لا للتسامح، نعم للمواطَنة

عبور

لا للتسامح، نعم للمواطَنة

يغلب على معظم الخطاب الدينيّ عن الآخر المختلف مفهوم “التسامح”. فالفقهاء والمفكّرون الدينيّون لا يملّون من تكرار مقولة التسامح الإسلاميّ عبر العصور مع المنتمين إلى أهل الكتاب، ومن تعميمها. وإذا سلّمنا جدلاً بصحّة هذه المقولة نظريًّا ونصّيًّا، غير أنّ صحّتها تعتلّ إذا أنعمنا النظر في بعض حقب التاريخ الإسلاميّ، حيث ساد التطرّف الدينيّ ونبذ الآخر حتّى إلغائه كلّيًّا.

لا يسعنا، في نقدنا مفهوم التسامح، إغفال مسألة أساسيّة ترتبط بكون التسامح مشروطًا ببعض الشروط المجحفة بحقّ الجماعات وحرّيّتها. ويأتي في رأس هذه الشروط ما يتعلّق ببناء الكنائس ودور العبادة، وبالحرمان من بعض المناصب في الدولة، وبالزواج المختلط وبكلّ ما ينتج منه. وإذا رجعنا إلى بعض الحقب يوم تنامى التشدّد، يسعنا أن نذكر المعاملة السيّئة لأهل الذمّة الذين فرضت عليهم أصناف معيّنة من اللباس وأثقال كانوا يحملونها في رقابهم وعدم ركوبهم الخيل لإهانتهم وتحقيرهم.

ثمّ لا يسأمون من الحديث عن التسامح! وحجّتهم البيّنة السماح لغير المسلمين بممارسة عباداتهم وطقوسهم، وبتطبيق أحوالهم الشخصيّة وفق قوانين طوائفهم وأعرافها، وبدفع الجزية لقاء عدم دخولهم الجيش للذود مع المسلمين عن ديارهم. هذا التسامح يرفضه كلّ مَن يسعى إلى المواطنة الكاملة، ولا يقبله مَن يرفض الشروط التي تنتقص من المساواة التامّة بين أفراد المجتمع الواحد، ومن دون أيّ تمييز في الدين أو في المذهب أو في العرق أو في الجنس.

ولئن كان نافعًا هذا التسامح في ما غبر من أيّام، إلاّ أنّه اليوم بات أيضًا ممّا غبر من هذه الأيّام. ولا يجوز أن تبقى مجتمعاتنا متخلّفة عن الحداثة التي من أهمّ مقوّماتها احترام الفرد كقيمة أساسيّة من قيم الاجتماع الإنسانيّ التي لا يستقيم أيّ مجتمع من دونها. والفرد في بلادنا ما زال بلا قيمة، فهو مدرج، شاء ذلك أم أباه، في جماعته الدينيّة أو المذهبيّة أو العرقيّة. ولا وزن لهذا الفرد إلاّ إذا اندرج في جماعته، فيكون وزنه من وزنها. ومهما أبدع أو تجلّى في ميدانه يبقى معزولاً ومهمّشًا في حدود جماعته.

المجتمع السليم يقوم، إذًا، على الحقوق والواجبات المتكافئة ما بين أفراده كافّة من دون إقصاء أحد منهم. وفي عصرنا بات مسيئًا استعمال تعابير كتعبير “الأقلّيّات الدينيّة” أو المذهبيّة أو العرقيّة، والتفاوض في شأن حقوقها وواجباتها، والتسامح مع وجودها وممارساتها الدينيّة والعباديّة. فالمنتمون إلى هذه “الأقلّيّات الدينيّة” يتوقون إلى دولة يحيون فيها أفرادًا مواطنين على قدم المساواة مع شركائهم في الوطن، من دون استجداء للتسامح وما يرادفه من ألفاظ.

المفكّرون الإسلاميّون ما زالوا يقاربون موضوع الدولة والمجتمع عبر باب العلاقات ما بين الجماعات الدينيّة والمذهبيّة، لا عبر باب الفرد المواطن، وعبر الحديث عن تسامح الغالبيّة مع الأقلّيّات. وهذا يردّنا إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة، إلى عصر القبائل والعشائر والجاهليّة.

المواطنة هي المبتغى، وهي تفترض الاحترام الكلّيّ والمساواة التامّة بلا أيّ تحفّظات تشريعيّة أو فقهيّة. يقول المفكّر التونسيّ محمّد الطالبي في كتابه “الإسلام حرّيّة وحوار” (دار النهار، 1999، ص 95): “الحرّيّة الدينيّة ليست صدقةً أو منّة تسامح نمتنّ بها على أشخاص ضالين”. نرجو أن نصل إلى يوم لا يتصدّق فيه أيّ مواطن على مواطن آخر بالتسامح، لأرجحيّة جماعته الدينيّة أو المذهبيّة وحسب.

الأب جورج مسّوح

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adian&type=adian&day=Tue

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO