تجلي يسوع

تجلي يسوع

الحدث الذي نحتفل به اليوم، أي تجلي المسيح، مفصلي في الانجيل. قبله وفيه وبعده الجو ألم وقيامة. بعد اعتراف بطرس ببنوة يسوع لله “ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه انه ينبغي ان يذهب الى اورشليم ويتألم كثيراً… ويُقتل وفي اليوم الثالث يقوم” (متى 16: 21).

اعتراف بطرس كان في نواحي قيصرية فيليبس التي هي في التسمية الحالية بانياس الواقعة عند سفح حرمون أو جبل الشيخ. بعد ستة أيام من هذا الاعتراف أخذ السيد بطرس ويعقوب ويوحنا وكانوا المقربين الى جبل عالٍ. يقول التراث إنه ثابور في الجليل ولكن ثابور ليس بجبل عال. لذلك يميل بعض العلماء الى القول إن السيد لم يترك نواحي بانياس وتم التجلي على جبل الشيخ. هذا لا أهمية له على صعيد العقيدة. هناك تجلى أو تغيرت هيئته كما يقول في اليونانية. ماذا يعني أن اضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالثلج؟ هنا تأتي عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية في قراءتها للنص أن هذا أن كان في وضح النهار لم يكن نور الشمس وهذا هو هو وليس فيه اعجوبة ليذكر لكنه نور الألوهة الذي كان يسوع يخفيه في جسده وسطع ليكون كلاماً مسبقاً عن قيامته. وهو إذاً نوع من التنبؤ عن حوادث الخلاص.

تواً بعد هذا نرى موسى وايليا قد ظهرا وتكلما معه. وحده لوقا يقول: “ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في أورشليم”. والخروج مصطلح يعني الآلام.

كما كان النبيان على الجبل ظللتهما مع يسوع سحابة نيرة وإذا قرأنا هذه الكلمة على خلفية العهد الجديد نفهم انها هي الشكينة وفي العربية السكينة التي تعني الحضرة الإلهية. ومن سحابة المجد هذه سمع صوت قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” قبل عبارة “له اسمعوا”. هذا الكلام ورد في معمودية السيد التي هي، صورةً، أستباق لآلام المخلص وقيامته. هل التجلّي لوحة عن المعمودية والصوت الذي سمع هنا هو إيّاه الذي سمع على نهر الأردن؟ هذا سؤال نقدي من حيث السرد لا أستطيع الجواب عنه. ولكن من حيث أننا نقاد نقدر أن نقول إن مضمون المعمودية ومضمون التجلي واحد وان القضية كلها من البداءة الى النهاية هي صلب المعلّم وانبعاثه من الموت واننا نحن في المعمودية نتجلى أي نكتسب هيئة جديدة كان الخالق مهيئا اياها لنا منذ الأزل.

رجوعاً الى ايليا وموسى الفكر التراثي يقول ان ايليا نموذجاً للأنبياء يأتي ليقول إن النبوءات جميعاً تتحقق في موت السيد ويقول إن موسى سينتهي ناموس الفرائض عنده إذا شاهد يسوع الناصري. هما كانا في سحابة المجد المعلن للمرّة الأولى بيسوع المسيح وما كانا قبله في المجد حسب قول الرب: “الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر” (يوحنا 1: 18). لكن عبارة “له اسمعوا” غير الواردة في رواية المعمودية تدعونا الى أن نستمع الى المسيح المتجلي أمامنا إذا نحن كنا من المصطفَين بسبب من نعمته ومن تواضعنا، المحدقين به وحده. فان ايليا وموسى والأنبياء جميعاً الذين سبقوا المعلم في الزمان ما كانوا إلا ليوصلونا إليه. نقبلهم لأنهم جاؤوا بالانسانية القديمة اليه. ونقبل الفكر المستمع ليسوع والفلسفة الخادمة له والفن الذي يكشفه بطريقة أو بأخرى. يبقى وحده ولا يلغي لأن كل حق وجلال آتٍ من تجليه. اي من سطوع هذه الألوهة التي فيه الى كل مجالات الحياة.

ايليا وموسى لم يشاهدا الله في العهد القديم. لا “يرى الله أحد ويحيا”. أن جوهر الله لا يخترقه أحد. لأنه يصير الله، إذ ذاك، في ذاته. ولكن الله نور لا بدّ من بلوغه. “فالله صار انساناً ليصير الإنسان إلها”. منذ ايريناوس في القرن الثاني قيل هذا وأكده اثناسيوس في القرن الرابع كما أكده باسيليوس وعلّمه غريغوريوس بالاماس في القرن الرابع عشر وثبته الشرق المسيحي مجمعياً.

هؤلاء قالوا بشكل أو بآخر “إن الله فيه قوى أزلية ليست هي جوهره ولكنها غير مخلوقة فلو وهبك الله قوى زمنية أي مخلوقة في الزمان لا تكون هي إياه أي لا تكون قد بلغته”. الله يمدك بأفعال له وجدت معه منذ الأزل وإذا تلقيتها ترتفع أنت الى الأزل وتصبح كأنك بلا بداءة.

إن كانت النعمة مخلوقة تكون من خارج الله أي لا تؤلهك. ما معنى ان النعمة تقدسك؟ ما معنى ان تصبح كاملاً بالقداسة ان كانت القداسة شيئاً يقذفه الله فيك ولا يكون هو من باطنه.

ان تجسد ابن الله يعني انه ردم الهوّة بين الخالق والمخلوق من غير أن يصبح الله مخلوقا ولا المخلوق خالقاً في الجوهر لكنهما يصبحان واحداً في القداسة وهما ملتقيان في الأبدية. في الحياة الأبدية المكملة بالقيامة أنت لست فقط وراء الله ولكنك في الله. تمشي فيه الى لا نهائيته ولا نهائيتك في اندماج الحب.

غير أنك لن تصل الى هذه القيامة الا بانصلابك مع المسيح حيث تتنقى من أدران هذا العالم. “من أراد ان يكون لي تلميذاً فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى” بحيث يرمي جانباً كل شهوة مفسدة وينتقي المسيح وحده. لذلك لما اختفى موسى وايليا عن الجبل لم يرَ التلاميذ إلاّ يسوع وحده.

كل واحد منا له ان يكون شبيهاً به أي صالباً خطاياه كل يوم ليقوم كل يوم. بهذا التشبه يصبح شريك المسيح أي واحداً معه في محبة لا يخالطها رياء وكأنه جالس معه عن يمين الآب.

يعايش كل الناس ويمتهن أيّة مهنة ويحب أشياء هذا العالم بلا خضوع لها لكن كل ثنية من ثنايا كيانه الداخلي مع المسيح أو من المسيح حتى يملك معه في القيامة ويصير الله الكل في الكل.

المطران جورج خضر

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO