ذخائر قديسين يُتاجَر بها عبر الانترنت

ذخائر قديسين يُتاجَر بها عبر الانترنت

المسيحيّون الأوائل نشروا إكرامها والكنيسة تستمر في التقليد

تطواف بذخائر القديسة تيريزيا الطفل يسوع في مدينة القدس القديمة في آذار 2011. (رويترز)       بلغاريون أرثوذكسيون يصلون أمام ذخائر للقديس يوحنا المعمدان في كاتدرائية ألكسندر نيفسكي في صوفيا في تشرين الثاني 2010. (أ. ب.)

“ذخائر قديسين للبيع”. على الموقع الالكتروني المخصص لبيع مختلف الاشياء، يمكن معاينة “البضاعة”، في وقت حددت اسعار متفاوتة قربها، وفقا لنوعها وقيمتها: 2 اورو لهذه، 40 لتلك، 100 اورو لاخرى، مع تأكيد انها للقديسة تلك، او القديس ذاك!… وكل ذلك يثير رفض الكنيسة وحفيظتها.

التعامل مع ذخائر قديسين اتخذ في الاعوام الاخيرة ابعادا ذات طابع تجاري، خصوصا في الغرب، بما يثير ضجة في الكنيسة الكاثوليكية التي حرصت على التذكير بالقانون الكنسي 0119 الذي يمنع بيع الذخائر، في محاولة لوقف هذه التجارة بعد انتشارها، خصوصا في قاعات العرض وعبر الانترنت. وقد بلغ الامر بالاميركي الكاثوليكي توماس سيرافان حدّ اطلاق “الحملة الدولية من اجل الذخائر المقدسة” العام 1990، يعاونه عشرات المتطوعين، لملاحقة تجار الذخائر ومنعهم عن الاتجار بها.

واذا كانت ذخائر قديسين وشهداء تمثل لبعضهم كسباً مادياً سريعاً او مجرد اشياء للبيع او العرض، فانها لا تزال تلقى كل تكريم في الكنيستين الارثوذكسية والكاثوليكية، اكان في الغرب او الشرق، “لما تمثله من حضور القديس او الشهيد في المكان”. فيستقبلها المؤمنون بكل حفاوة، وتحفظ بعناية في الكنائس، في امكنة محددة، وتُكرَّم وتُبخَّر، وتُطلَب شفاعة صاحبها، وحتى تُنسَب اليها قدرات عجائبية.

تكريم ذخائر للسيد المسيح والسيدة العذراء والقديسين والشهداء خصوصية مسيحية في الدرجة الاولى. وقد انتشر هذا التقليد في حقبة المسيحيين الاوائل، وبلغ ذروته في القرون الوسطى، ولا يزال يمارَس بقوة حتى اليوم، تحديدا لدى الارثوذكس والكاثوليك، في وقت يرفضه البروتستانت. والذخائر عبارة عن بقايا من قديس او شهيد، قد تكون قطعة من جلده او شعره او عظامه أو اي جزء من جسمه، ومن ثيابه ايضا، واي شيء مادي استعمله، لاسيما أوان مقدسة وأدوات.

وتنطلق الكنيسة الارثوذكسية في موقفها التكريمي هذا من ان “لا انفصال كيانيا ما بين الجسد والنفس عند الموت”. ويقول متروبوليت جبل لبنان وتوابعه للروم الارثوذكس المطران جورج خضر ان “الكنيسة تنظر الى التقاء الجسد والنفس واتحادهما في اليوم الاخير. وقبل اليوم الاخير، هناك اشراف من الروح القدس على العظام او ما تبقى من هذا الانسان. والعظام اذًا يحتضنها الروح القدس”.  انطلاقا من هنا، ثمة حرص كنسي على وجوب عدم هتك المقابر. “هذا الهتك واقع تحت القانون الجزائي في الدولة”، على ما يفيد. “وهذا يعني ان الشعوب تشعر بقدسية الميت. هناك وحدة ما قائمة، رغم الموت، بين بقايا الجسد والروح. وهذه اللحمة نعبّر عنها خصوصا بتكريم ذخائر القديسين”. ويتمثل هذا التكريم في الانحناء امامها وتقبيلها. ومرد هذا الامر الى الايمان “بان روح هذه الذخائر هي في الملكوت الإلهي. من هنا ثمة ارتقاء روحي لنا، بهذه الحركة التكريمية. فالكنيسة الارثوذكسية تعمل ايضا، “ليس بالكلمة فحسب، انما ايضا بالرمز. والرمز يقول، كما الكلمة، ونحن نكون هكذا قائلين اننا ننتمي الى هؤلاء الذين ذهبوا الى الله، وجمعهم الله اليه بالملكوت”، يشرح.

تكريم الذخائر له جذور مركبة، ومن دون شك قديمة، اذ يرجعها بعضهم الى تأثير تقاليد يونانية–رومانية، ثم سلتية وجرمانية. وما عرف عن حقبة المسيحيين الاوائل هو انهم كانوا يبدون كل عناية باجساد شهدائهم، وكانوا يقصدون قبورهم احياء لذكراهم. وفي اواسط القرن الثاني، تبيّن رسالة عن آلام الشهيد بوليكاربوس ان الجماعة المسيحية جمعت بقايا جسده المحترق ووضعتها في مكان لائق يمكن الاحتفال فيه بذكرى استشهاده. وخلال هذا الاحتفال، كانت تقام ولائم جنائزية، بتأثير تقاليد وثنية. ومع الوقت اتخذ هذا التقليد طابعا اكثر مسيحية، من خلال اقامة الافخارستيا عند قبور الشهداء.  وابتداء من القرن الرابع، راح آباء الكنيسة يتكلمون على العجائب التي كانت تحصل عند قبور القديسين. وبلغ هذا التكريم ذروته في القرون اللاحقة، اذ وضع له طقس ليتورجي، وانتشرت اخبار عن القدرات العجائبية المنوعة لهذه الذخائر، وصولا الى النسب اليها فضل النصر في الحرب على الاعداء، وحماية المدن من الغزاة… وحتى السلطات السياسية لم تتوانَ عن استخدامها، لاسيما لجهة القسم عليها ضمانا لتنفيذ الالتزامات السياسية واتفاقات السلام المبرمة (خصوصا في القرنين 8 و13).

الامثلة على تكريم ذخائر انبياء وقديسين تتعدد في الكتاب المقدَّس، في عهديه القديم والجديد. وقد جاءت المجامع الكنسية المتعاقبة منذ القرن الرابع لتؤكد اهمية هذا التكريم، مع اختلاف الى حد التعارض في طريقة ممارسته بين الشرق والغرب. وكانت الكنيسة الكاثوليكية حازمة بهذا الخصوص من البداية. “القديس حاضر في الذخيرة. والذخيرة يجب ان تُكرّم، وتوضع في مكان يمكن المؤمن من الصلاة امامها، كأنه واقف امام قبر ذلك القديس”، يشرح طالب دعوى اعلان قداسة البطريرك اسطفان الدويهي الاب بول القزي.

التدابير المتبعة في الكنيسة الكاثوليكية تقول ان “كل ذخيرة يجب ان تُرفَق بشهادة من طالب دعوى التقديس. واذا لم تكن مرفقة بها، يكون هناك شك في صدقيتها”، يشرح. ووفقا لما هو متبع كنسيا، تعد الذخائر بناء على طلب طالب دعوى التقديس، “وعند اعلان التطويب اوّلا، تشكل لجنة وتحلف امام البطريرك، ثم تعاين قبر المطوّب او القديس، وترفع تقريرها، وتأخذ ذخائر منه بناء على طلب طالب الدعوى”. وقد يتكرر هذا الامر عند اعلان التقديس.

وتتمثل المرحلة التالية بتسلم طالب الدعوى من اللجنة هذه الذخائر، محفوظة ومختومة بالشمع الاحمر. ويعمد الى ارسالها الى دير للراهبات البينيدكيات المحصنات في روما اسندت اليه خصيصا مهمة اعداد الذخائر. ويرفقها بمداخر مصنوعة من معدن ثمين، غير قابلة للصدأ او الكسر، “لتجهز فيها مع ختم طالب الدعوى، بما يؤكد اصالتها، منعا لاي تزوير او تلاعب بها”.

“عدم اعطاء الذخائر اي انسان لا يعرف قيمتها” مسألة يُشدَّد عليها في التعامل مع ما وصفها بعضهم بانها “أغلى من الأحجار الكريمة وأثمن من الذهب”. وتجاه ذلك، على كل راغب في الحصول على ذخيرة “ان يتقدم الى طالب الدعوى بكتاب من مطران او كاهن رعيته يشهدان له فيه بان ايمانه قويم، وانه يعرف قيمة ذخائر القديسين”، يفيد القزي. واذا كانت الرعية هي التي تطلب الذخيرة، فتتوجه ايضا الى طالب الدعوى بكتاب رسمي تعرض فيه طلبها. بالنسبة اليه، يجب الحرص على الذخائر وحفظها بعناية. “الذخيرة تمثل حضور القديس او الشهيد في المكان. وكل شيء يمسها يتقدس”.

هالة حمصي

(hala.homsi@annahar.com. lb)

http://www.annahar.com/content.php?priority=1&table=adian&type=adian&day=Sat

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO