مَن ينطق باسم الكنيسة؟

مَن ينطق باسم الكنيسة؟

 

تستهجن فئة من المسيحيّين موقف “الكنيسة” من الحوادث الجارية في مختلف بلاد المشرق العربيّ، وتخاذلها إزاء تطلّعات أهلها وناسها، وصمتها عمّا ترتكبه الأنظمة القائمة ضدّ شعوبها. ويصل بعضهم الآخر إلى حدّ اتّهام “الكنيسة”، في انحيازها إلى الأنظمة أو في صمتها المطبق، بأنّها ضدّ الحرّيّة وحقوق الإنسان.

هذه الفئة من المسيحيّين كانت لتصيب كبد الحقيقة لو نأت في حكمها المبرم عن التعميم. فـ”الكنيسة” ليست هي المؤسّسات الدينيّة الناطقة باسمها، بل هي شعب الله المدعو بدعوة قدسيّة إلى أن يكون جماعة واحدة تستلهم تعاليم الربّ، فتمارسها في حياتها وتسعى إلى أن تعمّ المسكونة كلّها. لذلك لا يجوز في أيّ حال تنصيب القادة الدينيّين قادة سياسيّين للمؤمنين. المسيحيّة، بعد تاريخ مليء بالتجارب والخبرات المريرة، باتت تؤمن بالفصل التامّ ما بين السلطتين الدينيّة والزمنيّة.

لذلك، وانطلاقًا من كون “الكنيسة” مدعوّة إلى الشهادة للحقّ، يسعنا أن نستهجن المواقف التي أطلقها بعض القادة الدينيّين حين أعلنوا وقوفهم إلى جانب السلطات مهما بلغ مقدار ممارستها للعنف والقمع. فالقادة الدينيّون ينبغي لهم، قبل سواهم، أن يتّخذوا مواقف وطنيّة غير آخذين في الاعتبار سوى انسجامها مع الإنجيل وتعاليم السيّد المسيح وسيرته.

شهدت المسيحيّة، عبر تاريخها القديم والمعاصر، العديد من القادة الروحيّين الذين واجهوا الأباطرة والملوك، ولكن أيضًا واجهوا زملاءهم من رجال دين تواطأوا مع السلطة القائمة، واستشهدوا أو اضطُهدوا بسبب مواقفهم المسيحيّة والكنسيّة الحقيقيّة. هؤلاء سمّتهم الكنيسة أنبياء، على مثال القدّيس النبيّ يوحنّا المعمدان (يحيى القرآن) الذي واجه هيرودس الملك مع علمه بسوء عاقبة موقفه، لأنّها جزمت بأنّهم قد نطقوا بمشيئة الله وبكلمته، ولم يخشوا السلطة ولم يهابوا الموت.

لم تحصر “الكنيسة” موهبة النبوّة، التي تحدّث عنها القدّيس بولس الرسول، في فئة رجال الإكليروس، بل تتعدّاهم إلى المؤمنين كافّة. أمّا المقصود بالنبوّة، وفق تعاليم العهد الجديد، فليس التنبّوء بما سوف يجري من أحداث مستقبليّة، بل بإعلان مشيئة الله في أوقات الأزمات والمحن، وبتصحيح مسار الكنيسة إذا انحرفت عن الصراط المستقيم. ويسعنا هنا الحديث عن القدّيس مكسيموس المعترف الذي رفض هرطقة “المشيئة الواحدة للمسيح” التي قبلها كلّ رجالات الكنيسة والإمبراطور، فصرخ بهم قائلاً: “لستم أنتم الكنيسة، أنا الكنيسة”. فكان مكسيموس نبيّ عصره.

النبوّة لم تنعدم من الكنيسة، والشهادة أيضًا لم تنعدم منها بفضل روح النبوّة. مصير الأنبياء هو الشهادة، بالكلام بدءًا، ثمّ إذا اقتضى الأمر فبالدم. الأنبياء هم وحدهم الذين ينطقون باسم “الكنيسة”، لأنّهم يذكّرون الغافلين بمشيئة ربّها لا بمشيئتهم. أمّا سوى الأنبياء فينطق بعضهم عن الهوى والمصالح والزبائنيّة، ولكنّ بعضهم الآخر ينطق عن الخوف من الوقوع في براثن الحركات الدينيّة المتطرّفة، وعن الخشية من مصير قاتم ينتظرهم.

لا ريب في أنّ الأنبياء حاضرون، هنا وثمّة، حيث الدعوة إلى القيم التي دعا إليها السيّد المسيح، وفي رأسها الطوباويّات. فهم الودعاء، والجياع والعطاش إلى البرّ، وأطهار القلوب، والساعون إلى السلام، والمضطَهدون من أجل البرّ… هم الساعون إلى السلام والعدل عن طريق النضال اللاعنفيّ، هؤلاء هم الأنبياء. هؤلاء هم الكنيسة.

الأب جورج مسّوح    

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adian&type=adian&day=Thu

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO