لماذا أصبحت آلة الموت رمزاً للمسيحية؟

لماذا أصبحت آلة الموت رمزاً للمسيحية؟

الموت هو أكبر لغز في حياة الإنسان. كل ما نبنيه أو بنيناه لسنوات طويلة، كل ما هو جميل في وجودنا البشري يذهب في لحظة الموت ويتبدد كما يتبدد البخور في الهواء. وهنا في قلب الإيمان المسيحي، نجد رمزا لحالة الموت ناتجة عن العنف البشري.

فكرة الموت في الحقيقة، ليست في قلب البشارة الإنجيلية. بل العكس فالإعلان عن الحياة في الإنجيل أقوى من الموت: بشارة الملاك لزكريا ولمريم العذراء، للرعاة والمجوس … بدء البشارة في أعمال الرسل يقول القديس بطرس: “ذاكَ الرَّجُلَ الَّذي أُسلِمَ بِقضاءِ اللهِ وعِلمِه السَّابِق فقتَلتُموه إِذ علَّقتُموه على خَشَبةٍ بأَيدي الكافِرين، قد أَقامَه اللهُ وأَنقَذَه مِن أَهوالِ المَوت، فما كانَ لِيَبقى رَهينَها” (أع 2: 23-24)  لهذا مركز الإعلان هو القيامة.

على ضوء ذلك، تغير معنى الموت في المسيحية. فبدون الثقة والإيمان في الحياة بعد الموت، يبقى الكيان البشري مقيّداً بالخوف الى أن يصل إلى حافة الهاوية التي لا يجرؤ على مواجهتها. لكن عندما نفكر في: كيف أنّ الرب يسوع يقدم كل ما لديه “ذاته” من اجل الحب نفهم كم أن الحياة ثمينة. وبالتالي يصرخ القديس بولس فيقول: “أين شوكتكَ يا موت أين غلبتكِ يا هاوية” (1 قور 15: 55) فالخوف من العدم، أو من المجهول يُعبّر عنه في الرسالة إلى العبرانيين: “ولما كان الأبناء شركاء في اللحم والدم، شاركهم يسوع كذلك في طبيعتهم هذه ليقضي بموته على الذي بيده سلطان الموت، أي إبليس، ويحرر الذين كانوا طوال حياتهم في العبودية خوفاً من الموت” (عب 2: 14-15).

إذن عندما يُشاركنا المسيح حياتنا البشرية وحتى في الموت يمكن أن تصبح اللغة قادرة على التعبير فالرب يسوع يعلمنا قانون حبة القمح: “إن لم تقع حبة القمح في الأرض وتموت، تبقى وحدها، وإذا ماتت، أخرجت حباً كثيراً” (يوحنا 12: 24). هذا القانون لا ينطبق فقط على الموت الجسدي. بل ايضاً على ان الطريق الى الحياة يمر لا محالة عبر الموت. من هذا المنطق الموت الأول الذي يختبرهُ الإنسان هو يوم ميلاده، حيث يترك المولود الجديد مأوى رحم الأم لمواجهة صعوبات الوجود في الحياة. وفي التاريخ المقدس، لدينا مثال حي على مثل ذلك الموت إبراهيم، الذي دُعِيَّ ليترك ورائه العالم المعروف ويشرع في مغامرة مع الرب الإله الغير معروف، وليذهب الى مصيرٍ مجهول (انظر التكوين 12: 1-4). وفي وقت لاحق ، نجد مثلا آخر شعب إسرائيل الذي يجب عليه عبور صحراء التجارب للوصول الى ارض الميعاد. وهذا ما يرمز إليه يسوع بصليبه الذي هو وحي كامل لديناميكية حقيقية أو طريق عمل في الحياة: “من أراد أن يحفظ حياته يخسرها، ومن خسر حياته يجدها” (لوقا 17: 33).

هذه الكلمات بالنسبة لغير المؤمن هي تناقضات، الموت الحقيقي هو رفض الله. من هنا صليب المسيح يكشف لنا أن طريق الموت لا يتعارض مع منطق الحياة. وبذلك نفهم أن الصليب والقيامة هما وجهان، واحد مظلم وواحد منير، لكن شيءٌ واحدة يوحدهما ألا وهو الحب، الذي يهب الحياة.

 

هل يمكن أن تخلصنا معاناة شخص بريء؟

أغلبَنا شاهد فلم آلام المسيح الأخير الذي أحدث ضجة كبيرة. نحن نعلم ان يسوع عانى الموت المروع. الصلب كان احد أنواع التعذيب الأكثر عنفاً في العالم القديم، وأيضاً عند اليهود، كما أنه كان علامة على لعنة من الله: “22 وإِذا كانَت على إِنْسانٍ خَطيئَةٌ تَستَوجِبُ المَوت، فقُتِلَ وعلَّقتَه على شَجَرَة، 23 فلا تَبِتْ جُثَّتُه على الشَّجَرَة، بل في ذلك اليَومِ تَدفِنُه، لأَنَّ المُعَلَّقَ لَعنَةٌ مِنَ الله، فلا تُنَجِّسْ أَرضَكَ الَّتي يُعْطيكَ الرَّبَّ إِلهُكَ إِيَّاها ميراثًا” (تث 21: 22-23)؛ومار بولس يقول: “13إِنَّ المسيحَ افتَدانا مِن لَعنَةِ الشَّريعة إِذ صارَ لَعنَةً لأَجْلِنا، فقَد وَرَدَ في الكِتاب: ((مَلْعونٌ مَن عُلِّقَ على الخَشَبَة)) 14ذلِك كَيما تَصيرَ بَرَكَةُ إِبراهيمَ إِلى الوثنِيِّينَ في المسيحِ يسوع فنَنالَ بِالإِيمانِ الرُّوح المَوعودَ بِه” (غلاطيه 3: 13-14). لهذا اليوم، عندما نقرء العهد الجديد، نفهم بأن الصليب لم يعُد علامة الفشل او الإدانة، بل أداة خلاصنا على سبيل المثال يقول مار بولس: “أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم” (غلا 6: 14) وأيضاً: “20 وأَن يُصالِحَ بِه ومِن أَجلِه كُلَّ موجود مِمَّا في الأَرْضِ ومِمَّا في السَّمَوات وقَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه” (كولسي 1: 20). فلا عجب اذا كان صراع في داخلنا من اجل فهم كيفية تحول المعنى في الكتاب المقدس لمعنى الصليب من السلبي إلى الإيجابي.

بالفعل، عندما لم نُدرك المعنى الحقيقي للصليب ولسنين عديدة، عندها يجدر بنا أن نعترف بعدم تقدمنا في المعرفة والتقدم الذي يشهده إيماننا اليوم. فبعد تبشير الرسل بالإيمان ظهرت بدع عديدة تشوه حقيقة الإيمان فلم تقبل أن يكون مصير يسوع مثل مصير أي إنسان عادي. لهذا مثلا الإسلام لا يقبل بأن يعلق المسيح على الصليب كونه “كلمة الله” بل يقولون “إنه شُبّه له”. كما ذهب البعض الآخر بعدم قبول فكرة الصليب كون ذلك يجعل من الله الذي هو أب يتواطىء مع العنف ضد ابنه. كما أعتمد آخرون على أن فكرة أن الله يرضى بموت إنسان بريء غير مقبولة لانها تجديف. الكتاب المقدس يذكر أن الله لا يرضى بموت الإنسان الشرير:” 11 قُلْ لَهم: حَيٌّ أَنا، يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ، لَيسَ هَوايَ أَن يَموتَ الشِّرِّير، بل أَن يَرجعَ عن طَريقِه فيَحْيا. إِرجِعوا ارجِعوا عن طُرُقِكُمُ الشِّرِّيرة، فلِمَ تَموتونَ يا بَيتَ إِسرائيل؟” (حزقيال 33: 11)، فكيف يمكن ان يرضى بموت الابن بعدما قال الله: “أنت ابني الحبيب الذي عنه رضيت”؟ (لوقا 3: 22).

من أين يأتي سوء فهم معنى الصليب؟ الجواب، من بين أمور عديدة، هناك أولا وقبل كل شيء مشكلة القراءة السطحيه لنصوص الكتاب المقدس التي نجد فيه نصوص تأليفية بها أبعاد إجتماعية نفسية ثقافية يمتلكها الكاتب. كما أننا ننسى بُعد مهم جداً ألا وهو الحب. فكل ما يمكن أن تعطيه الحياة هو الحب. اذا لم يكن في الحب نوع من الألم يجدده ويقويه لن يكون حب حقيقي.

هنا أدعوكم مرة أخرى إلى قراءة الكتاب المقدس لتكتشفوا محبة الله لشعبه … هذا ما يبدو واضحاً في إنجيل يوحنا حيث بعد الألم هناك الفرح والسعادة: “ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه لأجل أحباءه” (يو 15: 13).

في عبارة “المسيح تألم من اجلكم” (1 بطرس 2: 21)، تعبر عن البعد الحقيقي لحضور الحب ووجوده. في يسوع المسيح يقترن الله بالبشرية. الصليب هو أكبر تعبير عن تضامن الله المطلق معنا:”6 هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة 7 بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان 8 فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيلبي 2: 6-8). وعندما يكتب القديس بولس عن مقاسمة المسيح معاناتنا فهو يعبر عن رغبته في إتّباع الرب يسوع: “5فكَما تَفيضُ علَينا آلامُ المسيح، فكَذلِك بِالمسيحِ يَفيضُ عَزاؤنا أَيضًا” (2 كورنثوس 1: 5)؛ “9 وأَكونَ فيه، ولا يَكونَ بِرِّي ذلك الَّذي يأتي مِنَ الشَّريعة، بلِ البِرُّ الَّذي يُنالُ بِالإِيمانِ بالمسيح، أَيِ البِرُّ الَّذي يأتي مِنَ الله ويَعتَمِدُ على الإِيمان، 10 فأَعرِفَهُ وأَعرِفَ قُوَّةَ قِيامتِه والمُشارَكَةَ في آلامِه فأَتمثَّلَ بِه في مَوتِه، 11لَعَلي أَبلُغُ القِيامةَ مِن بَينِ الأَموات” (فيلبي 3: 10)؛ “24 يَسُرُّني الآنَ ما أُعاني لأَجلِكم فأُتِمُّ في جَسَدِي ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة” (كولسي 1: 24)، بحيث ينفق كل ما لديه ويخسر ويعتبر ذلك ربحا للمسيح.

 

يكتب مار افرام بمناسبة عيد الصليب…فيقول

تعالوا يا إخوتي لنَـتَلقى عود الصليب المكرم
لأنه اليوم ارتفع الصليب وخلص العالم من الطغيان
اليوم ارتفع الصليب وهربت الشياطين
اليوم تجددت الكنيسة واستنارت الخليقة وسلب الموت وفضح الجحيم
وتحطمت أبواب النحاس وفرحت قوات السماء
اليوم فتح للص باب الفردوس وأعتق ادم أبو البشر
برسم الصليب نصب الله فردوس النعيم في المشرق
برسم الصليب انبع الله عين ماء في وسط الفردوس وقسمها أربعة انهار
برسم الصليب بنى هابيل مذبحا لله وأصعد عليه قربانا مقدسا”
برسم الصليب صنع نوح الفلك كما أمره الله
برسم الصليب كتف إبراهيم ابنه الحبيب ورفعه على المذبح
برسم الصليب مسح موسى الأبواب بدم الخروف
وخلص الشعب من الموت المر
فالسلام عليك أيها الصليب الكريم
أنت مجد الأنبياء….. أنت بهجة الرسل
أنت أبو الأيتام…. أنت عزاء الأرامل
أنت صائن العذارى…. أنت حافظ الأطفال
أنت نور الذين لا نور لهم
السلام عليك لأجل انه علق عليك كلمة الله الأزلي
الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى الأبد. آميـــــن

 

الأب سامي الريّس

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO