إيليّا القاتل أم إيليّا التائب؟

عبور

إيليّا القاتل أم إيليّا التائب؟

يتبوّأ النبيّ إيليّا، الذي عيده اليوم، مركزًا مرموقًا في التراثات التوحيديّة الثلاثة، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، وله في قلوب مؤمنيها مكانة خاصّة. وهذه المكانة تتأسّس على صفات شخصيّة تحلّى بها أهمّها غيرته على الإيمان التوحيديّ، وصلابته، وأصالته، وعدم خوفه من قول الحقّ أمام طغاة عصره.

واجه النبيّ إيليّا الملك آحاب الذي انحرف عن عبادة الله وتبنّى هو وشعبه عبادة البعل. وقف إيليّا أمامه صارخًا: “حيٌّ الربّ إله إسرائيل الذي أنا واقف أمامه (…) أنا لم أقلق إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الربّ واقتفائكم البعل”. الرواية ذاتها نجدها في القرآن: “وإنّ إلياس من المرسلين إذ قال لقومه: ألا تتّقون؟ أتدعون بعلاً وتذَرون أحسن الخالقين؟ الله ربّكم وربّ آبائكم الأوّلين”. لم ينسَ إيليّا، وإن كان واقفًا أمام الملك آحاب، أنّه واقفٌ أمام الله. ومَن يدرك أنّه واقف أمام الله لا يخشى البتّة أن يقول الحقّ ولو كان “أمام سلطان جائر”. إيليّا، في مواجهته مع الملك، لا يطلب أقلّ من توبة هذا الأخير بأن يعيد العبادة لله وحده.

النبيّ إيليّا اكتشف أنّ الله لا يحبّ العنف. “فلم يكن الربّ في الريح، ولم يكن الربّ في الزلزلة، ولم يكن الربّ في النار، وبعد النار صوت نسيم لطيف”. هذه الرؤية شاء الله أن يُظهرها لإيليّا كي يريه أنّ الله ليس عنيفًا، بل لطيفٌ كالنسيم العليل. وقبل هذه الرؤية يقول إيليّا: “غيرةً غرتُ للربّ إله الجنود، لأنّ بني إسرائيل قد نبذوا عهدك، وقوّضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف، وبقيت أنا وحدي، وقد طلبوا نفسي ليأخذوها”.

من هنا، تفضّل الكنيسة الأرثوذكسيّة أن تصوّر إيليّا في أيقوناتها جالسًا في الصحراء، ومنتظرًا الغربان آتيةً إليه بالطعام من لدن الله. غير أنّ الناس يفضّلون إيليّا حاملاً السيف الذي يقطر دمًا وباترًا رؤوس كهنة البعل. يفضّلون الله العنيف وإيليّا القاتل على إيليّا التائب. الناس يريدون أن يكون الله وقدّيسيه على مستوى شهواتهم وأحقادهم، لذلك يتغافلون عن الصفات الحسنة التي تزيّن بها القدّيسون، ويبرزون بعض نقائصهم التي تراجعوا عنها بعدما كشف الله لهم ذاته ومحبّته للبشر.

وهذا الأمر لا يقتصر على النبيّ إيليّا وحده، بل يتعدّاه إلى سواه من القدّيسين. فالقدّيس جاورجيوس، قائد الجند الذي تخلّى عن سلاحه من أجل أن يشهد للمسيح وكنيسته بدمه وحياته، لا يراه المؤمنون بسوى صورة الجندي المحارب الذي يذود عنهم بالرمح والترس. ففي إبّان الغزو المغوليّ انتشرت أيقونة للقدّيس جاورجيوس في بلاد العراق تمثّله ممتطيًا حصانه وقاتلاً برمحه جنديًا مغوليًا عوضًا عن التنّين، رمز الشرّ، كما في أيقونته التقليديّة.

عوض أن يرتقي المؤمنون إلى مثال القدّيسين نراهم يجعلون القدّيسين على مثالهم. فجاورجيوس يساند مسيحيّي العراق ضدّ المغول، والقدّيس ديمتريوس يقاتل في صفوف اليونانيّين ضد الأتراك العثمانيّين… فيما نرى إيليّا يذهب إلى أرملة من “صرفت صيدا” ليساعدها، علمًا أنّ أرامل كثيرات كنّ في قومه إسرائيل. إيليّا تجاوز الحدود الجغرافيّة، فالله ليس حكرًا على قوم من دون قوم. الله لا يقاتل قومًا دفاعًا عن قوم آخر، أو أهل ديانة دفاعًا عن أهل ديانة أخرى. الله وقدّيسوه وأبراره ليسوا عنصريّين ولا طائفيّين ولا مذهبيّين. الله أكبر من أيّ هويّة يحاول البشر أن يحصروها فيها. الله أكبر.

الأب جورج مسّوح

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adian&type=adian&day=Sat

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO