الوجود المسيحي في المشرق العربي: حاضر متشبث بالماضي، وماضٍ يقتحم الحاضر 2

خاص ليبانون فايلز : هناك مسألة عدم النسيان التي تتشبث في الذاكرة التاريخية لكل من المسيحيين والمسلمين معاً وتفعل فعلها حتى اليوم، وتؤثر في العلاقات في ما بينهم. فالمسيحيون يسترجعون بأسى

ومرارة تجربة “أهل الذمة” ومعاناتهم مع الأنظمة والمجتمعات الإسلامية، ما يجعلهم ينظرون بريبة وشك إلى وجودهم تحت حكم أنظمة إسلامية لا تعرف الديمقراطية ولا تختلف كثيراً عن سابقاتها. في المقابل، يسترجع المسلمون تجاربهم التاريخية مع العالم المسيحي، من صليبي وبيزنطي واستعماري وانتداب، تحت شعاري “الصليبية” و”الصليبية الجديدة”، وما تعرضت له “دار الإسلام” من اعتداءات على أيدي القوى المسيحية وتحالفاتها مع المسيحيين المحليين، ويرون أنها لم تنته وتستمر من دون انقطاع حتى اليوم. صحيح أن اعتماد الديمقراطية والدولة المدنية، قولاً وممارسة، يمكن أن يكون وسيلة خلاص وتقارب ودمج اجتماعيين بين المسلمين والمسيحيين في المجتمعات العربية الإسلامية، إلا أن غياب الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي الذي يصيب المسيحيين والمسلمين على السواء، كما الإرهاب “الإسلامي”، فضلاً عن ضعف حجم المسيحيين الديموغرافي ومستوى تمثلهم في النظام والسلطة، والتعاطي مع المجتمعات العربية والإسلامية من منطلقات أقلوية، ونظرة “الآخر” إليهم، ومهادنة الغرب لأنظمة حكم عربية ظالمة وقاهرة وفاسدة، جعل ويجعل معاناة المسيحيين المحليين أعظم، ما يشكل عائقاً أمام تمتعهم بكامل حقوقهم كمواطنين متساوين بالمسلمين. وهذا يعود إلى أن بعض المجتمعات العربية التي يعيشون في ظلها وتدعي الإسلام، أو تطبق الشريعة الإسلامية، أو تستلهم منها، تستعيد بفخر تجربة تاريخية سياسية – اجتماعية حول الانقسام المجتمعي على أساس مسلم ومسيحي. لقد قامت الدول الإسلامية والأنظمة الإسلامية على التمايز المجتمعي بين المسلمين والمسيحيين، باعتبار أن المسلمين هم وحدهم الأمة صاحبة السيادة، فيما المسيحيون مواطنون من الدرجة الثانية عليهم التزامات تجاه الدولة والمجتمع الإسلاميين، من دون أن تُقدم لهم الحماية وفق ما يقتضيه نظام “أهل الذمة” في الأصل، بأن يكون الذمي في حماية الدولة الإسلامية  ورعايتها.

 

إن الانقسام في المجتمعات الإسلامية، والعربية تحديداً، بين مسلم ومسيحي، منع عملية حصول اندماج مجتمعي في الماضي، ويستمر هذا في الوقت الراهن. صحيح أن الولاء للدولة هو الذي يحدد موقف السلطة من المسلم والمسيحي على حد سواء، إلا أن في التاريخ الإسلامي الوسيط والحديث شواهد كثيرة على معاملة سيئة للمسيحي، رسمياً واجتماعياً، يُضاف إلى ذلك عدم الثقة به، وصولاً إلى اتهامه بالتآمر مع الخارج ضد الإسلام، كلما تعرضت “دار الإسلام” لخطر مسيحي آتٍ من الخارج، وبالتالي تحميل المسيحي المسؤولية عما تتعرض له “دار الإسلام” وبالتالي دفعه إلى الفرار والهجرة، وما ينتج عن ذلك من خسارة البلدان العربية والإسلامية للمسيحيين كوطنيين ورجال اقتصاد وكوادر علمية وفنية وثقافية خلاقة منفتحة على الغرب.

 

مع نشوء الدول العربية بعد الحرب العالمية الأولى، كان من المنتظر أن يطرأ تحسّن على أوضاع المسيحيين العرب، نظراً إلى الطروحات العلمانية والمساواة التي نادت بها بعض الأحزاب والأنظمة الحاكمة، وإلى أن كل دساتير الدول العربية كفلت المساواة في الحقوق والواجبات وعدم التمييز بين المواطنين علي أساس الدين أو اللون أو العرق. لكن هذا لم يحدث للأسف إلا في حالات قليلة ومرحلية، على الرغم من نشوء أحزاب علمانية، كحزب الوفد في مصر، والحزب الشيوعي، والحزب القومي السوري الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية. لقد دعا المسيحيون مبكراً إلى التمايز بين الإسلام والعروبة، وأن تكون الأخيرة قاعدة التلاقي بين الشعوب العربية، بغض النظر عن الدين. لكن خلط المسلمين بين الإسلام والعروبة ومحاولتهم التوفيق بينهما بالحديث عن “عروبة الإسلام” (شكيب أرسلان، عمر فروخ الخ…)، تسبب بتباعد بين المسيحيين والمسلمين أثناء النضال من أجل التحرر من الهيمنة الاستعمارية. ومن المسلمين القلائل الذين رفضوا ربط العروبة بالإسلام على سبيل المثال، محمد جميل بيهم، حين قال: “ليس العروبة هي الإسلام، ولا الإسلام هو العروبة”.

 

وعلى الصعيد الاجتماعي، صحيح أنه لا يمكن الحديث عن اندماج مجتمعي بين المسلمين والمسيحيين بالمعنى الصحيح قبل تنامي المد الأصولي الإسلامي في العالم العربي، إلا أن ذلك لم يتسبب في الماضي (العثماني) بكسر حاد بين أبناء الطائفتين باستثناء حالات قليلة معينة، كلبنان العام 1860 أو العراق في خلال ثورة العشرين. كانت العلاقات البروتوكولية والوظيفية والتلاقي في المدارس والجامعات وفي المؤسسات ودوائر العمل تخفف كثيراً من حدة الانقسام بين أبناء الطائفتين الإسلامية والمسيحية. وفي الماضي وكما اليوم، لا يزال لدينا بعض المسلمين العلمانيين الذين يتقبلون المسيحيين ويريدون التعايش معهم، ولدينا مسلمين لا يجنحون إلى العنف، لكنهم يفضلون انقسام مجتمعي على أساس مسلم و”أهل ذمة”. وفي الفترة الأخيرة، مع نمو الأصولية المتطرفة وثقافة عدم التعايش مع “الآخر” المسيحي، وبالتزامن مع السياسة الأميركية المدمرة في المنطقة، بدأ مسلمون يعتبرون أن الإسلام كدين هو المستهدَف، وأخذوا ينظرون إلى دينهم على أنه هويتهم بديلاً من هويتهم الوطنية، ويسعون في الوقت نفسه إلى إقامة دولة ومجتمعاً إسلاميين. وهذا ما أدى إلى التباعد بين أبناء الطائفتين، وجعل مسلمين أصوليين متشددين يستهدفون “الآخر” المسيحي في الداخل، وصولاً إلى تخوين كل ما له علاقة بالغرب، ثقافة ودين، حتى المسلمين من غير أفكارهم. واليوم، لم يعد “الآخر” هو المسيحي فحسب، بل أصبح هناك “آخر” ضمن المسلمين، وخاصة بين السنّة والشيعة في العراق ولبنان والبحرين وسورية.

 

إقرأ غداً:

المسيحيون في لبنان وسورية: من الريادة إلى التهميش

بقلم عبد الرؤوف سنّو – أستاذ في الجامعة اللبنانية

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO