الوجود المسيحي في المشرق العربي – من الريادة والشراكة إلى الاضمحلال 4

خاص ليبانون فايلز: أقباط مصر: من الشراكة في النصف الأول من القرن العشرين إلى التهميش بعد ثورة 1952،
وصف سعد زغلول مشاركة الأقباط بفعالية في ثورة 1919
ضد الاحتلال البريطاني بـ “الوحدة المقدسة”. أراد الزعيم الوطني أن يُفهم المصريين أن لا تمايز في الوطنية بين مسلم ومسيحي، وفي الوقت نفسه أن يدحض مقولة أن المسيحي مستقل من قضايا أمته. وقد استفاد الأقباط من الحقوق التي كفلها دستور العام 1923 في ترشيح أنفسهم على قوائم حزب الوفد، وكان البعض منهم ينجح بأصوات المسلمين. واستفاد الأقباط في العشرينات من مناخ الوطنية المصرية، فحسنوا مواقعهم في الإدارات الرسمية وفي الحكومات الوفدية. ولعل أسرة غالي القبطية مثال على قبول المسلم للآخر، على الأقل ضمن النظام الحاكم آنذاك، حيث تبوأت مراكز وزارية عالية قبل ثورة العام 1919 وبعدها، وخاصة في وزارتي المال والخارجية، كبطرس غالي (1908 – 1910) وكذلك يوسف وهبي خلال العام 1919. وهذا ينطبق على مكرم عبيد، النائب عن قنا ورئيس نقابة المحامين، وسكرتير عام حزب الوفد، وهو القائل: “مصر ليست وطناً نعيش فيه، ولكنها وطن يعيش فينا”. وبين العامين 1928 و1931، شغل القبطي ويصا واصف منصب رئيس المجلس النيابي، وهو المنصب الثاني في مصر بعد الملك. وما لبث الأقباط أن تأثروا سلباً بدعوة الإخوان المسلمين إلى أسلمة الدولة والمجتمع، فبدأ “نفوذهم” وتمثيلهم يشهدان تراجعاً. وبما أن حركة الضباط الأحرار التي قادت الثورة العام 1952خلت من أي ضابط قيادي قبطي تقريباً، فقد بدأ منذ ذلك الحين خروج الأقباط من اللعبة السياسية في مصر.
إن التقييد على الحريات العامة وسياسة التأميم التي اتبعتها الثورة المصرية، وإلغاء مجالس الملة والمحاكم الروحية، والوحدة بين مصر وسورية، أصابت الأقباط أكثر من غيرهم من فئات المجتمع المصري. ففي حين فاز الأقباط بـ 20 مقعداً برلمانياً في انتخابات العام 1924، تقلصت أعدادهم إلى 3 نواب في انتخابات العام 1931، بسبب الدعاية الدينية للإخوان المسلمين ضد المرشحين الأقباط. وبين عامي 1953 و1981، لم يتجاوز عدد الوزراء الأقباط في الحكومات المصرية المتعاقبة 22 من أصل 452 وزيراً. من هنا، وكما في العهد العثماني، توجه المسيحيون الأقباط إلى تحسين مواقعهم الاقتصادية والثقافة وتأسيس المدارس. فيمتلكون كبريات الشركات المصرية، ويشغلون نسبة عالية من إجمالي الوظائف التخصصية، كالطب والصيدلة. وهم يمتلكون نسبة 75% من وسائل النقل، و44% من المشاريع الصناعية، و51% من المصارف، و34% من الأراضي الزراعية. وقدرت الحكومة المصرية العام 2007 أن الأقباط يملكون ثلث الثروة القومية.
خلال المرحلة الأولى من حكم الرئيس عبد الناصر، ومنذ عهد السادات، نمت التيارات الإسلامية لحسابات لها علاقة بالتوازنات السياسية الداخلية. فجعل الأول الإسلام دين الدولة، والثاني منه مصدر التشريع الرئيسي، رغم أنه لم يُطبق بشكل حاد. فكان هذا أول اغتيال للدولة المدنية المنشودة من قبل الأقباط، إذ جعل مصر منقسمة على أساس ديني، بعدما تحول الأقباط إلى جماعة دينية وليس مكوناً وطنياً أساسياً من مكونات المجتمع المصري. ولكي يحقق التوازن مع معارضيه، أطلق السادات جماعة الإخوان المسلمين من السجون العام 1971، وأعطاهم فرص الحضور السياسي والميداني والإعلامي، وذلك لمجابهة خصومه الناصريين واليسار من قوى ثورة 23 تموز. صحيح أن الرئيس المصري حصل على دعم الجماعات الأصولية الإسلامية، إلا أن ذلك كان على حساب الوحدة الوطنية، والمسيحيون مكوناً أساسياً لها. فشهد عصره تمييزاً خطيراً بين المسلمين والأقباط وبالتالي أحداثاً طائفية خطيرة، خاصة في صعيد مصر. إشارة، إلى أنه لم يعد بإمكان أي قبطي بعد ثورة 1952 أن يصل إلى مجلس الشعب، ما كان يستوجب من كل رؤساء الجمهورية أنفسهم: ناصر والسادات ومبارك، تعيين 10 أعضاء من المجلس، غالبيتهم من المسيحيين وفق مقاييس السلطة. حتى أن “الحزب الوطني” الحاكم لم يرشح أي قبطي لمجلس الشعب العام 1995، مع أن الحزب ضم كفاءات قبطية، والسبب في ذلك، أن جمهور الوفد الإسلامي هو الذي يتحكم في عدم وصول قبطي إلى الندوة البرلمانية. وفي انتخابات 2005، فاز مسيحي واحد لمجلس الشعب، وهو وزير المالية يوسف بطرس غالي (أُوقف من قبل حكومة عصام شرف بتهمة تضخم ثروته)، وهناك مسيحي آخر في الحكومة المصرية الأخيرة قبل ثورة 25 كانون الثاني 2011 (حكومة أحمد نظيف) هو وزير البيئة ماجد جورج. وضمت وزارة عصام شرف الحالية قبطياً واحداً هو وزير السياحة منير فخري عبد النور، الذي كان جده أحد مؤسسي حزب الوفد العام 1919.
قبل الثورة، كان احتلال الأقباط للوزارات مقبولاً جداً. فبلغ عدد وزرائهم في عهد الملك فاروق 12 وزيراً، وتقلص في عهد عبد الناصر إلى 7 وزراء. لكن منذ عصر السادات ومبارك، لم يعد عددهم يتجاوز الاثنين. ويعرف الأقباط في مصر أنهم لا يستطيعون الفوز في انتخابات مجلس الشعب من دون أصوات المسلمين، وهذا متعذر في ظل الانقسام الطائفي المجتمعي الذي يغذيه النظام كي يضمن بقاءه في السلطة. كما لا يمكن للقبطي أن يتبوأ منصب رئيس جامعة في مصر، أو أن يُعين قائداً للجيش المصري، أو محافظاً باستثناء حالة واحدة في عهد مبارك (محافظ قنا مجدي أيوب). وتُقفل أبواب الجسم القضائي العليا أمامه بشكل عام الخ… ومن أصل 274 عميداً في الجامعات الرسمية المصرية، لا يوجد إلا عميد قبطي واحد. كما لا يُعين أقباط رؤساء تحرير الصحف والمجلات. وفيما بلغ تمثيل الأقباط في وظائف الفئة الأولى 50% قبل ثورة العام 1952، تضاءلت هذه إلى حد كبير. فلا تتجاوز، على سبيل المثال، حصة الأقباط في كليات الشرطة والأكاديميات العسكرية نسبة 2% من المقاعد.
إن التعصب والجهل في مصر، مدنها، ومحافظاتها في الصعيد تحديداً، يجعل “مصر للمسلمين”  وليس وطناً “للمصريين”، وفق الشعار الذي رفعه أحمد عرابي باشا أثناء مقاومته الاحتلال البريطاني. في المقابل، يعتقد أقباط متعصبون أن مصر لا تكون للمصريين الأقحاح (الأقباط) إلا بالقضاء على الإسلام فيها. فيستندون إلى نظريات بأن الأقباط وجدوا في مصر قبل دخول الإسلام إليها، لنفي الإسلام عن مصر قديماً وحديثاً. ورغم صحة هذا القول جزئياً، لكن المرء لا يستطيع بشحطة قلم أن ينهي 14 قرناً من الوجود الإسلامي في مصر. كما أنه لا يستطيع بشحطة القلم نفسها أن يلغي وجود حضاري مسيحي في مصر قبل الإسلام ومعه.
إن الجهل المتبادل لدى المسلمين والمسيحيين يجعل نزاعاتهم التي ليس لها علاقة مباشرة بالدين، أن تتحول إلى دينية، رغم كل ما يوحد بين أبناء الطائفتين من فقر ومعاناة ومرض وتخلف. إن تدخل القضاء المصري في قانون الأحوال الشخصية للأقباط مؤخراً (الطلاق أو الزواج للمرة الثانية)، وزواج مسيحي من مسلمة أو العكس، وبناء كنيسة مقابل مسجد، وعرض مواطن مسيحي على الأونلاين شريط فيديو يظهر مسلمة في أوضاع جنسية (2009)، وتوزيع مناشير وملصقات تحريضية طائفية من قبل الجانبين، وخلاف على قطعة أرض، حتى نحر خنازير المزارعين المسيحيين بشكل متعمد واستفزازي بذريعة الأنفلونزا، جاء على  أساس ديني وليس علمي، وذلك إرضاءً للجماعات الأصولية الإسلامية – وهذه كلها مسائل تثير العنف والشغب، خاصة في ظل تقاعس السلطة أو تواطئها، وتغذية الاحتقان من قبل رجال الدين في الجانبين. وما حادثة الكنيسة في عين شمس في كانون الأول 2008، وحادثة نجع حمادي في كانون الثاني 2010، وتفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية ليلة رأس السنة الميلادية 2010/2011، وأخيراً وليس آخر، بعد مبارك، حادثة إحراق كنيسة أطفيح وتدميرها (كنيسة الشهيدين)، وإحراق كنيستين للأقباط في إمبابة في السابع من أيار 2011، ليست سوى أمثلة على رفض اعتراف المسلم بالأخر والعيش معه. فـ “جمهورية إمبابة الإسلامية” التي ظهرت إلى الوجود منذ الثمانينيات من القرن الماضي وتغذت من سياسة السادات في تنمية التيارات الإسلامية المتشددة، ترفض “الآخر” القبطي، وهي على ما يبدو مسؤولة عن إحداث إمبابة. بالإضافة إلى ذلك، لا تسمح السلطات المصرية للمسيحيين بترميم دور العبادة أو بناء أخرى جديدة، إلا وفق شروط صعبة جداً وُضعت في أيدي المحافظين، في حين يتمتع المسلمون بكامل الحربة في بناء المساجد أو ترميمها. وهذا يشكل مخالفة للمادتين 40 و46 من الدستور المصري اللتين تنصان على المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن الأصل والجنس أو الدين أو العقيدة، وكذلك على حرية الاعتقاد.
ولا يبدو أن السلطات المصرية السابقة بريئة من التحريض على الأحداث الطائفية. فكانت تغض الطرف عن زواج فتيات مسيحيات قاصرات من مسلمين، وتشجع على تحول المسيحي إلى الإسلام، في حين تقف والمجتمع المسلم ضد إي مسلم مرتد. وما الاتهام الذي وُجه إلى وزير الداخلية حبيب العادلي بمسؤولية وزارته عن تفجير كنيسة الإسكندرية، سوى نموذج لسياسة النظام للإبقاء على الشرخ بين المسيحيين والمسلمين، كي لا تكون هناك جبهة وطنية واحدة تعارض حكم حسني مبارك. إن نظرة الشك إلى “الآخر” القبطي، تنسحب على معظم مؤسسات الدولة، مدنية وعسكرية. فعندما عين أنور السادات الفريق فؤاد غالي، وهو قبطي، قائداً لفرقة المشاة الثامنة عشر أثناء الحرب العربية – الإسرائيلية العام 1973، اعترض عدد من المصريين على ذلك، ومنهم عسكريون، وكانت حججهم أنه لا يمكن أن يؤتمن مسيحي على قضية وطنية، وكأن المسلم هو وحده من يؤتمن على عروبة مصر، أو  كأن مصر هي ملك للمسلمين وحدهم. واللافت، أن السلطات المصرية تتعاطى مع الأحداث الطائفية على أنها مسألة أمنية نتيجة الجهل والعمل الفردي، فيما الحقيقة أنها حالة اجتماعية ودينية وسياسية. إن فيلم “حسن ومرقص” هو نموذج واقعي لحالة الانقسام المجتمعي المصري، وحالات التعصب الطائفي لدى الشارع المصري لكل من المسيحيين والمسلمين. فهل يؤدي ذلك تفكك الدولة المصرية، في ضوء الحديث عن تقسيم مصر إلى ثلاث دول دينية: دولة النوبة، ودولة للأقباط ودولة إسلامية.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO