الأحــد الثالث للصـيف وعيد الانتقال

الأحــد الثالث للصـيف :

14-08-2011

15-08-2011 عيد الانتقال

القـراءات الطقســية

القـراءة :

اشعيا 5: 1-7:– يتشكى اللـه من شعبه. انه لم يُقـَّصر في خدمته. ومع ذلك لم يعطِ الشعبُ الثمر المرجو منه في الحق والعدل.

الرسـالة:

2 كورنثية 7: 1-11:– يفتخر بولس بأهل كورنثية الذين خدمهم بغيرة ،والذين تراجعوا عن سوئهم بعد أن لامهم وأحزنهم فترة من الزمن.

الإنجيل :

يوحنا

9: 1-41:-قصة الأعمى منذ مولده. يسوعُ موضوعُ خلافٍ بين فئات اليهود. ومن ادعى بالعلم والقداسة ظهر أنه أعمى يجهلُ اللـه.

من الذي يُبصرُ ، و من الأعمـى ؟ 

فئاتٌ ثلاث ادَّعتْ أنها تـُبصرُ :

جـيرانُ الأعمى ، والداهُ ، والفرّيسـيون.

1. الجــيران

كان الجيران ، ومن كان يرى الأعمى في الحي يستعطي، يعرفونه جيّدا. انهم يلتقون به يوميا. ولا يفوتهم عنه تفصيل. يعرفون جيدا أنه لم يرَ النور أبدا. فمن الغرابة بقدر أنهم شكوا فيه بعد فتح عيونه ، أو هكذا تظاهروا عندما عرفوا أن شيئا ما حدث له ، لا يقوون على تفسيره. هل هو فعلا شَّـكٌ أم هو تمثيل ورياء ليتجنبوا مساءلة وتحقيقا قد يوّجعُ لهم رأسهم؟. وهم لا يريدون بالطبع أى وجع رأس. ولأجل من : أعمى قاصَصه اللـه لأثم فيه أو في ذويه ؟ (يو: 29). لكنهم رأوه بطـَّلَ من ان يتسوَّل في رأس شارعهم !. رأوه يترددُ على بيت والديه في حَّـيهم!. وهل يمكن أن يشكوا بعد فيه ؟؟. ألم تدفعهم فضوليتهم الى تفصّي أخباره ومعرفة آخر أنبائهِ ؟. أ لم يُعلن أنه هو نفسُه ؟. بل سألوه واستفسروا عما جرى له ، وكيف انفتحت عيناه (آية 10)، فأخبرهم وكشف لهم عن الشخص الذي شفاهُ. انه يسوع الناصري!.

هنا بيت القصيد. اسمُ يسوع صار عَـلمًا شهيرا طغى على أسماء كل الشهيرين قبله أو في زمانه. هذا الاسم يدور على كل الألسنة. بل صار سبب خلافات ومواقف )

لو2: 34). هناك من يؤيده بحماس ويرى فيه صورة اللـه العامل بينهم، وغيرُه يعارضه بشدة ويخطط للتخلص منه. لقد ارتفعت سمعته كثيرا ،فوق الحد ، بحيث صارت الجموع تؤمن به وتتبعه وتهَّمشُ القادة الروحيين( يو11: 48). بدأ يشكلُ خطرا يجبُ تفاديه. أخذ يطرح أسئلة يجب إيجاد الحلول لها بالعافية أم بالقوة. والشعب ساحة هذه المعركة وقائدها. وجيران الأعمى جزء من هذا الشعب. ولهم كلمتهم شاءوا أم أبوا. فما هو رأيهم وموقفهم ؟. ماذا لهم هم ويسوع ان كان نبيا أم لا ؟. يرغبون البعدَ عن المشاكل. فلا ينوون حشر أنفسهم في مواقف محرجة باتخاذ قرار حاسم. فأقنعوا أنفسهم بالحكمة البشرية: ” الباب الذي تأتيك منه الريح أغلقه وآسترح”!. فارتأوا أن يستلم القادة الروحيون المسألة ويتحققوا فيها، لاسيما وأن الأعمى شفي في يوم سبتٍ. فأخذوا الأعمى إليهم ليتملصوا من مسؤولية الاشتراك في مخالفة الشريعة يوم السبت ، أو المساءلة عن مدى اعترافهم بيسوع انه المسيح أو الاصطفاف إلى جانبهم ورفضهم له. أما الحق والعدلَ فلم يفكر بهما أحدٌ !.

2. الوالدان

نعم أقرَّ الوالدان أنَّ الذي شفيَ ابنـُهم ، وأنه ولد أعمى. وبالتأكيد قصَّ عليهم خبر شفائه كما فصه على الجيران. وتأكد لديهم أنَّ يسوع هو” أكثر حتى من نبي “. ولكن سيف الفريسيين المسلول مسَّلط ٌ على رقابهم : إذا اعترفوا علنا بأن يسوعَ نبّيٌ ، فسوف يُطردون من المجمع، رغم المعجزة الباهرة، و يُحرمون مشاركة عبادة اللـه. ويخزون أمام المجتمع إذا نالوا هذا القصاص ، وتتشَّـوه سمعتهم. ولم يسألوا مرة أنفسَهم : وبأي حق يطردون ويحرمون ؟ أية شريعة تسمح لهم بذلك ؟ .عاشوا إيمانهم ببساطة ولم يناقشوا قرارا للسلطة الدينية. فإذا دافعوا عن ابنهم يبدون وكأنهم يؤمنون بيسوع أنه المسيح. و السلطة لم تقرر ان كان يسوعُ فعلا المسيح أم لا. وان كانت أعماله تدفع إلى الأيمان بأنه فعلا المسيح المنتظر. فبحث الوالدان أيضا عن سبيل يتملصون به عن مسؤولية الأيمان بالحقيقة الساطعة ، الفاقعة للعيون.

أهم شيء عندهم الآن هو أن يحافظوا على كرامتهم الاجتماعية ويصونوا شيبتهم فلا تشَّـوه بوصمة عار. أما الحق فاللـه أولى بأن يتكفل إظهاره. لم يسألوا أيهما أهم : إرادة اللـه والمعجزة تشير إليها ، أم نظام البشر والفريسيون يهددون المخالفين له؟؟. خافوا من البشر، والقوا مسؤولية الأيمان بيسوع على ابنهم قائلين :” انه بالغ الرشد، يجيبكم عن نفسه” (آية 22). خافوا البشر ولم يفكروا ان يخافوا من اللـه (أع4: 19-20) وبماذا سيجيبونه ؟. انه موقفٌ مخز ٍ حذ َّرَ منه الرب بقوله:” ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام أبي الذي في السماوات”؟. فمن يراعي البشر ويفضل المجد الآتي من الناس لن يكون له نصيب في المجد الآتي من اللـه (يو12: 43).

3. الفريسّـيون

غريبٌ أمرُ هؤلاء الفريّسيين!. لماذا يناصبون يسوعَ العِداء ؟. لماذا يرفضون أن يعترفوا به مسيحًأ ؟. ألا يقرأون الكتب يوميا ؟ أوَليست آياته منقوشة ً على مداخل المدن ، ومكتوبة على قوائم الأبواب ، وعصائب بين العيون

تث 6: 7-9)؟؟. أ لم يقـُلْ اشعيا أنَّ مرسَلَ اللـه سيُجري الآيات ، وأنْ على يده ، ” العميُ يُبصرون، والمُقعَدون يمشون ، والبرصُ يبرأون، والصمُ يسمعون، والموتى يقومون ..”(اش29: 18؛ 35: 5)؟. أما هذا الذي فعله يسوع (متى 11: 5؛ 15: 30)؟. أ لم يقولوا أنهم تلاميذ موسى ، ويفتخرون به ؟ أ لم يضعوا رجاءَهم في موسى ؟ لماذا لا يصَّدقون موسى ؟. أ ما أخبرَهم عنه (تث18: 15؛ يو5: 45-47)؟. أم أقاموا لأنفسهم، بحجة موسى وباسمه، شريعة خاصّة بهم تبررُ أفعالهم، وتعليما لا يتنازلون عنه قيد أنملة لأحد حتى ولا لموسى نفسه ؟. وقد فضحهم يسوع على ذلك :” ما أقدركم على نقض وصية اللـه لتقيموا سُّـنتكم “(مر7: 9، 13)؟. وكم يناقضون شريعتهم فيحُّلون حيواناتهم ويذهبون بها ، يوم السبت، ليُسقوها ماءًا ؟ وإذا وقعَ أحدهم في بئر الماء ألا ينتشلونه ؟ لماذا يرفضون ليسوع أن يعملَ الخيرَ للإنسان يومَ السبت فيشفيه (متى12: 9-14؛ لو14: 1-7)؟. أم يريدون مسيحا على هواهم يُسَّـيرونه كما يشاؤون :” موسى كلمه اللـه، أما هذا فلا نعلم من أينَ هو “(آية 29)؟. وبأي منطق ٍ أو شريعة يستبيحون السبت لأنفسهم ويُحّرمونه على يسوع (يو7: 20-24)، في حين يعمل هو أعمال اللـه (يو5: 36؛ 8: 28-29) بينما هم يعملون أعمال أبيهم إبليس أبو الكذب ” (يو8: 41-44).

انه صراعٌ دنيءٌ مرعب يقودونه ضد يسوع من أجل الحفاظ على مناصبهم وامتيازاتهم. فـ ” الدِيرة ،كما يقول رؤساءُ العشائر، لا تسعُ لشيخين : اما الفريسيون وأتباعهم، أو يسوع وأتباعه “. أما هذا هو ما عنى به رئيسُ الأحبار عندما صَّرحَ :” هذا الرجل يأتي بآياتٍ كثيرة. فإذا تركناه وشأنه آمن به كلُ الناس… وعزموا من ذلك اليوم على قتله “)

يو11: 46-53). والفريسيون قدوة الشعب ومعلموه في معرفة الشريعة وتفسيرها وتطبيقها. لقد رسموا في ذهنهم للمسيح صورة ً كما يريدونه أن يكون، وكما يُصَّرفُ لهم!. ” هذا لا نعلم من أين هو. ولا يقومُ نبي كمن الجليل (يو7: 52-53). يفتخرون بأنهم يمتلكون ناصية المعرفة ولكنهم ليسوا الا ” جهلاء وقادة عميان..لا هم يدخلون الحياة ولا الداخلين اليها يدعونهم يدخلون “(متى15: 14؛ 23: 13-16؛ لو11: 52). لقد رفض الفريسيون ان يتعَّرفوا على يسوع ، ويتعَّرفوا منه على الحقيقة. لقد اقتنعوا بأنفسهم وآرائهم وتصرفاتهم رافضين أن يكون شيءٌ أفضل منها أو حتى ولا مساويا لها. رأيُهم هو الحق. سلوكهم هو الحق. قرارهم هو الحق. يعتقدون أنهم وحدَهم ” يُبصرون “!. فلم يقدروا ان يبصروا أعمال يسوع على حقيقتها. رأوها فقط من خلف ستارة الشريعة وتحت ضوء مشاعلهم. لذا فانَّ تحّديَ يسوع لهم وتفــّوقـَه عليهم أغاظهم وأعمى عيون فكرهم فلم يبصروا، من خلال أعماله، لاهوته المختفي وراء مظهره الإنساني.

4. الأعمــى نفسُه

لم يكن في الساحة سوى واحدٍ رأى يسوع بعيون الأيمان والعقل السليم ،فعرف أن يكتشف هويته الأصلية ، نتيجة سلوكه وأعماله، انه نبي !. لقد فكرَّ وتأملَّ في ما حدث له. ان ما عمله لا يقوى عليه إنسان اعتيادي. لابد وهناك تدخل الهي، بشكل أو بآخر. هذا ما يقوله الكتاب والتأريخ:” نحن نعلم انَّ اللـه لا يستجيبُ للخاطئين… ولم يُسمع يومًا أنَّ أحدا من الناس فتح عيني أعمى. فلو لم يكن هذا الرجلُ من الله ، لما استطاعَ أن أن يعملَ شيئا ” )

آية 31-33). اذن هو رجلٌ من اللـه. واذا كان يتصرف بسلطان فهذا يعني أنه ” روحٌ الهي”. ولذا لم يتأخر عن إعلان إيمانه به والسجود له ، اعترافا منه بأنه اللـه!. لم يُهمه تأنيبُ الفريسيين له ولا تهّكمُهم، ولا قـَّيَمَ ادعاءَهم الفارغ بأنه خاطئ، ولا اهتم حتى بتهديدهم بل وعزلهم له عن الجماعة. فأن يسمع من الذي شفاه وأن يتبعَه ، أحَّـقُ بكثير وأجدر من أنْ يتبعَ شريعة ً بلا روح !.

5. والنتـيجة !

ويطرَحُ السؤال هنا نفسَه علينا ، نحن قراء كلمة اللـه والسامعون لها بعد ألفي سنة. ما رأينا عما تعَّـلمناه وما موقف كل واحد منا من يسوع المسيح ؟. من هو يسوع بالنسبة اليَّ ؟ واليكما ؟ واليه ؟ واليها ؟ والى مجتمعاتنا وتكتـُلاتِنا ؟. هل نشـُّك في لاهوته كما شكَّ الجيران بالأعمى ؟ هل نتمَّلصُ مثلهم من مسؤولية البحث عن الحقيقة ، والاعتراف بها وأتباعها ؟. أم هل نخافُ من العالم وأهله فنخفيَ إيماننا ولا نجاهرُ به لئلا يؤذينا الناسُ الأشرار؟. هل نطيعُ اللـه ونتحملُ مسؤولية أيماننا ونقبل حتى الاضطهاد والإهانة كالرسل (

أع4: 16)، أم نتملص من قول الحق مثل والدي الأعمى رافضين المعاناة بسبب المسيح وكارهين أن نتمم آلام المسيح في أجسادنا (كو1: 24)؟. أم هل نرفع مع الفريسي سيف التهديد ضد الأيمان باللـه ونحاربُ يسوعَ وتعليمه ، لأنه يُخرجنا من حياة الدنيا ويريدُ أن يرفعَنا عن الأرضيات ، ونحن لسنا مقتنعين كثيرا بالسماويات ولا رجاءَ لنا بحياة لا نراها ؟. هل نتقـوقعُ في أفكارنا وقناعاتِنا ومواقفنا رافضين كل أشكال التغيير، حتى لو جاءَ من السماء ؟. أم نريدُ أن ونطلبُ تغييرَ كل شيء انما حسب ذوقنا ومنفعتنا ، ضاربين الحق عرض الحائط ؟؟.

وهذه الأسئلة توّلد غيرها : ترى هل نحن نبصرُ حقيقة يسوع ، أم قد رسمنا نحن أيضا صورة ليسوع في فكرنا حسب رؤيتنا ورغبتنا تتماشى مع مصالحنا لنبرر مواقفَ خاطئة ، ونرفضُ تغييرَ تلك الصورة ؟. ومن اين اقتبسنا تلك الصورة ليسوع ، من الإنجيل أم من دساتير أهل العالم وأنظمتهم السياسية؟. ومن رسمها في ذهننا و وجداننا ، الكنيسة أم تقاليدنا وتراثنا الدنيوي وبيئتنا الوثنية وجيراننا من الشعوب غير المسيحية ؟. هل نسلكُ فعلا درب يسوع أم قد ” عميت ” ، مثل الفريسيين ، عيون فكرنا وضميرنا فأصبحنا نتيه في الضلال والأخطاء رغم تمَّسُكنا الظاهري بشريعة المسيح ؟. كم مرةٍ ومرة حكمنا على آراء الآخرين وشجبناها انطلاقا من أنفسنا وليس من تعليم الإنجيل ؟. وكم مرةٍ ومرة رفضنا الانصياع حتى الى الكنيسة وهي تقدم لنا تعليم اللـه وتفسر لنا مشيئته ؟. وكم مرة ومرة عاندنا على تعليم وموقف ادعيناه مسيحيا مطابقا للوحي الإلهي ؟. من اين نستقي ثقتنا بأنفسنا بفهم معاني الإنجيل : من تفسيرنا الشخصي لآطلاعنا الواسع والعميق على الكتاب ، أم استنادا الى تفسير الكنيسة وتأويلها وتأوينها للنص ، والمسيحُ وعد العصمة للكنيسة بينما حذ ّر من الأرواح الشريرة التي تغوي الأفراد)

1يو 4: 1)؟. كم واحد منا يعتبرُ رأيه فوق رأي الكنيسة ويتهمها بالتخلف ويرفض أن يسمع منها مدعيا أنها ” أخطأت ” وأساءت التصرف ؟. بينما نعرف أن يسوع قد أوصى بأن نصغي الى الرسل ، المعلمين والقادة ، ونتبع إرشادهم مؤكدا أنَّ ” من سمع منكم فقد سمع مني. ومن رفضكم فقد رفضني، و رفض الذي أرسلني ” (يو13: 20؛ متى10: 40)

القس بول ربان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO