الوجود المسيحي في المشرق العربي: من الريادة والشراكة إلى الاضمحلال فخسارة معطى اقتصادي وثقافي وطني 3

خاص ليبانون فايلز : المسيحيون في لبنان وسورية: من الريادة إلى التهميش : كما أن الدعوات الإسلامية إلى إلغاء الطائفية السياسية، وفق ما ورد في اتفاق الطائف واستخدامه فزّاعة في البازار السياسي

الداخلي، عزز مشاعر الخوف والشك لدى المسيحيين غذته قياداتهم بذكاء وحنكة حول ما يتهدد وجودهم جراء نظام أكثري بقناع ديمقراطي يهمن عليه المسلمون ويسعى إلى زيادة تهميشهم. وعلى الرغم من أن المسلمين وافقوا في اتفاق الطائف على المناصفة بينهم وبين المسيحيين، بغض النظر عن الحجم الديموغرافي للشريك المسيحي في سبيل وضع أسس لتعايش جديد، وتغنوا بذلك كدليل على تسامحهم، إلا أن المحادل الانتخابية منذ العام 1992، وانتخاب قسم كبير من المرشحين المسيحيين من قبل الناخبين المسلمين في الدوائر الموسعة (المحافظات التي كانت تُرسم في كل دورة انتخابات على  مقاس الزعامات الطائفية بشكل مخالف للطائف ليهدف زيادة تهميش المسيحيين)، قضت على فكرة التعايش التي هدفت إليها المناصفة الوطنية وفق اتفاق الطائف، وكذلك على الصوت المسيحي، بحيث أضحت المناصفة البرلمانية الدستورية وهمية بامتياز بدخول نواب مسيحيين إلى المجلس يدورون في أفلاك الزعامات الإسلامية أو النظام السوري التي أوصلتهم إلى الندوة البرلمانية، ولا علاقة لهم بقواعدهم الانتخابية. لقد اشتكى بطريرك الموارنة مار نصر الله بطرس صفير بلغة طائفية صريحة أثناء انتخابات العام 2005 من أنه لا يُترك للمسيحي اختيار نائبه بحرية.  بناء عليه، اعتُمد قانون 1960 في انتخابات العام 2009  لتمكين المسيحيين من إيصال مرشحيهم إلى البرلمان. صحيح أن الدائرة المصغرة تتيح للمسيحيين أن يحددوا بأنفسهم نوابهم إلى المجلس، لكن الصحيح أيضاً أن انتخاب المسيحيين للمرشحين المسيحيين والمسلمين للمرشحين المسلمين، هو خطوة مميتة إلى الوراء في عملية انتقال لبنان إلى حالة وطنية. وما ينطبق على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ينطبق على كل الطوائف على حدة، عندما يتم “تجيير” أصوات الناخبين بوساطة المحادل الانتخابية وتهميش المرشحين لحساب زعيم طائفي أو حزب طائفي.

اجتماعياً، يتقوقع كل من المسلمين والمسيحيين في لبنان تقريباً في أحياء خاصة بهم، خصوصاً بعد الحرب، لكن العلاقات الوظيفية والبروتوكولية ظلت قائمة بينهم، من دون أن تعني مع ذلك وجود حالة من “العيش المشترك” أو “العيش الواحد” الكاذب التي يتغنون بها. وعلى عكس مصر، هناك في لبنان تسامح في إقامة دور العبادة، حيث تتلاصق المعابد تقريباً، من دون أن يؤدي ذلك في غالب الأحيان إلى صدامات. مع ذلك، فالاختلاط المحدود في الجامعات والمدارس والنوادي، وحالات الزواج المختلط القليلة جداً، لا تؤدي إلى اندماج مجتمعي حقيقي. وقد فشلت العام 1997 محاولة إقرار الزواج المدني الاختياري لرفض المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية ذلك، وكان مثل هذا القانون يفتح آفاق الانفتاح بين المسلمين والمسيحيين. لكن نسبة تزيد عن 80% من اللبنانيين فضلت الزواج من داخل الطائفة. وفي العام 2008، سجل الزواج المدني نسبة 2.3% من مجموع الزيجات، ما دل على أن المجتمع اللبناني لا يزال غير مستعد للانتقال إلى تلك المرحلة. صحيح أن المسيحيين لا يزالون يمسكون بمفاصل أساسية في الاقتصاد اللبناني، وفي اقتصاد المهجر، باستثناء إفريقيا، إلا أن قدراتهم الاقتصادية داخل لبنان تراجعت بعض الشيء منذ نهاية الحرب.

إن ما يقلق المسيحي في لبنان اليوم، هو شعوره بأنه مستهدف جراء نمو التيارات الإسلامية المتطرفة، كفتح الإسلام، وجند الإسلام، وحزب التحرير الإسلامي ومشاريعها لإقامة إمارات إسلامية. يُضاف إلى هذا القلق، مخاوف حقيقة لدى المسيحيين ومسلمين سنّة من أن يتلاشى دورهم عبر الدعوات إلى المثالثة، وجراء الشيعية – سياسية – العسكرية الممثلة بحزب الله واستباحته الدولة ومؤسساتها وسيادتها وهيبتها مباشرة أو عن طريق محازبيه (البناء على أملاك الدولة والمشاعات، وشراء العقارات والأراضي، والمربعات الأمنية التي لا تقدر  الخ…)، رغم إدعائه بهدفه السامي، وهو بناء الدولة القوية العادلة. كما أن سيطرة الحزب على الحياتين السياسية والاجتماعية في لبنان، ومشروعه لتطبيق مقولة “ولاية الفقيه”، يزيد من مخاوف المسيحيين، وكذلك من الاحتقان المذهبي والطائفي. فولي الفقيه لا يدعي زعامة دينية على الشيعة في العالم فحسب، بل قيادة سياسية أيضاً، وعلى أتباعه الطاعة العمياء من دون نقاش. لذا، فإن الخوف على مصير الوطن، إلى جانب فساد الطبقة السياسية الحاكمة، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وفوق كل شيء انسداد لخروج لبنان من معضلاته، تجعل المسيحي والمسلم يغادران الوطن يداً بيد إلى بلاد الاغتراب.

إن مخاوف المسيحيين في لبنان على أوضاعهم يتجاوز حدود البلد المذكور. لقد عبر البطريرك بشارة الراعي أثناء زيارته إلى باريس في الأسبوع الأول من أيلول 2011 عن مخاوفه من أن يؤدي تسلم الإسلاميين السنّة الحكم في سورية بعد سقوط نظام الأسد، إلى قيام تحالف إسلامي سنّي على مستوى سورية ولبنان، ما يُضعف تالياً الوجود المسيحي في لبنان. فطالب بإعطاء الأسد الفرصة لإجراء إصلاحات وعدم إسقاطه خشية تأثر المسيحيين سلباً بقيام حكم إسلامي في سورية يمتد إلى لبنان. فكان البطريرك بذلك يتكلم من منطق أقلوي يرى في نظام الأسد واستمراره، رغم ما قام به من قمع دموي، هو ضمانة لوجود الأقليات ومنع خضوعها لنظام إسلامي، مفضلاً الديكتاتورية والاستبدادية والقهر على أي نظام آخر. وعلى الرغم من أن أوضاع المسيحيين في لبنان تختلف عن أوضاع المسيحيين في سورية من الناحية السياسية، كالمشاركة في الحكم على سبيل المثال، فأن سنّة لبنان في تاريخه الحديث والمعاصر لم يحاولوا قط إقامة دولة إسلامية، ولم يكن لهم أي مشروع يصب في هذه الغاية. فالمشاركة العسكرية الضعيفة لبعضهم في حرب لبنان، لم يكن عرضها اضطهاد الشريك الآخر ولا فرض حكم عليه إسلامي عليه لا يرتضيه، بل تحقيق المشاركة الحقيقية في الحكم. وهم لم ينقلبوا على الصيغة إلا بعد أن نعاها الموارنة الذين ساروا وراء التقسيم. وعلى الرغم من أن دعوات “فتح الإسلام” لإقامة دولة إسلامية هو عمل مخابراتي سوري لا يعبر عن سياسة الطائفة السنيّة وعن اندماجها في الهوية اللبنانية خاصة بعد العام 2005، فإن مخاوف البطريرك قد تجد تبريراً، وهو أن المسيحي يختزن في ذاكرته تجربة تاريخية أليمة حول ما تعرض له في ظل الحكم الإسلامي في التاريخ الإسلامي الوسيط والحديث، وكذلك في التاريخ المعاصر، حيث لم تتمكن الحكومات العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى من أن ترسي دعائم الحقوق والوجبات والمساواة والعدالة بين مكونات مجتمعاتها من مسلمين وأقليات دينية وعرقية وإثنية، وفوق كل شيء أن تعتبر الأقليات جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي. إن عيب مقولة البطريرك أنه وضع كل السنّة في سورية ولبنان في سلة واحدة، متناسياً التطور التاريخي للسنّة في لبنان، وكيف أسهموا في تأسيس قواعد التعايش الإسلامي – المسيحي العام 1943. وقد تكون مواقف البطريرك مقدمة لتحالفات جديدة مستقبلية على صعيد لبنان والمنطقة.

بالنسبة إلى سورية، ومقارنتها بمصر والعراق ولبنان، تغيب عنها المسألة الطائفية في ظل نظام يرفع شعارات العلمانية، على الرغم من تأكيد الدستور السوري وجوب أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، وأن الإسلام هو مصدر التشريع، من دون أن يعني ذلك أن الإسلام هو دين الدولة. ويتمثل المسيحيون في مجلس الشعب السوري وفي الوزارة بشكل ضئيل جداً، لا يتناسب مع حجمهم الديموغرافي. وأقصى ما يحصلون عليه هو وزيرين أو ثلاثة وزراء، و17 مقعداً نيابياً من أصل 252، لكنه يبقى وضعهم أقل سوءاً من وضع الأقباط في مصر. وكان فارس الخوري مسيحياً من أبرز رجالات الاستقلال وزعماء “الكتلة الوطنية” السورية، وهو الذي تسلم رئاسة البرلمان ثم رئاسة الوزارة العام 1947، وكان هذا حدثاُ فريداً بالنسبة إلى العالم العربي. كما أحاط كل من الرئيسين حافظ وبشار الأسد نفسيهما بمستشارين مسيحيين، أشهرهم إسكندر لوقا، وجبران كورية وإلياس بديوي، وأسعد إلياس، وجورج جبور، وكوليت خوري المستشارة الثقافية للرئيس بشار الأسد الخ… – كل ذلك أضاء الصبغة العلمانية على حكمه. وهناك مستشار فني مسيحي لمفتي سورية. ولعب المسيحيون كذلك أدواراً بارزة في تأسيس الأحزاب العلمانية داخل سورية وخارجها، ومن أشهرهم الدمشقي ميشال عفلق، أحد مؤسسي حزب البعث. كما أسسوا الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري. إلا أن ذلك لا يعني أن مسيحيي سورية يشاركون في صنع القرار، وغير مسموح لهم تولي المناصب السيادية في الدولة. وقبيل تعينها مستشارة للرئيس بشار الأسد، أقرت الوزيرة كوليت خوري بكون المسيحيين أكثر فئات المجتمع السوري تغيباً وإبعاداً عن المشاركة السياسية في إدارة البلاد. وهذا ينطبق على سنّة سورية، حيث ينحصر القرار السياسي بمجموعة علوية تمسك بالنظام وبالعسكر.

وعلى الصعيد الاقتصادي، احتل مسيحيو سورية مراكز مرموقة، وكذلك في المهن والأعمال الحرة، ويمثل الأطباء والمحامون المسيحيون نسبة 30% من المجموع العام للأطباء والمحامين السوريين. وبعد الانتداب الفرنسي على سورية، غادرت الأسر المسيحية السورية الثرية البلاد إلى لبنان، وكذلك من تعامل منها مع الفرنسيين. لكن المسيحيين السوريين تأثروا سلباً بالمراسيم الاشتراكية على يد حزب البعث العربي الاشتراكي منذ العام 1963 وتأميم المدارس والمؤسسات الاجتماعية، ما جعل برجوازيتهم تهاجر إلى لبنان وإلى بلدان عربية وأجنبية أخرى، يرافقها بعض البرجوازية السنيّة. أما الشاب المسيحي، فما أن يُنهي دروسه الجامعية حتى  يبحث له عن مكان في الأميركيتين. ومع أنه حدث في مطلع العام 2008 قَتلْ أحد المسيحيين أمام متجر لبيع المشروبات الروحية في مدينة دير الزور، إلا أنه لا يمكن مع ذلك مقارنة هذا الحدث الفردي بأحداث صعيد مصر أو العراق الطائفية. ما يسبب هجرة المسيحيين السوريين ليست الأوضاع الاجتماعية أو التعايش مع المسلمين، ذلك أنهم يمارسون شعائرهم واحتفالاتهم الدينية بكل حرية، وإنما هو وجود النظام الشمولي، وسوء الأوضاع السياسية، وغياب الديمقراطية، وتنامي الاتجاهات الإسلامية المتشددة في البلاد. فيخشى معظم المسيحيين السوريين من أن تؤدي تداعيات أية صراعات في البلاد إلى تقييد حرياتهم، أو إلى اندلاع حرب أهلية يروج لها النظام السوري يكومون هم أول ضحاياها. وأكثر ما يخشونه، هو أن يوصموا بالتبعية إلى الغرب، في سياق دعم الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل، ويدفعون ثمن ذلك. وجراء الاحتجاجات منذ شهر آذار 2011، تزداد مخاوفهم من المجهول، ومن أن يتعرضوا إلى عمليات إرهابية من قبل متطرفين مسلمين، بعد التهديدات التي تلقتها بعض كنائسهم، ويُعتقد أنها من صنع أجهزة المخابرات السورية لتخويفهم وجعلهم يتطلعون إلى النظام لحمايتهم. فيفضلون جراء ذلك خضوعهم لنظام شمولي قاهر على سيطرة الإسلاميين السلفيين على الحكم، وهم يرون في كل يوم تصاعد دور هؤلاء الآخرين على الساحة السورية. إن تعيين العماد المسيحي داود راجحة وزيراً للدفاع السوري الهدف منه جذب المسيحيين إلى ناحية النظام، لكنه يبقى من وسائل النظام للعب على الوتر الطائفي، عبر جعل المسيحيين يتعاطفون مع النظام وضد مواطنيهم من المسلمين الثائرين.

وكما في لبنان، يعيش مسيحيون سوريون في قرى خاصة بهم تقريباً، وهناك في المدن السورية أحياء سكنية وتجارية ذات كثافة مسيحية. لكن إمساك النظام بمكونات المجتمع السوري يفرض نفسه على العلاقات المجتمعية، فلا يطال “الأنا” المسلم”الآخر” المسيحي بسوء.

أقرأ غداً أقباط مصر: من الشراكة في النصف الأول من القرن العشرين إلى التهميش بعد ثورة 1952

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO