الأحـــد الرابع للصـيف

الأحـــد الرابع للصـيف : 

2011-08-21

القــراءات الطقسـية

القـراءة:

اشعيا 9: 8-16 :– الشعبُ يتكبرُ ويجحد ولا يتوب ، واللـه يستمرُ في تحذيره وإنذاره.

الرسـالة:

2كورنثية 10: 1-18 :– يرُّدُ بولس على تهم الكورنثيين ويؤكدُ أنَّ تعليمه يستندُ إلى المسيح لا إلى المنطق البشري.

الإنجيل :

مرقس

7: 1-16 :– ينشب جدالٌ حول الطاهر والنجس. فيؤكد يسوع أنَّ الحَّقَ في شريعةِ اللـه وليس في شرائع الإنسان وتقاليده.

الطاهر والنجس

بين الحق والباطل

اعترضَ اليهودُ على على يسوعَ لأنه يسمحُ لتلاميذه مخالفة التقاليد والقوانين البشرية. فردَّ عليهم يسوع بقوة أنَّ التقاليد تلك ” خاطئة “. المفروضِ في الإنسان أن يخضعَ لشريعةِ اللـه. لأنَّ اللـه لا يخطأ في تعليمه و شريعته. أما البشر فقد يزيغون عن الحق ويسلكون درب الشر، رغم ادّعائهم القداسة والسلوك الأمثل. وبيَّنَ لهم كيف زاغَ علماءُ اليهود وقادتـُهم اذ عَّـلموا وشجَّعوا الناسَ على ألا تساعدَ الوالدين المحتاجين، بحجة أنَّ لهم النية – فقط النية !- في أن يُخصصوا تلك المساعدة قربانـًا للـه(

مر7: 11-13).

كما بيَّنَ لهم كيف جهلوا الحقَّ فـفشلَ تعليمُهم لما أعلنوا نجاسة َ لمس – في الأخذ والعطاء – الوثنيين أو العّشارين باعتبارهم خاطئين وعبور عدوى شرهم إلى غيرهم ، ففرضوا طقوسَ الغسل للتطهير من تلك النجاسة. طـَّيبٌ لماذا لم يفكروا بأن تلك الحركة تساعد على عبور قداستهم إلى الخطاة ؟؟ّ. هل لأنهم لم يكونوا مقتنعين جديا من قداسةِ ذواتهم !!. وكيف أقنعوا ذواتِهم بأن المواد الغذائية، التي يشترونها من أولئك المحسوبين نجسين ويطبخونها ويأكلونها، تقدر أن تنجسَّهم إذا هي دخلت المعدة وخضعت لعملية الهضم ،و..و..؟؟ كيف وبأي طريق تصلُ إلى الفكر والقلب حتى تنـَّجسَهما ؟؟.

ان الفكر والقلب والإرادة هي مصدر كل أفعال الإنسان وليست المعدة أو الأمعاء ؟. أ لم يؤكد الرب يسوع بأن ” من نظر إلى امرأةٍ فاشتهاها زنى بها في قلبه ” )

متى5: 28)، قبل حتى ان يمارسَ الجنسَ معها ؟. أ ما قال الرب أيضا : ” إذا نذرتم نذرا للرب إلهكم فلا تؤخروا وفاءَه، لأن الربَ إلهكم يُطالبُكم به، فتكون عليكم خطيئة” (تث23: 22؛ عدد30: 3). توَّقفَ الخطأ على النية والشهوة والإرادة وليس على ألأشياء لذاتها. ولا يهم اذا كان الفعل تكرر كثيرا حتى أصبح تقليدا ينتقلُ من جيل إلى جيل. لأنَّ قِـدَمَ الشيء لا يفضي عليه قيمة ايجابية أو سلبية ، حتى ولا مكانة الشخص الذي وراء هذا التقليد. جادلَ الفريسيون يسوع بخصوص الطلاق (متى19: 3-8) ورفضه يسوع فاعترضوا عليه مقدمين الحجة بأن موسى سمح به. ردَّ عليهم :” بسبب قساوة قلوبكم رخصَّ لكم موسى أن تطلقوا نساءَكم. لم يكن الأمرُ هكذا منذ البدء.. فما جمعه اللـه لا يحق للإنسان أن يفصله “!.

وهكذا أسقط في أيديهم وفـَّندَ حجَّـتهم ” التقليد”. وهل يمكن أن يُصبحَ فعلٌ شيّءٌ صحيحًا وجيدّا فقط لأنَّ أجيالا كثيرة تعاقبت على تداوله وممارستهِ ؟؟. أو بالعكس هل يمكن أنْ يسوءَ أمرٌ صحيحٌ جيّدٌ فقط لأنَّ لا أحدَ سبق ومارسَه ؟؟. بأي منطق ؟ بأي مبَّـرر ؟. بل لِـمَ لا يكونُ من يتبعُ تقليدا وعادة غير مختبرةٍ غـبيًا وجاهلا ً؟ بل هو فعلا جاهلٌ. لأنَّ العقل ليس للتبعية والتقليد، هذا من مجال الغريزة والحيوانات والطيور تسلكه لأنَّ لا عقلَ لها. بل العقلُ للتفكير والحكم على الأشياء والتدبير باختيار الأفضل منها. وإذا فقد الإنسان الحكمَ والاختيار في سلوكه فلا شيء يمَّيزهُ عندئذٍ عن البهيمةِ التي تتبعُ ” تقليدَها الطبيعي ” أي الغريزة !. فالتقاليد ليست من طبيعة الإنسان التي خلقها اللـه بل هي ” أحكام بشرية ” فقط ، و قد تعارضُ الحق والخير، لذا يجبُ الحذرُ منها والتصرفُ معها بفطنة وحكمة. انَّ كلَ شيء حسن ٌ بذاته (

تك1: 31) خارجا عن علاقة الإنسان به ، وطاهرٌ لا نجاسة فيه اذا عدِلَ الإنسان وأحسنَ استعماله (1طيم 4: 2-5)، ” لأنَّ الأرضَ وما عليها للرب ” (1كور 10: 25)، والربُ قدُّوسٌ وكامل لا نقصَ فيه ولا عيب (1بط 1: 15 ؛ متى5: 48).

نحــن والتقــاليد ! 

ما لنا واليهود ونحن نقرأ اليومَ كلامَ اللـه الذي رفضه اليهود، أما نحن فقد قبلناه لأننا مؤمنون بيسوع المسيح؟. ولكن تمَّهل يا قارئي العزيز وفكرْ معي : ترى أما لنا ، نحن أيضا، أحيانا وفي بعض البلاد تقاليد نتبعها ، دون مناقشتها حتى ولو على حساب الحق ؟. أما نتحجَّجُ نحنُ أيضا على تغييرات وإصلاحات متشفعين بعادات أجدادنا وأسلافنا؟. أما نحتمي بالتراث بل وحتى بالأيمان لنرفضَ تغييرا في عاداتِنا يُكلفنا عناء التنازل عن بعض حقوق وامتيازات حصلنا عليها ؟ أو نفرضَ تقليدا باسم الكنيسة أو الطقوس الدينية وروحُ الطقس وتعليمُ الكنيسة برّاءٌ منه ؟. هذا من جهة.

و من جهةٍ ثانية أ ما نبرّرُ تصّرفاتٍ عديدة ونسندُها بقوة القانون المدني الذي يستبيحها ونحن على يقين من أنها مخالفة لشريعةِ اللـه؟. كم طلاق تم استنادا إلى الشرع المدني ضاربين عرض الحائط شريعة المسيح ونحن نشترك ، بشكل أو بآخر،في أجواق التسبيح للمسيح؟. أ ما نفضّلُ بعض القوانين البشرية ، كقانون الإجهاض مثلا أو الزواج المثلي ، التي تسمحُ لنا أن نركبَ أهواءَنا – فتستعبدُنا!- ونتبعَ شهواتِنا الجسدانية والدنيوية – فتشَّـوهُتا !- ونحنُ نعلم أنَّ اللـه لا فقط لا يرضى عنها بل وقد أدانها مسَّبقا وحَّذرَ مرتكبيها من أنه سيحرمهم الحياة الأبدية إذا مارسوها ؟؟.

أضف إلى هذه : لقد قالَ اللـه :” أحبب قريبَك كنفسك “!. وكم منا ما يزالُ يبرر موقفه العدائي تجاه فئات معينة من البشر بسبب شروط حزبية، طائفية أو حدود سياسية، أو عرق ولون مختلفين ، أو لغة وثقافة مغايرة ، أو حدوث خلاف في الفكر أو المصالح ؟. قال اللـه أيضا : ” لا تقتل “. وكم مؤمن ٍ يُصَّلي ويصوم ويتظاهرُ بالتقوى ويجري مع ذلك الإجهاض فيقتل أطفالا ” أجــنة ” أبرياء لا ذنبَ لهم ولا حولَ ولا قوة لحماية أنفسهم والدفاع عن حقوقهم ؟. ومُبَّـررُهم: انقاد حياة الأم !، أو غسلٌ لعارٍ!، أو تجنبُ تشويهٍ قد يُصيبُ الطفل فيتألم منه مستقبلا ؟ أو ، بكل بساطة ، بسبب عدم الرغبة في طفل إضافي ، أو للتخلص من حمل ٍ مُضن ٍ ومزعج ؟. هذه كلها أفكارٌ وتقاليدُ ومبرراتٌ بشرية. أين الأيمان باللـه وأينَ سماعُ كلامهِ؟. أما قال اللـه لا تقتل ؟و أ ليسَ الإجهاضُ قتل إنسان حي ؟. حذرَ اللـه قائين من مغبة الانجراف وراء الشهوة بقتل أخيه هابيل. لم يسمع قائين الكلام وقتل. فقال له اللـه :” ان دمَ أخيك البريء يصرخُ اليَّ. .. فطريدا شريدا تكون.. ” (

تك4: 10-11).

قال اللـه أيضا :” لا تسرق “, وكم واحد في الدنيا يُحَّـللُ سرقة أموال الدولة على أنها مُلكٌ عام، ويخفي عنها وارده ليتملصَّ من دفع الضرائب المطلوبة بحجة إنها غير عادلة ؟. هذا الذي يُسَّـمى ” العمل الأسود ” كم وكم واحد لا فقط يمارسُه بل ويرَّوجُ له ويدافعُ عنه ناسيا شريعة اللـه : لا تسرق ، وأعطِ لقيصر ما لقيصر ” (

متى22: 21)؟.

بماذا يمَّني النفسَ من يُحللُ لنفسه مخالفة شريعة اللـه ، شريعة المحبة والغفران ، والمساواة والتعاون ويتبعُ شرائع البشر وتقاليدهم ؟. هل يتصَّورُ أنَّ ” الجهنم ” سوف يُلغى في نهاية الأمر ولن يبق سوى السماء؟. بماذا يُسَّلي أولئك أنفسهم: هل يتصَّورون أنَّ عظمة محبة اللـه وكثرة رأفتِه سوف تثيرُ رحمته فيتغاضى عن إثم الإنسان ؟ . أ لا يفكرُ هذا المؤمن أيضا بعدالة اللـه، وأنها لا يمكن ان تنسَ الظلم والدماء والذل والإهانات اللاحقة بالأبرار بسبب إيمانهم باللـه وسماع كلامه ؟. أ لا يفكرُ أنه لا ” يتساوى النور والظلام ” كما ” لا يلتقي البر والشر “؟.

أنها فرصة ٌ لنا ودعوة لنتعَّلمَ كيفَ ندركُ مشيئة اللـه ونعملُ على تنفيذها بتنسيق حياتنا وسلوكنا مع شريعة اللـه. نتعلمُ كيف لا ننبهر ولا نقتنعُ بعلمنا، ولا نتكل فقط على قوتنا وأكثر مما نحن عليه. ولنفكر أنَّ حتى تلك القوة أو العلم مصدرُهما اللـه. لنحذر ألا نتمسَّك بما هو من البشر. لندع نورَ اللـه يُنـَّورُنا ويقودُنا.

القس بول ربان

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO