الأحــد الخامـس للصـيف

  الأحــد الخامـس للصـيف : 28-08-2011

القــراءات الطقسـية

القـراءة : أحبار 23: 33-43:– عيد المظال يحتفلُ به اليهود مدة أسبوع في الخريف عند جمع الغلات وقطف الثمار.

الرسـالة: 2كورنثية 12: 14-21:– يخدمُ بولس الكورنثيين دون طمع ، ولا يريدُ أن تؤولَ زيارته لهم الى الحزن، ويدافعُ عن نفسه فقط لإظهار الحقيقة.

الإنجيل : لوقا 16: 19-31:– الغنيُ المتعافي والمعتبر والسعيد يظهر فقيرا

باللـه فيهلك. بينما لعازر (= اللـه يعين) المريض والمتألم والمحتقر والمنبوذ يظهرُ بارًا عند اللـه فيتمجد للأبد. من الغني الحقيقي، ومن الفقــير ؟

رواية ٌ نلتـّذ ُ بقراءَتها. وقد يُشاطرُ بعضُنا رأي الغني ، بل يقولها في الكواليس و يعترضُ الكثيرون على ما جاءَ في الكتاب ويتحججّون قائلين :” من جاءَ من العالم الآخر، من رجعَ من الموتى، حتى نصَّدقَ الكتاب”؟. وينسون كلامَ يسوع :” أشهدُ بما رأيتُ وسمعتُ من أبي..” وقد أعترضَ اليهود : أما هذا ، يسوع، فلا نعلم من أين هو” (يو9: 29). مع أنه أكدَّ أنه جاءَ من عند الأب (يو8: 42؛ 16: 28)، وأتى إلى العالم ليشهدَ للحقيقة (يو18: 37). لقد آمن التلاميذ أنَّ يسوعَ قد أتى من لدن اللـه ألآب (يو16: 27-30؛ 17: 8)، وآمن الأعمى (يو9: 38). أما الفريسيون وعامة الشعب فرفضوا الأيمان به، وثبتوا في جحودهم (يو9: 24-41)، وحجتهم أنهم يتبعون موسى (يو5: 45)، وأنهم أبناءُ إبراهيم ، بل وأولاد اللـه مباشرة (يو8: 33، 39-41). لقد امتلأ الكتبة والفريسيون ، معلموا الشريعة وحُماتها، من أنفسهم واقتنعوا بذواتهم، فغشى هذا عيون عقلهم وأفسد تفكيرهم فلم يقدروا على الخروج من ذواتهم ، لقبول الآخر كما هو والأيمان به.

أما الأغنياءُ فغرقوا في قصورهم ومقتنياتهم ونسوا اللـه كليا ونهائيا (متى19: 21-24؛ لو 12: 13-21؛ 16: 1-10). وأما الأقوياءُ فتبَّجحوا بسلطانهم واحتموا به محتقرين غيرهم من الفقراء والضعفاء وبسطاء الشعب (يو9: 24، 34؛ 19: 10). والنتيجة : ساروا على درب الهلاك. و بجانب هذه الحالات يُخبرنا الرب ، بهذا المثل، عن حقائق لا يجوز أن تغيبَ عن بالنا، إذا كنا حقا نريد الحياة، هي:

 1ـ وجـودُ الجحيم.وتقريرُ المصير!

انها حالة ُ العذاب (لو16: 23-25) لمن لم يعرف اللـه في حياته على الأرض أولم يسمع كلامه. الحياة الحقيقية هي كما قال الرب ” أن نعرف اللـه الآن “(يو17: 3) ونحبه ونحب الإنسان (لو10: 27؛ متى22: 36-39) بقياس محبة اللـه (يو13: 34). وإذا لم نعرف اللـه الآن ولا أحببناه ولا أحببنا القريب فلن نعرفه ولا نقدر ان نحبه بعد الموت (متى 25: 9-13). لأن الموت يُحّددُ مصيرَ كل واحد، اذ به تنتهي إمكانية الاختيار بين الخير والشر، فيستحيلُ تغيير المصير:” بيننا وبينكم هـوّة عميقة ، حتى ان الذين يريدون الاجتياز من هنا اليكم لا يستطيعون ، ولا الذين هناك يستطيعون العبور إلينا ” (لو16: 26). والعذابُ في الجحيم شديد بحيث تكفي قطرة ماء تبرد اللسان لتخفف عن عطش الهالكين إلى الحق الذي خسروه. بينما لا تكفي هنا كأسٌ ملآنة بالماء لكسر العطش .

2ـ الإنسانً ُ كائنٌ اجتماعي متضامن

ليس الأنسانٌ مقطوعا من شجرة. كلُ إنسان هو ابن الأب المشترك الأول. فكل الناس هم أذن إخوة. والإنسان خلقه اللـه. فكل الناس مخلوقون عن طريق آدم من اللـه ، لذا يحملون كلهم صورة اللـه في داخلهم. كلهم أبناء اللـه وإخوة ٌ لبعضهم البعض ، من خلال أخيهم البكر يسوع (متى 25: 40؛ رم 8: 29). فعلى كل فرد أن يراعيَ غيرَه ويُحّبَه كنفسه ” أحبب قريبك كنفسك “(أح19: 18؛ متى22: 39؛ رم13: 8-10)، ويُداريه كما يتوقع ويرغب أن يُداريَهُ غبرُه (متى 12: 12؛ لو6: 31). وإهمال هذه علاقة المحبة والتعاون مسؤولية كبيرة ، ويُحاسبُ بشدة : ” ما لم تفعلوه لأحد إخوتي من هؤلاء الصغار فلي لم تصنعوه” (متى 25: 41-45). والأنانية في التنعم بخيرات اللـه دون إشراك الأخوة الآخرين تقصيرٌ وخطيئة ضد محبة القريب ، التي تتطلبُ مقاسمة ما أنعم اللـه علينا من خير مادي أو روحي مع غيرنا. وقد أكد الوحي ذلك منذ بدايات عهده على يد موسى (أح25: 23-43؛ تث14: 7-11).

3ـ الوضعُ الحالي للفرد والنهائي

 ليس الوضعُ المادي للفرد ومركزُه الاجتماعي دليلا على استقامةِ سلوكه، ولا ضمانا لنهاية مماثلة مدى الأبد. يتجاذب المرء في حياته وينقسمُ بين فكره وعاطفته ، بين ما هو صحيح وما هو خاطئ، بين ما هو مريحٌ وما هو مؤلم ، بين الحق والباطل وبين الخير والشر. فلا يكون وضعه القائم لفترة ثابتا لا يتغير. ما يثبت هو الموقف الأخير في سلسلة السلوك اليومي الذي يتحكمُ به الموت. لذا قد تتعاقب في حياته فترات جهاد وصراع ينتصرُ فيها الحق أحيانا ويخيب أخرى. والبَّرُ الذي يستقرُ عليه يقرر مصير الإنسان. أما اللـه فلا تقلبات فيه ولا تغيير. وكذلك خيرهُ وحقه. فمشيئة اللـه هي التي تثبت للنهاية وتعلو على كل إرادة أخرى. والحق الذي يطلبه يعلو في الأخير على كل شيء، ولا شيء يقدر أن يقاومه. فاللـه هو الحق ومن يقف إلى جانبه ويسمعُ كلامه هذا يضمن لنفسه وضعا أبديا مريحا ومجيدا. طلبَ غنيُّ مثالنا التنعم المادي ولم يُعِر أي اهتمام لا للـه ولا للقريب. ولما واجه اللـه ولم يكن في يده صك او دليل لحبه له أو للعازر المتألم على بابه والمحتاج انقلبت نهايته من سعادة الى شقاء وعذاب شديد:” تذكر نلتَ خيراتك في حياتك.. والآن نلتَ العذاب” (لو16: 25). افتهم بعد خراب البصرة قيمة محبة القريب والتعاون معه. تندم ولا تَ ساعة مندم!. أما لعازر فلأنه لم يخطأ رغم فقره وشقائه وذله ونبذه فلم يتشّكَ من اللـه ولا حسد الغني ولا ظن به السوء. تحملَّ ضيقه بصبر، ورأى في عذابه آلام ابن الإنسان الفادي فدخل تحت صليبه وسار معه الى الجلجلة ، وصلب معه في شخص اللص اليمين وآمن باللـه فوثق به وأحبه فنال العزاء والراحة التي طالما حلم بها، ومن أجل الحصول عليها تعّذبَ كثيرا على الأرض.

 4ـ لا مراءاة عـند اللـه .

لا توجد في اللـه لا محاباة ولا نفاق. حياة الكل منه. والكلُ ينتهي اليه. والكل يأخذ عنه حـقه. ” يجازي كل آمريءٍ على قدر أعماله ” أى” بما قدمته يده ، وهو في الجسد ” على الأرض (متى16: 21؛ رم2: 6؛ 2كور5: 10؛ أف6: 8)، وذلك خيرا كان أم شـّرًا (رؤ20: 12-14؛ 14: 10-13)، لأنَّ ” أعمالهم تصحبُهم “(رؤ14: 13). لأن اللـه سيحاسبُ في الأخير جميع الناس فيعاقبُ الأشرارَ(رؤ20: 12؛ 21: 8) و:” يكفكفُ كل دمعة تسيلُ من عيون ” الأبرار (رؤ 7: 14-17؛ 21: 4). فهو لم يستنكف ذل لعازر ولا غشَّه فلا أغراهُ تنعمُ الغني.

 5ـ كلامُ اللـه قيـاسُ الحق .

لا يقوم الحق على دساتير البشر وأنظمتهم أو فلسفاتهم. بل على كلام اللـه الحي لأنَّ ” كلَّ بشر كالعشب وكلُ مجدٍ له كزهر العشب: العشبُ يَيْـبَسُ والزهرُ يسقطُ ، وأما كلام اللـه فيبقى للأبد “(1بط 1: 24). ودليلُ إيمان الفرد باللـه وعلامة حبه له هو حفظ كلامه (يو14: 23). فاللـه ” يحفظ العهد والرحمة لمحبيه والعاملين بوصاياه إلى ألف جيل. ويجازي مبغضيه .. فيبيدهم ولا يهملهم “(تث 7: 9-15)، وهو واقف على باب كل انسان ” يقرعُه فاذا سمع أحد صوته وفتح الباب ، دخل اليه ليتعَّشى على قرب منه” (رؤ3: 20) في محبة وسعادة كاملتين. لقد ابلغ اللـه إرادته بأن كلمَّ البشر بواسطة الأنبياء قديما (عب1: 1) ثم بالابن (يو17: 8، 14؛ عب 1: 2)، وأخيرا بالرسل والكنيسة (يو17: 18-20). ومن يؤمن باللـه يستطيعُ أن يُمَّيزَ مشيئته من خلال الكتاب المقدس. فيسوع كمَّـلَ الوحي وبلــَّغ الحقيقة كلها. وكانت قيامته شهادة لأقواله. وإذا رفضه أحدٌ فلا عذر له. وإذا طالبَ اليهودُ ، أو غيرهم، يسوعَ بمعجزات فيسوع لم يقصر حتى بذلك. أعطى الإنسانية كلَ الأدلة على حب اللـه وقدرته. ومع ذلك لا يرعوي الناس ولا يقتنعون. فلهذا إذا طلبَ الغني من إبراهيم أن يرسل لعازر لينذر الأحياء فلم يكن مصيبًأ لأنه ” حتى لو مضى إليهم واحدٌ من الأموات لا يقتنعون ” (لو16: 31). فمن يكـّذبُ أقوال الأنبياء لن يصَّدق بالأموات. لأنه حتى عند قيامة ميت يقدر الإنسان أن يحّورَ الحقيقة أو يقاومها وينعتها بالسحر والخيال. أما فتح يسوع عيني الأعمى لماذا لم يصدقوه؟. أ لم يُقِـمْ لعازر بعد دفنه بأربعة أيام؟ ماذا فعلوا ؟ قرروا أن يتخـلصوا منه أيضا فيمحوا دليل لاهوت يسوع وصحة كلامه. أ ما شفى بطرس المخلع في الهيكل ، مع ذلك تقوقع اليهود في تزمتهم ورفضهم. ليس التقصيرُ او الخلل من جانب الحق. الخللُ فيهم لأنهم أبوا الخروج عن ذواتهم والاعتراف بسيادة اللـه. وحتى إيمانهم بموسى كان ادّعاءًا فارغا وسطحيا فقط !. ولا زال بشرُ اليوم أحفادَ أولئك الجاحدين. إذا لم تفرَغُ آنية مما فيها لن تستقبل فيها شيئا آخر. وهكذا الإنسان إذا لم يفرَغ من ذاتِه ، قناعاتِه وادّعاءاتِه، لن يقدر أن يؤمن باللـه. ومع ذلك فاللـه ليس ملتزما به أكثر مما فعله!؛ ” أى شيءٍ يُعملُ للكرم وما عملتـُه لكرمي ؟ حين انتظرتُ أن يثمر عنبـًا أثمر حصرما بريا. لماذا ؟ ” (اش5: 4). ماذا يعملُ اللـه للبشر أكثر حتى يؤمنوا؟ هل أكثر من تجّسدِه وموته على الصليب حاملا على نفسه قصاص خطاياهم. حذ ّرَ يهوذا من مغبة خيانتِه لم يرعوِ ، لكنه في الأخير ” تـنــَّدمَ “، ولاتَ ساعة مندم ِ!. ولات ساعة مندم لمن تفوته هذه الحقائق ويرفض القبول بها والتصرف على ضوئها لضمان الحياة الأبدية، كما وعدها اللـه لا كما يشتهيها البشـرُ.

القس بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO