كرامة الإنسان توجيه حول بعض قضايا علم أخلاقيّات الحياة

كرامة الإنسان
توجيه حول بعض قضايا علم أخلاقيّات الحياة

INSTRUCTION DIGNITAS PERSONAE SUR CERTAINES QUESTIONS
DE BIOÉTHIQUE

حاضرة الفاتيكان
2008

منشورات  اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام / جل الديب – لبنان  نشرت بعناية  المجمع المقدس للكنائس الشرقيةالفاتيكان

كرامة الإنسان
توجيه حول بعض قضايا علم أخلاقيّات الحياة

مدخل
1. كرامة الإنسان يجب أن يُعترف بها لكلّ كائن بشريّ منذ الحبَل به حتى موته الطبيعيّ. هذا المبدأ الأساسيّ الذي يعبّر عن «نَعَمٍ» عظيم للحياة البشريّة، يجب أن يكون محور التفكير الخلقيّ حول البحث الطبيّ الأحيائيّ الذي أخذ يحظى بأهميّة عظمى متزايدة في عالم اليوم. لقد تدخّلت السلطة التعليميّة الكنسيّة مراراً كي توضح وتحلّ المعضلات الأدبيّة التي تلازمه. بهذه الصفة، يكتسب التوجيه «الحياة هبة الله»[1] أهمية خاصة. إلاّ أنه تبيّن، عشرين سنة بعد إصداره، أنه من المناسب العمل على تحديثه.  

يحافظ تعليم هذه الوثيقة على قيمته كاملةً أكان على صعيد المبادئ أم الأحكام الأدبيّة الواردة فيها. إلاّ أنه في مجالّي الحياة البشريّة والأسرة الدقيقين، تثير تقنيّات الطب الأحيائيّ الحديثة الراهنة تساؤلاتٍ لاحقة، بالأخص في ما يتعلّق بالبحث حولالمُضَغ البشريّة، واستخدام الخلايا الأمّ (أَو الخلايا الجذعية) لأغراضٍ علاجيّة، وكذلك في مجال الطبّ الاختباريّ. كل تلك التقنيّات تثير تساؤلاتٍ جديدة تتطلّب في الوقت عينه إجاباتٍ مناسبة. إن سرعة تطوّر العلم وانتشاره بواسطة وسائل التواصل الاجتماعيّ تثير اِنتظاراتٍ واهتماماتٍ لدى شريحة كبيرة من الرأي العام. وغالباً ما يُلجأُ إلى المجالس التشريعيّة كي تتّخذ قرارات، مستخدِمةً أحياناً الاستفتاءات الشعبيّة كي تنظّم هذه القضايا قانونيّاً.هذه الحوافز حملت مجمع العقيدة والإيمان فأعدَّ توجيهاً جديداً عقيديَّ الطابع،كي يواجه إشكاليّاتٍ حديثة، على ضؤ المعايير التي أوردها التوجيه «الحياة هبة الله». ولقد أعيد النظر أيضاً في مواضيع أخرى سبق بحثُها، لكنها استوجبت إعطاء إيضاحات لاحقة.

2. بحثُ تلك المسائل أخذَ بعين الاعتبار على الدوام نواحيَها العلميّة، بفضل إسهام عددٍ كبير من الخبراء، وبفضل أَبحاث الأكاديميّة الحبريّة للحياة. وذلك كلُّه قُوِّم على ضوء مبادىءِ الأنتروبولوجيَّا المسيحيّة. رسالتا يوحنا بولس الثاني العامّتان«تألقّ الحقيقة»[2] و«إنجيل الحياة»[3] ومداخلاتٌ أخرى للسلطة التعليميّة تقدّم توجيهاتٍ واضحةً حول الطريقة والمضمون المرافقَين بحثَ تلك المسائل.

ضمن الرؤية الشاملة الحاليّة والمتعدّدة الوجوه، الفلسفيّة منها والعلميّة، يمكن أن نلحظ حضوراً كبيراً لعلماء وفلاسفة قيّمين يرون، في علم الطبّ، بوحيٍ من قَسم ايوقراط، خدمةً في سبيل الضَّعف البشريّ، لأجل علاج الأمراض وتسكين الألم، كما لإمتداد العلاجات الضروريّة بالتساوي للبشريّة جمعاء. غير إن بعضاً ممن يمثلون تلك المجالات (أَو الميادين) العلميّة عينها يعتبرون التطوّرَ المتناميَ للتقنيّات الطبيّة أساساً من وجهة النظر النِساليّة.

3. إن الكنيسة الكاثوليكيّة، باقتراحها مبادىءَ وأحكاماً أدبيّة حول البحث الطبيّ الأحيائيّ في ميدان الحياة البشريّة، ترتكز على السواءِ على نور العقل والإيمان، مسهمةً في إعداد رؤية شاملة عن الإنسان ودعوته. وهذا شاهدٌ لقدراتها على تقبّل كلِّ ما يظهر من صلاحٍ في أعمال البشر وفي مختلف التقاليد الثقافيّة والدينيّة التي غالباً ما تعرب عن احترام عميق للحياة.

إن سلطة الكنسية التعليميّة تحرص على الإعراب عن ثقتها بالذين يرون فيالعلم خدمة جلى لخير الحياة الشامل ولكرامة كل كائن بشري وعلى تشجيعهم. وتتطلّع الكنيسة بأملٍ إذاً إلى البحث العلميّ، وتتمنّى أن يتكرّس العديدُ من المسيحيّين لتطوّر الطبّ الأحيائي شهادةً لإيمانهم. وهي علاوةً على ذلك، تتمنى في أن تعمَّ ثمارُ هذا البحث حتى المناطقَ الفقيرة، وتلك التي تعاني من الأمراض، فتلبّى الحاجاتُ الأكثرُ إلحاحاً والأكثرُ مأسويّة، من وجهة النظر الإنسانية. وهي أخيراً، تريد أن تكون حاضرةً إلى جانب كلِّ متألم في جسده وفي نفسه، كي تقدِّم له لا المؤاساة فحسب، بل النورَ والرجاء اللذين من خلالهما يكتسب المرضُ أو اختبارُ الموت معنىً. تلك الأوضاع تعود في الواقع إلى وجود الإنسان وتسِمُ تاريخه بانفتاحه على سرّ القيامة. نظرة الكنيسة بالحقيقة مملوءة ثقةً لأن «الحياة ستنتصر: بالنسبة إلينا ذلك رجاءٌ ثابتٌ أكيد. نعم، الحياة ستنتصر لأن الحقيقة والخير والفرح والتقدّم الصحيح هم إِلى جانب الحياة. إن الله الذي يحبُّ الحياة ويغدقها بسخاءٍ هو إِلى جانب الحياة»[4].

الإعلامُ الحاضر يتوجّه إلى المؤمنين وإلى جميع الذين يَنشُدون الحقيقة[5]. إنه يحتوي على ثلاثة أقسام: الأول يذكّر ببعض النواحي الأنتربولوجيّة واللاهوتيّة والخلقيّة البالغة الأهميّة؛ ويواجه الثاني المعضلات الجديدة المرتبطة بالإنجاب؛ ويكبُّ الثالث على دراسة الاقتراحاتِ العلاجيّة الحديثة التي تشملُ إِجراءَ تلاعبٍ بالمضغة أو تراث الإنسان الجيني.

القسم الأول  

النواحي الأنتروبولوجيّة واللاهوتيّة والخلقيّةللحياة وللإنجاب البشريّ

4. خلال العقود الأخيرة، وسّعت العلوم الطبيّة كثيراً معارفها حول الحياة البشريّة في مراحل تكوينها الأولى. فتوصلت إلى معرفةٍ أفضل للبنى البيولوجيّة وسياق نشوئها. تلك التطوّرات، الإيجابيّة بالتأكيد، تستحقُّ أن تساندَ عندما تُستَخدم للتغلّب على أمراضٍ أو لشفائها، وعندما تُسهم في إعادة المسارات التوليدية إِلى وظيفتها الطبيعية. وهي، بعكس ذلك، تعتبر سلبية وغير مقبولة تالياً، لا يمكن المصادقة عليها، عندما تفترض إلغاءَ كائناتٍ بشريّة أو تستخدم وسائل تضرّ بكرامة الشخص البشري. وكذلك عندما تُستعمل لأهداف تعاكس خير الإنسان.  

إن جسمَ الكائن البشريّ، منذ مراحل تكوينه الأُولى لا يُختزل أَبداً بمجموع خلاياه. هذا الجسم المضَغيّ يتطوّر تدريجاً، وفق «منهج» محدَّد بدقّة ولغاية خاصّة تتجلى عند ولادة كلّ طفل.من هذا المنطلق، من الجدير أن نذكّر بالمعيار الخلقي الأساسيّ الذي صاغه التوجيه «الحياة هبة الله» كقاعدة للحكم في كلِّ القضايا الأدبيّة المتعلّقة بالتدخّلات والعمليّات الجارية على المضغة البشريّة: «إن ثمرة التناسل البشريّ تستلزم، منذ لحظة وجودها الأوُلى، أي منذ تكوين اللاقحة، احتراماً أدبياً بلا قيدٍ أو شرط يستوجبه الكائن البشريُّ في شمولية جسده وروحه. يجب احترام الكائن البشريّ والتعامل معه كشخص منذ لحظة الحبل به. ومن ثمَّ، يجب أن يُعتَرف له بحقوق الشخص، ومنها، في الطليعة، الحقُّ المصونُ بالحياة العائدُ إلى كلّ كائن بشريّ بريء»[6].

5. هذا التأكيد ذو الطابع الخلقيّ يقرّ العقلُ نفسُه بحقيقته وتطابقه مع الشريعة الأدبية الطبيعية؛ ويجب أن يكون أساساً لكل نظام قانونيّ[7]. وهو يفترض، في الواقع، حقيقةً كينونيّة الطابع، كانت هذه الوثيقة، قد أثبتت بموجبها استمرارَ تطوّر الكائن البشريّ على أساس معارفَ علميّة راسخة.

وإذا كان التوجيه «الحياة هبة الله» لم يحدِّد المضغة كشخص، كي لا يلتزم، بصراحة، تأكيداً ذا طابع فلسفيّ، غير أنه مع ذلك قد أشار إلى وجود ارتباطٍ ضمنيّ بين البعد الكينونيّ لكلّ كائن بشريّ وقيمته المميِّزة. حتى ومع انه من غير الممكن تلمّس وجود نفسٍ روحانيّة بواسطة أيّ رصدٍ اختباريّ المعطى، إلاّ أن الاستنتاجاتِ العلميّةَ نفسَها بشأن المضغة البشريّة «توفِّر دليلاً قيّماً كي يميِّز العقلُ وجوداً شخصيّاً لحياةٍ بشريّة منذ مطلع ظهورها: فكيف يمكن لفرد بشري ألاّ يكون شخصاً بشريّاً؟»[8]. في الواقع، إن حقيقة الكائن البشريّ، على مدى وجوده، قبل ولادته وبعدها، لا تسمح بتأكيد تبدّلٍ في الطبيعة ولا تدرّج في القيمة الأدبيّة، لأنه يملك سمةَ أنتروبولوجيّة وخلُقيّة تامة. الجنين البشري يتمتّع إذاً، منذ البدء، بالكرامة الخاصّة بالشخص.

6. احترامُ تلك الكرامة واجبٌ لكلِّ كائن بشريّ، لأن فيه انطبعت بطريقةٍ لا تُمّحى تلك الكرامة الخاصّة والقيمة العائدة إليه. من جهة أخرى، يشكّل الزواجُ والأسرةُ الإطار الأصيلَ حيث تجد الحياة البشريّة منشأها. في وسْطها، تنبثق الحياة من فعل يعبّر عن الحبّ المتبادل بين الرجل والمرأة. التوالدُ المسؤولُ حقّاً تجاه المولود الآتي «يجب أن يكون ثمرة الزواج»[9].

في كلِّ الأزمان والثقافات، يُعتبر الزواج «مؤسَّسةً حكيمة وضعها الخالق كي يتمّ في البشريّة تدبير حبّه. بواسطة العطاءِ الشخصيّ المتبادل، الخاصِّ والحصريّ، يتوق الزوجان إلى شراكةِ كيانهما، وإلى اكتمال شخصيٍّ متبادل، كي يُسهما مع الله في إيلاد حيواتٍ جديدة وتربيتها»[10]. في خصب الحبّ الزوجي، «يُظهر الرجلُ والمرأة بجلاء أنه، في أَساس حياتهما الزوجيّة، كان هناك «نَعَمٌ» حقيقيّ نَطقا به وعاشاه حقّاً في التبادل، بانفتاح دائم على الحياة […] الشريعةُ الطبيعيّة، التي هي في أساس الاعتراف بالمساواة الحقيقيّة بين الأشخاص والشعوب، هي أهلٌ بأن يُعترف بها مصدراً يجب أن تستوحيَه أيضاً العلاقةُ بين الأزواج، المسؤولين عن انجاب أولاد جُدد. نقل الحياة مغروس في الطبيعة، وشرائعُه لا تزال تشكّل قاعدةً غيرَ مكتوبةٍ على الجميع أن يعودوا إليها»[11].

7. إن الكنيسة لمقتنعةٌ من أنَّ ما هو بشريٌّ لا يتقبّله إلايمان فحسب ويحترمه، بل ينقّيه أيضاً ويسمو به ويبلّغه الكمال. بعد أن خلق الله الإنسان على صورته كمثاله (تك 1: 26) وصف بأن ما خلقه «حسنٌ جدّاً» (تك 1: 31) وتولاّه في ما بعد في ابنه (را يو 1: 14). بسرّ التجسّد، أكدّ ابن الله كرامة الجسد والنفس اللذين يكوّنان الكائن البشريّ. لم يحتقر المسيحُ الجسد، بل أظهر معناه وقيمته الكاملين: «في الحقيقة، لا يتّضح سرّ الإنسان كاملاً إلاّ في سرّ الكلمة المتجسّد»[12].

وإذ صار الابنُ واحداً منّا أكّد أنه يمكننا أن نصير «أبناء الله» (يو 1: 12)، «مشاركين في الطبيعة الإلهيّة» (2 بط 1: 4). هذا البعدُ الجديد لا يتناقض وكرامةَ الخليقة التي يمكن جميعَ البشر أن يتعرّفوا عليها بالعقل. بل بالأحرى يرفعها ذلك البعدُ إلى أفقٍ لاحقٍ للحياة خاصٍّ بالله، ممّا يسمح بأن نفكر، بطريقةٍ أكثرَ تناسباً، في الحياة البشريّة والأعمال التي تعبّر عنها

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO