والمذهبية التي وجدت مكاناً رحباً لها بين الشيعة والسنّة، والإثنية بين العرب والأكراد. وبالنسبة إلى المواقف من المسيحيين، نمت تيارات إسلامية أصولية مسلحة تعمل على اقتلاع منهجي للوجود المسيحي، وخصوصاً في بغداد والموصل، من تدمير الكنائس وقتل المسيحيين وقياداتهم الدينية، أو فرض سلوكيات إسلامية على نسائهم (الحجاب أو رميهن بالأسيد) من دون أن يكون المسيحيون مسؤولين عن استجلاب الأميركيين إلى العراق. وإذا كان المسلم يقتل المسلم في العراق، فأي وضع يمكن تخيله بالنسبة إلى المواطن المسيحي، بعدما كفرته “القاعدة” وجعلت منه هدفاً مشروعاً يطاله “الجهاد”؟ لقد ورد الآتي في إنذار وجهته “الأمانة العامة لكتائب أنصار الإسلام” إلى مسيحيي العراق: “قررت الأمانة العامة لكتائب أنصار الإسلام توجيه الإنذار النهائي إليكم (المسيحيين) وإلى كافة أتباعكم ورعاياكم من النصارى والكفار الصليبيين في بغداد والمحافظات الأخرى، بوجوب ترك بلاد المسلمين (العراق) فوراً والارتحال الجماعي خارج القطر وإلى غير رجعة، والالتحاق بالبابا بندوتيكس السادس عشر وأتباعه المتمادين على أعظم رموز الإنسانية والإسلام (النبي محمد)… ولا مكان لكم، أيها الكفار النصارى بين صفوف المسلمين المؤمنين في العراق بعد الآن. وبعكسه، سوف تكون سيوفنا مشرعة على رقابكم ورقاب رعاياكم وأتباعكم و أسوة بالنصارى المقيمين في الموصل”.

ويتمثل المسيحيون العراقيون اليوم بـ 5 نواب في مجلس مؤلف من 275 نائباً، وبوزير واحد في الحكومة الفيدرالية. وجراء ما يتعرضون له، تآكلت في السنوات الأخيرة أعدادهم بشكل كبير، وفُتحت أبواب المهجر أمامهم، ما يتسبب بخسارة وطنية واقتصادية للعراق وتلويث سمعته .

الأردن وفلسطين: وضع مميز وتذويب المسيحيين على يد إسرأئيل

يتمتع المسيحيون في الأردن بوضع خاص مميز في ظل رعاية ملكية، وهذا يبدو بوضوح في ضوء المقاعد التي يحتلونها في المجلس النيابي التي تفوق نسبة أعدادهم من إجمالي الشعب الأردني. ووصل الأمر مؤخراً إلى حد انتخاب عضو مسيحي في الهيئة الإدارية لأحد الأحزاب التابعة الإخوان المسلمين (جبهة العمل الإسلامي)، ما يجعلنا نعتقد أن التنظيم الأصولي المذكور يحتاج لـ “فلاش” إعلامي مسيحي لتخفيف الصبغة الأصولية عنه، وأن المسألة ليست الانفتاح على “الآخر” المسيحي. كما للمسيحيين الأردنيين حضور مميز في الاقتصاد والمهن الحرة والحياتين الثقافية والنقابية. مع ذلك، يشعرون بقلق من نمو التيارات الإسلامية وتأكيد هوية دينية بدلاً من الهوية الوطنية، وبخاصة في مواد التعليم الرسمي. وحول مواقفهم مما يدور حول الأردن، وقف المسيحيون ضد الغزو الأميركي للعراق، وصدرت تصريحات من قبل رجال دين ورجال أعمال تدين الاحتلال الأميركي وتعتبره عدواناً لصالح إسرائيل ولصالح نفط العراق. وقد اعتبرت مجموعة من المحامين المسيحيين في الأردن أن حرق القس الأميركي تيري جونز المصحف هو بمثابة حرق الإنجيل واعتداء على الدين المسيحي. هذه المواقف الوطنية لمسيحي الأردن، تقربهم من المسلمين، وتجعل من الأردن نموذجاً للتعايش الإسلامي – المسيحي برعاية الدولة.

وفي فلسطين، تقوم إسرائيل بتهجير المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وبما أن أعداد المسيحيين أقل بكثير بالنسبة إلى الفلسطينيين المسلمين، فإن آثار الهجرة تظهر عليهم بوضوح، ولم يعد يتعدى الوجود المسيحي هناك نسبة 1% بعد أن كان 20% العام 1948، ما يجعله سطحي التأثير في المجتمع الفلسطيني، لكنه يفيد إسرائيل في إظهار أن صراعها هو مع المسلمين في فلسطين، خاصة وأنها روجت بجدارة نظرية “الإرهاب الإسلامي”. فضلاً عن ذلك، تسهم سياسة إسرائيل القمعية، ونمو التيارات الأصولية في تحفيز المسيحي الفلسطيني على الهجرة. وتحاول الدعاية الصهيونية التسويق بأن الإسلام والمسيحية هما عدوان، وأن المسيحية واليهودية يتعرضان للظلم الإسلامي نفسه، ما يحتم تعاونهما معاً. لكن المسيحيين يتمسكون بعروبتهم ويدافعون عنها، وكانوا من أوائل من تصدى  لمشروع تهويد فلسطين (نجيب نصار صاحب جريدة الكرمل على سبيل المثال)، حتى أن المربي الأرثوذكسي الفلسطيني خليل السكاكيني، عندما وجد أن آفة الطائفية تفعل فعلها في بلاده ذات الغالبية الإسلامية، ما يُضعف من مقاومتها للأطماع الصهيونية، اقترح بشكل لم يسبقه إليه أحد من قبل، أن يعتنق المسيحيون في فلسطين الإسلام من أجل تكوين جبهة وطنية موحدة. فضحى بذلك بالدين من أجل الوطن والأرض. فكان بذلك في قمة العطاء والوطنية، وقد لا نجد في مقابله مسلم يضحي بدينه من أجل وطنه أو عروبته.  كما شارك المسيحيون الفلسطينيون إخوانهم المسلمين في النضال ضد الانتداب البريطاني، ومنهم من حمل السلاح وتزعم منظمات فدائية منذ الستينيات من القرن الماضي من أجل تحرير فلسطين. أخيراً، كما أن المسجد الأقصى مستهدف من قبل إسرائيل وسياستها الاستيطانية لمحو معالم الإسلام من المدينة المقدسة، كذلك تتعرض الأوقاف المسيحية، الأرثوذكسية تحديداً، إلى المصير نفسه. وقد عملت إسرائيل على هدم الأديرة وعشرات الكنائس. ومن أصل 196 ديراً وكنيسة في فلسطين وجدت في العام 1922، لم يبق منها في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم سوى 48 كنيسة و47 ديراً.

الجزء الســـادس:
أرقام مفزعة: تفريغ المنطقة من المسيحيين

أرقام مفزعة: تفريغ المنطقة من المسيحيين؟؟؟

بناء على كل ما تقدم، تتراجع أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط باضطراد، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه اليوم، وسوف يستمر بالتأكيد في ظل ثقافة اضطهاد “الآخر” كأقلية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، فمن المتوقع أن يضمحل الوجود المسيحي، على الرغم من أن النظر إلى هذا الوجود يجب أن يتركز على الدور الحضاري والثقافي والاقتصادي للمسيحيين، وكجسر تواصل بين الشرق والغرب: في مصر، حيث لا يتعدى عدد الأقباط في العام 2010 (4.5) مليون نسمة، وفق تقديرات الفاتيكان ومركز “بيو” الأميركي للأبحاث، أي 6% بعد أن شكل نسبة 10% من مجموع سكان مصر، اللهم إذا قام النظام الجديد في مصر بالدفاع عن الوجود المسيحي السياسي والاجتماعي بسنّ قوانين واتخاذ إجراءات، وحادثة قنا اختبار لهذا النظام ولثورة 25 كانون الثاني. ولا يعود تناقص أعداد الأقباط المضطرد إلى هجرتهم فحسب، والتي بلغت وفق المرصد المصري لحقوق الإنسان نحو 100 ألف شخص ما بين آذار وأيلول 2011 ، بل كذلك إلى ثقافة الأسرة الصغيرة وإلى زيادة المواليد بين المسلمين. وفي سورية، تراجعت أعداد المسيحيين من 20% العام 1945 إلى 7%، وهناك من يعتقد أن نسبة 7% تعود إلى العام 2000، وأن مزيداً من مسيحيي سورية يغادرونها. وفي فلسطين، وصلت أعدادهم إلى اقل من 30 ألفاً، من أصل 5 ملايين فلسطيني مسلم. وفي العراق، تراجعت أعدادهم من 1.4 مليون نسمة إلى ما بين 500 ألف و700 ألف نسمة (3% -5%). وفي لبنان، حيث وضع المسيحيين مختلف عن باقي البلدان العربية، تراجعت أعدادهم من 52% في العام 1932 إلى ما دون 30% في العام 2008، أي ما يزيد بقليل عن مليون نسمة. وعلى الرغم من رعاية الدولة الأردنية لهم، تتراجع أعداد المسيحيين باضطراد، بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والرغبة في الحفاظ على خصوصياتهم الثقافية، بالتزامن مع نمو التيارات الإسلامية. بناء على ذلك، تبلغ أعداد المسيحيين مجتمعين في كل من العراق وسورية ولبنان والأردن وفلسطين نحو 3 ملايين نسمة ، مقابل 83 مليوناً من المسلمين.

استنتاج

أثبت الدراسة مسؤولية الأنظمة العربية عما يحصل للمسيحيين في المشرق العربي، وكذلك مسؤولية المجتمعات الإسلامية بثقافتها القائمة على النظرة السلبية إلى “الآخر”. ولا نغفل الحقيقة عندما نقول، إن التعصب موجود في كلا الفريقين المسلم والمسيحي. لكن في ظل وجود أنظمة إسلامية تحكم، فإن المسؤولية تقع على عاتق تلك الأنظمة، سياسياً واجتماعياً. لقد فشلت تجربة الدولة المدنية في العالم العربي التي يمكنها أن تحتضن الجميع بالعدل والمساواة وفي الحقوق والواجبات، وأضحت الدولة الدينية التي تكون فيها السيادة للمسلمين مشروعاً لفئات وجماعات إسلامية، وخاصة تلك المتطرفة أو المتشددة، التي تريد فرض الجزية على المسيحيين وفق الإسلام، أو تتخفى وراء تصريحات “رحومة” بأن الدولة الإسلامية المنشودة ستوفر الحماية للمسيحيين، وهذا ما لم يحصل في الماضي ولن يحصل في ظل دولة إسلامية.

 إن النسب القليلة الممنوحة للمسيحيين للمشاركة في الحياة السياسية في العالم العربي لا تثمل حجمهم الديموغرافي، وإن ديمقراطية قائمة على “التناسب” لا تؤسس لوطن، والأوضاع في لبنان شاهد على ذلك. كما أن نظام أكثري “ديمقراطي”، في ظل الثقافات السائدة، يعني المزيد من اضمحلال المسيحيين في لبنان والعالم العربي. صحيح أن الأنظمة العربية تقدم نفسها على أنها ديمقراطية وحامية للمسيحيين، ما يجعل المسيحيين يلوذون بها لحمايتهم من شركائهم السلفيين المتشددين، وربما “الإرهابيين” في الوطن، وهذا يضع المسيحيين في الموقع الخطأ بقبول حكم أنظمة فاسدة على أساس أنها الأفضل من يقدم الحماية لهم. لكن حماية الأنظمة العربية للمسيحيين يبقى في الشكل وهو كلام هراء، لن يحل المشكلة، ما لم تقم أنظمة وطنية حقيقية ودولة مدنية تسود فيها الديمقراطية والعدالة والمساواة، وتنتهي القضية الفلسطينية إلى حل عادل، ويتخلص المسلمون قبل المسيحيين من أغلال الأصولية الدينية.

إن الاعتراف بوجود مشكلة مسيحية كامنة في المشرق العربي، تقوم على ترابط محكم بين ظاهرتين، الأصولية الإسلامية المتطرفة في الداخل والعداء للإسلام، والأنظمة الحاكمة التي تغذي النعرات الطائفية والاجتماعية، هو الانطلاقة العملية لوقف تهميش المسيحيين و”تهجيرهم”. وكلا الظاهرتان مسبب للآخر ومكمّل له. إن وقف نزيف الهجرة المسيحية، لا يتحقق من دون أن تتراجع الأصولية المتطرفة، علماً بأن الأصولية المتطرفة ليست السبب الوحيد لهجرة المسيحيين، بل وجود أنظمة عربية حاكمة بعيدة عن الديمقراطية والعدالة تستفيد من الانقسام المجتمعي على أساس ديني بين مسلم ومسيحيي من أجل البقاء في السلطة. كما أن تراجع الأصولية الإسلامية والهجرة المسيحية يرتبطان بتراجع الكراهية للإسلام في الغرب، وتوقف الهجوم عليه. 

وفي ضوء أوضاع المسيحيين الراهنة في المشرق العربي، كان من المتوقع أن تؤدي الانتفاضات، وخاصة في مصر التي تشهد منذ 25 كانون الثاني هذا العام حراكاً جماهيرياً وثورة على النظام، إلى حدوث تغيير في العلاقات الاجتماعية وليس في النظام السياسي فحسب، فتوضع تلك العلاقات على أسس جديدة من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وفق قوانين مدنية وطنية تنظمها وترعاها. وكانت مشاركة المسيحي المسلم في الاعتصام بميدان التحرير لإسقاط نظام مبارك بشارة خير حول إمكان بزوغ وطنية جديدة في مصر تؤدي إلى قيام دولة مدنية، رغم الدعوات المتكررة للبطريرك شنودة إلى عدم مشاركة رعيته في التظاهرات. لكن ما حصل في قنا خلال شهر نيسان 2011 برفض المسلمين المتشددين محافظاً مسيحياً خلفاً لمحافظ مسيحي سابق، ورفع شعارات “إسلامية إسلامية قنا إسلامية”، وقيامهم بتظاهرات وقطع الطرقات وسكك الحديد، وأخيراً رضوخ السلطات المصرية لمطلب السلفيين بتجميد عمل المحافظ الجديد لمدة ثلاثة شهور، وكذلك أحداث إمبابة في أيار هذا العام وإحراق كنيستين، وأحداث ميدان التحرير في أواخر يوليو 2011، ورفع الإسلاميين شعارات حول تطبيق الشريعة الإسلامية وأن مصر إسلامية، وأخيراً وليس آخر، مقتل قبطيين وجرح أثنين آخرين في مدينة أبو قرقاص، في محافظة المنيا في 29 يوليو، يطرح علامة استفهام كبيرة حول ثورة تغييرية قد تبدو مختلطة بالتعصب الطائفي الأعمى. وقد تكون قنا أو إمبابة أو ميدان التحرير أو أبو قرقاص نماذج مصغرة لحالة اجتماعية إسلامية عامة في مصر تصر على رفض “الآخر” المسيحي وعدم التعايش معه، وصولاً إلى استئصاله تحت شعار “مصر إسلامية – إسلامية”. وفي التحضير للانتخابات النيابية المقبلة، يستخدم الإخوان المسلمون والسلفيون المتشددون الدين في استقطاب الناس، وهذا لا يبشر بالخير، وسط مخاوف الأقباط من أن تنتهي الثورة في مصر إسلامية بتراجع الليبراليين واليساريين لصالح الإسلاميين. من هنا، لم يعد المسيحي القبطي يخشى قيام نظام إسلامي فحسب يتعامل معه على أساس الذمية، وإنما على أمنه الشخصي في بيته.

إن تقزيم أحداث إمبابة وجعل مسبباتها مسألة تحفظ الكنيسة على إمرأة مسيحية تحولت إلى الإسلام، هو بعيد عن جوهر الصراع وعمقه. فالمسألة، برأينا، هو صراع بين إستراتيجيتين: إستراتيجية الأقباط ومعهم المسلمين الليبراليين واليساريين للوصول إلى الدولة المدنية، حيث يتساوى جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وتُحترم الخصوصيات الدينية، وإستراتيجية السلفيين المتطرفين لإقامة دولة ومجتمعاً إسلامياً (الإسلام هو الحلّ) على حساب حقوق الأقباط الوطنية البديهية، وهي أنهم شركاء للمسلمين في مصر، التي وصفها وزير العدل المصري عبد العزيز الجندي بعد أحداث إمبابة بأنها “أمة في خطر”. من هنا، نفهم لماذا رفض الإخوان المسلمون الانضمام إلى مؤتمر الحوار الوطني المصري، لأن من طروحاته إقامة الدولة المدنية، وأن يوضع الدستور الجديد موضع التنفيذ قبل الانتخابات الرئاسية والنيابية. ويعود سبب ذلك، إلى أن الإخوان والسلفيين المتشددين يرفضون الدستور الوضعي ويريدون القرآن دستوراً لمصر، ويرفضون كذلك الدولة المدنية، لأنها تتعارض مع مخططاتهم لإقامة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، فيخفون مقاصدهم بالحديث عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية، مع العلم أن هذين التضادين لا يلتقيان. إن إقرار الدستور بعد الانتخابات يجعل الإخوان في وضع يمكنهم، في ما لو وصلوا إلى الندوة البرلمانية واحتلوا غالبية مقاعد مجلس الشعب أو فرضوا سياستهم عبر ائتلاف في مجلس الشعب، أن يصوغوا دستوراً إسلامياً لمصر. وطالما لم تعدل المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر الحكم في مصر، فسيبقى التمايز بين مسلم وقبطي، والثاني مواطناً من الدرجة الثانية. إن “وثيقة” شيخ الأزهر التي وافقت عليها معظم الأحزاب المصرية في 17 آب 2011، تدور حول تحقيق الهوية المصرية وضمان الحقوق والواجبات وتأكيد مبدأ المواطنة أساساً للمساواة بين المصريين جميعاً من دون تمييز، وإن لم تتحدث علناًعن دولة مدنية خشية انفضاض المجتمعين حولها. إلا أن “الوثيقة” لا تشير إلى أن مصر دولة دينية إسلامية. فقابل “الوثيقة” بعض تلامذة الدعاة في الأزهر بالرفض والتهجم على الإمام الأكبر أحمد الطيب. وتساءل أحدهم بالقول: “لماذا يريدون فرض الدولة المدنية على المصريين، طالما أنهم جميعاً مسلمين”، ما يحمل على الاعتقاد أن رجلنا يجهل أو يتناسى الوجود المسيحي في مصر.

تكمن الخطورة في مصر، عندما ينعدم صوت العقل الوطني لدى الإسلاميين المتشددين، ما يجعل الأقباط يكفرون بثورة أسقطت رموزاً سياسية وأبقت على نظام إسلامي ومجتمع إسلامي قاهرين، فيتنامى شعور الاستبعاد والغبن وعدم المساواة، وبالتالي التعصب لدى الأقباط وظهور هوية قبطية بدلاً من الوطنية، وذلك بفعل الاندماج بين الأقباط والمؤسسة الدينية، التي ظهرت في العقد المنصرم مندمجة مع مجتمعها، مشكلة حصنه الأخير، وحلقة الوصل بينه وبين الدولة. وبالطبع، سيفضل الأقباط في ظروف أسلمة الدولة والمجتمع في مصر إلى التخلي عن كل شيء والهجرة من البلد، مترحمين على وطن كانت لهم فيه في ما مضى السيادة العددية والسيادة الدينية، ثم خضعوا للمسلمين، وأضحوا بعدها على هامش النظام والمجتمع، وصولاً إلى حالة من الاضمحلال.

نحن لا نحتاج فقط إلى كسر الأنظمة السياسة الفاسدة والمسببة للانشطار المجتمعي، بل إلى كسر العلاقات الاجتماعية القديمة البالية وإقامة علاقات اجتماعية وثقافية جديدة تزيل ما رسب من تحجر بذريعة الدين. وهذا لا يتحقق إلا في ظل المشاركة السياسية الحقيقية للمسيحيين وتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون

http://ucipliban.org.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO