عيد إنتقال العذراء مريم

عيد إنتقال العذراء مريم

تُعظّمُ نفسي الربَّ (لو  1: 46 – 56)

يُحكى عن أنَّ ربّنا يسوع المسيح دعى بطرس وقالَ له: “تجولّتُ اليومَ في الفردوسِ ورأيتُ أن كثيراً من الموجودين َفيه ليسوا مؤهلينَ ليكونوا هُناكَ، فكيفَ سمحتَ لهم بالدخولِ؟ ومَن أعطاكَ الأذنَ لتُدِخل مثل هؤلاء الخطأة الذين لم يُظهروا توبةً حقيقيةً في حياتهم؟

فأجابَ بُطرس وقال: ” يا ربُّ، ماذا نفعلُ؟ كلّما أغلقنا بابَ الفردوسِ أمامهم، فتحت أُمكَ مريمُ الشُباكَ لهم؟

نحتفل اليوم بعيد إنتقال العذراء مريم إلى السماء بالنفس والجسد. عيدٌ فرحٍ عظيمٍ لأن السماء اليوم تستقبلُ أُمنّا مريم، إستقبال الملائكة لهذه الخادمة التي وضعتَ حياتها كلّها تحت تصرف الله فأعلنت منذ البدء: “ها أنا خادمةُ الربِّ فليكن لي كما تقول” (لو 1: 38). هي الإنسان الذي رضيَّ أن يسير أمام وجه الله بكلِّ تواضعٍ، ويُرافقه إلى الهيكل وفي الطُرقات، ويقف إلى جانبهِ في ألمه، ويستقبلهُ بحبٍ طفلاً كان أم مُعلّقاً على الصليب.

اليوم تستقبلُ السماء أمنّا مريم، وتستقبل معها كل الأرض، كل الناس الذين جعلوا حياتهم أرضاً خصبة تستقبل كلمة الله، وتسمحُ للكلمة بأن تُثمِّرَ فيهم، وتسير بتواضعٍ أمام وجّه الله الذي أراد أن يرفعهم جدّاً، وهكذا تتواصل إنشودة التعظيم عبر الأجيال كلّها. فنحن اليومَ لا نُكرمُ مريمَ فحسب، بل نشكرُ الله على أنه اختارَ مريم، وخصّها بكلمته، وأنعمَ عليها بروحهِ لتكونَ أم الكنيسة. الكنيسة التي كانت مريم تُصلي معها منذ البدء لتواصل رسالة الخلاص.

فأجمل هدية نقدمها لأمنا مريم هو إستعدادنا لنقبلها في حياتنا أماً لأن ربّنا يسوع أرادها لنا أماً: “هذه أُمُّكَ” فأخذها التلميذ إلى بيته من تلك الساعة (يو 19: 27). لكنّي أسأل اليوم: مَن منّا يُريد أن يأخذ مريم إلى بيته؟ مَن منّا له الشجاعة لأن يجعل مريم أُمَّ بيته؟ لربّما يتحمّس كثيرون بل يشكرون الله على هذه الهدية ِالعظيمة: أن تكونَ مريمُ في بيتنا. ولكن يتراجعون أمام مطلبِ أمّنا مريم حينما تدخل بيوتنا؟، فهي ستُشيرُ إلينا وتوجهنا إلى إبنها ربّنا يسوع المسيح قائلةً: “إعملوا ما يأمركم به” (يو 2: 5)، والحالَ أن بيوتنا ليست مثلما يُريدها ربّنا يسوع المسيح، وكثيرٌ منها يعوزها الفرح المسيحي، وغابَ عنها حضورُ الله وحضرَّ فيها كلُّ شيءٍ إلا يسوع المسيح. لذا، لن نجدِ الكثير منّا متحمساً ليأخذ مريم إلى بيتهِ، بل سيُفضّل أن يُصلي لها هنا.

ولكنّ لنتشجّع ولا نخف، فمريمُ هي أمُنا، وهي تسعى للبحثّ عنّا حتى لو تُهنا أو أضعنا الطريق، وعندما تعرِف أن الفرحَ المسيحي يعوزنا تُشيرُ إلى إبنها ليأتي خلاصاً إلينا. ففي حاجتنا: ليس عندهم خمرٌ … أي ليس عندهم إمكانية الفرح … في هذه الحاجة تلتفت إلينا مريم، وتعرف حاجتنا، وتدلّنا دوماً إلى الطريق: “إفعلوا ما يأمركُم به” … والتجاوب معه يطلّب منّا قلباً ليناً يعرف أن يؤمن ويسير الطريق من دون خوفٍ. قلبٌ يثق بالله ويجعل من حياته ساحة خدمةٍ وشهادة تبشيرٍ وستُساعدنا مريمُ في ذلكَ.

يروي لنا آباؤنا الروحيونَ أن الله كلّفَ الملائكة بحملِ طلباتِ الناس إلى المعنيين: مريم العذراء، القديسين، وكانت الطلباتُ التي تصل إلى أمنا مريمُ العذراء كثيرةٌ جداً، ورأى الملائكة أن البشرَ أنانيونُ في الطلبات: بعضهم يطلب مساعدة مريم في إيجاد عملٍ، والآخر للنجاح في إمتحان، والآخر سفرٍ إلى بلادِ إستقرار … ولكنَّ مريم كانت تأمرهم: “إذهب ونفّذ” ولا يستطيعون أن يرفضوا لمريمَ شيئاً.

وصلت رسالةُ من أحد الناس يقول فيها: “يا أمي مريم ساعديني لكي أكونَ مثلُ إبنك يسوع المسيح وأتشبّهَ به”! فقالَ لها ملاكٌ كانَ واقفاً عن قُربٍ: هل تأمريني بتنفيذ الطلبِ له! فدمعَت عيناي أمنا مريم وقبّلت الرسالةَ وقال: “سأقومُ أنا بنفسي بتنفيذ هذا الطلبِ”.

نعم، مثلما رافقت أمنا مريمُ إبنها ربّنا يسوع والمسيح، وكانت مع الكنيسة الأولى، وبقيت مع كنيسة إبنها، ستُرافقنا اليومَ أيضاً إن ثبتنا لها أبناءً وبناتٍ مُخلصينَ. نحملُ مسبحتها، نُصلي لها، نسمعُ لما يقوله لنا ربّنا يسوع المسيح، ونعملُ بهِ.

يا مريمُ أمنا، نأتيكِ اليوم بأجرانٍ فارغةٍ، قوينا لنقبلَ كلمةُ سيّدنا وربّنا يسوع المسيح، ليُغيّر حياتنا، ويجعلها ترتيلةَ فرحٍ وتسبيح لله الذي بارككِ ودعاكِ اليومَ لتُبهجي السماءَ والأرضَ.

المطران بشار متي وردة

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO