عيد ارتفاع الصليب المقدس

في الرابع عشر من أيلول سبتمبر، تعيّد الكنائس لارتفاع الصليب. وغني عن القول إن المسيحيين لا يعبدون خشبة الصليب ولا يضعون في الكنائس الصليب إلا إذا صار أيقونة أي رسم عليه المسيح. فكل ذكر للصليب في العبادات يعيدنا إلى الذي مات عليه. لماذا هذا العيد؟ الأعياد المسيحية فئتان: الأعياد الفكرية مثل الميلاد والفصح، والأعياد التي هي تذكارات لحوادث تاريخية يضاف إليها الفكر اللاهوتي.

ما سميناه عيد ارتفاع الصليب يؤرخ لحادثة أولى هي اكتشاف صليب المخلص مطمورا تحت تراب الجلجلة حيث مات واكتشفته القديسة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين التي بنت كنيسة القيامة وكنيسة المهد. وضع عود الصليب في كنيسة القيامة حتى 4 أيار مايو 614، فسرقه الفرس في تلك الفترة بعد احتلالهم أورشليم (القدس). في عام 628 بعدما انتصر الإمبراطور البيزنطي هرقل على الفرس، أعاده إلى المدينة المقدسة فرفعت الكنيسة هذا العود أمام المؤمنين وابتدأ العيد. وجزّئ الصليب أجزاء صغيرة جدا ووزع على المؤمنين في كل الدنيا بمعنى أنه الآن مجرد ذخائر عند ألوف مؤلفة من المسيحيين.

الجانب الطقوسي لهذا العيد غاية في الجمال في الكنيسة الأرثوذكسية إذ يرفع الكاهن قبيل القداس الصليب فوق رأسه وينزل به الى أرض الكنيسة وذلك خمس مرات وسط ترتيل مطول، وبعد أن يقبل المؤمن الصليب يدفع الكاهن إليه زهرة كانت تحيط بالصليب عندما كان يحمل في الطواف ليؤتى به إلى المائدة التي يتم عليها التكريم.

كل المسيحيين على درجات مختلفة من الأبهة والبهاء الطقوسي يعبرون عن إيمانهم ليس فقط بالكلمات والإنشاد ولكن بالرموز أيضا بحيث ساغ القول إن القداس الشرقي بنوع خاص مسرح ديني فيه أنواع من الفنون المختلفة وسجدات وركعات وحركات كإشارة الصليب على الوجه والصدر، وفي العبادات أيضا ماء وخبز وخمر وزيت وزهور وآكاليل للعرسان وزيت وتراب على الجثمان وثياب تختلف ألوانها حسب المواسم وثياب خاصة بكل رتبة وأيقونات وتصوير جداري لشعور المؤمنين أنهم يمجدون الله في نفوسهم وأجسادهم معا وذلك بسبب إيمانهم بقيامة الأجساد.

هناك ملموسية ضرورية لك معرفتها لتفهم المسيحية كما تجسدت في الألفية الأولى – وكل ما نتممه اليوم قائم وتام في الألفية الأولى. تفهم الناس كما يفهمون هم أنفسهم.

لك أن تقبل موت المسيح ولك ألا تقبله ولن أناقشك. ولكن إن أردت أن تعاشر المسيحيين لك أن تفهم عمق إيمانهم بالمصلوب. لن تفهم ذرة واحدة من إيمانهم وتاليا لا تستطيع أن تودّهم ودا كبيرا ما لم تدرك سرهم أي ما يحركهم في العمق وتبقى حرا بتصديق حادثة الصلب أو عدم تصديقها. كل حرارة الحب في المسيحية أتت إليهم فقط من صلب المخلص. كل صلاتهم وطهارة بعضهم وإنجازاتهم الفكرية في الشرق والغرب، كل أدائهم الشهادة بملايين من الشهداء جيلا بعد جيل، كل تقشف عندهم ونسك، كل غفران، وسلام في النفس ومحبات تُبذل حتى الموت نازلة عليهم من المصلوب. لولاه لكانت المسيحية مذهبا من مذاهب اليهود.

إنجيلهم ليس فيه سوى هذا الحدث كائنا ما كان صوغ الأناجيل أسلوبا ولغة، الأناجيل تبدو بسيطة لكن مضمونها اللاهوتي غاية في التركيب. إنها قائمة على جدلية موت المسيح وقيامته. أي تجليه الثنائي وسيادته على القلوب.

هذا الصلب هو الذي جعل المسيحية إيمانا بشخص يدعى يسوع الناصري وليست أساسا تصديقا بكتب. الناصري لم يكتب حرفا وأتباعه يومنون به لأنه مات ثم قام ودونت الأناجيل بعد موته بضع عشرات من السنين (الإنجيل الرابع بعد السنة التسعين). فقبل نصها كان هذا الايمان الواحد قائما وكانت دماء الشهداء تهدر لا بسبب كتب ولكن بسبب الحب لهذا الشخص.

هذا صار الكاهن العظيم بآلامه واتخذ خطايا البشر على نفسه لكي تزول عنهم بالحياة الجديدة التي يعطيهم إياها بدخوله مملكة الموت ونزوله إلى الجحيم أي إلى قاع اللعنة التي لحقت بمن ماتوا قبله وبعده. ذلك أن “أجرة الخطيئة هي الموت” الذي صار موت ابن الإنسان.

هذه الأوجاع التي تحمّلها هي أوجاع الناس جميعا، هي معاصيهم. أخذها في ذاته لكي ينجيهم منها. “دفنا معه بالمعمودية للموت (أي لنصير إلى موته) حتى كما أقيم المسيح من بين الأموات نسلك نحن أيضا في جدة الحياة”.

ولكن قبل أن تنال الحياة الأبدية، حالتك حالة الإنسان الساقط والمتألم معا. أي أنك أنت أيضا مصلوب ولا تنجو من أي صليب وضع على عاتقك إلا بصليبه هو، فتقوم منذ الحياة التي أنت فيها إلى حياته لتصبح خليقة جديدة.

أنت لا تخترع الألم. هو يأتي من هذا العالم الذي هو تحت الشرير. يقلقك ويوجعك حتى تتساقط قيامة المسيح عليك بالتوبة وهي رجوعك بكل جوارحك إلى وجهه وهذا هو الإيمان الكامل تحياه على الرجاء وفي محبة ليسوع يغدق بها عليك فتصير إليه كائنا فصحيا.

“من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”، المسيح لا يلقي عليك صليبا. تؤتاه من ظروف وجودك على الأرض. وإن حملته تصير إنسانا سماويا. لذلك كان عيد ارتفاع الصليب مسيرة لك دائمة. كل يوم مثقل وكل يوم ترفع عنك القيامة أثقالك.

من هذا المنظار كان هذا العيد ممتدا فيك كل يوم. هل الصبيان الذين يشعلون النار عشية ذلك اليوم يعرفون أنهم مدعوون ليحملوا بها النور إلى العالم فيصيرون قياميين؟ هل كان ذلك تبيانا لهويتهم؟

ما عيد ارتفاع الصليب إلا قصة حب، أعظم قصة حب في التاريخ لأنها كتبت بالدم. هي زواج المخلص مع الإنسانية جمعاء. حبيبته ليست حصرا طوائف المسيحيين. هي الإنسانية المطهرة من كل أطراف الدنيا. هذه هي جسده أي كيانه المعمد بماء أو المعمّد بالروح. الذين يؤمنون بيسوع يؤمنون بالمحبة والناس كلهم أحباؤهم لأن الناس جميعا يأتون من المسيح بطريقة أو بأخرى وهو حاملهم بدمه الى أبيه وروحه حتى يكون الله الكل في الكل.

(النهار- بيروت) راديو الفاتيكان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO