مقابلة مع النائب الإقليمي عن العالم العربي ورئيس دير الآباء الدومنيكيين في بغداد

مقابلة مع النائب الإقليمي عن العالم العربي ورئيس دير الآباء الدومنيكيين في بغداد

الأب أمير ججي القس بطرس الدومنيكي

حاوره الخورأسقف بيوس قاشا

بغداد، الأربعاء 20 يوليو 2011 (ZENIT.org). – أول نائب إقليمي عربي عن العالم العربي ورئيس لدير الآباء الدومنيكيين في بغداد… الأب أمير القس بطرس… معه كانت هذه المقابلة للخورأسقف بيوس قاشا لمجلة الزنبقة.

قال في المقابلة ما يؤمن بحقيقته، آملاً أن الدنيا ستتغير مهما كان حجر القبر ثقيلاً… فكان الحديث معه كلمة وفكرة نابعة من أعماقه دون رتوش… قالها صوتاً وحقيقة… وقرر أن يقدم ذاته خدمة وتضحية… وملأ نفسه أملاً ورجاءً… مؤمناً أن الصبر قيامة ورجاء ولا غير.

الزنبقـــة: شكراً على منحك إيانا قليلاً من أعز ساعات نهارك لنحدّث قرّاءنا عن ما يجول في خاطرك عبر سؤالنا… فأبدأ وأقول: أبونا أمير… مسيرة حياتك والمراحل المهمة فيها!.

الأب أمير:أنت تعلم جيداً أبونا الخوري أنا من مواليد قره قوش في 22/6/1969، وفيها بدأتُ دراستي الإبتدائية ثم مرحلة المتوسطة وبعدها الإعدادية حتى عام 1989 حيث بدأتُ مرحلة جديدة في دراسة الفلسفة واللاهوت في معهد الدورة للكلدان. ارتُسمتُ كاهناً في 14/7/1995 على يد المطران المثلث الرحمات عمانوئيل بني. وفي معهد الدورة للكلدان، نمت في قلبي حب الدعوة الرهبانية وبالخصوص الإتجاه نحو الرهبنة الدومنيكية، ولم أستطع أن أجاهر بذلك خوفاً من بعض الحزازيات في سلوك الدعوات في المعهد أو السمنير ولاعتبارات رئاسية.

نعم، اتصلتُ بالآباء الدومنيكيين وطلبوا مني أن أواصل الدراسة حتى يوم رسامتي، بعدها فاتحتُ مطران أبرشيتي عمانوئيل بني وكان جداً متفاهم معي للإنتماء إلى الرهبنة الدومنيكية، ولكن طُلب مني أولاً أن أخدم رعية في الأبرشية مدة ثلاث سنوات، فعُيّنتُ في برطلة، وفي هذه الفترة حصلتُ على غنى رعوي كبير وخبرة جزيلة. وفي عام 1998 تركتُ العراق وسافرتُ إلى باريس. في 20/6/1998 دخلتُ الدير في ستراسبورغ وابتدأتُ سنة الإبتداء من أيلول 1998 وحتى أيلول 1999، ثم في 13/9/1999 أعلنتُ نذوري البسيطة ثم عام 2002 أبرزتُ نذوري المؤبدة. خلال هذه الفترة قضيتُ سنة في مدينة ليل، وعدتُ إلى مدينة ستراسبورغ حيث أكملتُ دراستي وتخصصتُ لنيل درجة الماجستير، وكان موضوع أطروحتي “مفهوم مكانة المرأة في الكنيسة الشرقية وتاريخ الأديان، ومكانة مريم العذراء في الفكر الإسلامي”، أما أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه فكان عنوانها “مفهوم الألم الخلاصي عند الشيعة” والتي ناقشتُها في 30/9/2010. وحالياً أنا في دير بغداد، حيث انتُخبتُ رئيساً للدير مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد من تشرين الثاني 2010. وفي كانون الثاني 2011 تمّ تعييني نائباً إقليمياً عن العالم العربي ويشمل دول العراق وسوريا ولبنان ومصر والجزائر… وبهذا أكون أول كاهن وراهب عربي وأخ دومنيكي يُعيَّن في هذا المنصب.

الزنبقـــة:رسالتكم في العراق حالياً؟.

الأب أمير:أنت تعلم جيداً يا أبانا الخوري أن رسالة الآباء الدومنيكيين أو الأخوة أو الآباء الواعظين هي رسالة كلمة، أي وعظ وإلقاء محاضرات في إتجاه لاهوتي وتثقيفي وروحي، إضافة إلى عملنا الرعوي في بعض الكنائس. وحالياً بإمكاني أن أقول إننا نعمل في ثلاث مجالات:

– المجال الأول: هو مواصلة إصدار مجلة الفكر المسيحي… والمجلة معروفة من الجميع، فهناك الأب يوسف توما وآباء آخرون يعملون على تحريرها وإدارتها وإيصالها إلى المشتركين، وكلهم يعملون كخلية نحل لتكون المجلة في موعدها.

– المجال الثاني: الجامعة المفتوحة… الحقيقة إننا ننظر إلى بناء الإنسان في المجالات العديدة وبالخصوص في مجال العلوم الإنسانية حيث هدف جامعتنا. فإننا نعمل على أن يكتمل البناء وتكون الجامعة مدينة العلم لجميع شرائح المجتمع دون النظر إلى قوميتهم وديانتهم… وهمّنا الوحيد من هذه الجامعة هو أن يعمل الآباء على إعادة بناء هيكلية الإنسان العراقي. وإننا حالياً في صدد الإعداد للمجلس العلمي إضافة إلى تشكيلة المجلس الإداري، كي نستطيع أن نبدأ بداية موفّقة ومدروسة. والحمد لله فهناك الكثير من الآباء حاصلين على شهادة دكتوراه، وآخرون يتهيأون للحصول عليها.

– أما المجال الثالث: فهو المجال الرعوي، حيث يقوم العديد من الإخوة الآباء بإلقاء المواعظ وإبداء الخدمات الكنسية ومساعدة كهنة الرعايا في العديد من النشاطات وفي العديد من دور العيادة والأديرة… وحالياً لنا في قره قوش دير الإبتداء ويديره الأب سمير، أما الأب نجيب فيعمل حالياً في مشروع أساسي وحيوي ألا وهو ترتيب وتنظيم أرشيف المخطوطات الكنسية… هذا التراث الإيماني الذي يجب أن نحتفظ به.

الزنبقـــة:أبانا أمير، سؤال شخصي… أرجو الإجابة إنْ كان بالإمكان بكل صراحة… أنتَ مشغول طوال النهار بحكم مركزك ورسالتك، هل تقرأ الإنجيل يومياً؟… كيف تقضي نهارك… قداسك… تأملك؟.

الأب أمير:الإنجيل هو غذائي الروحي… نعم، مشاغلي كثيرة ولكني أحاول أن أؤمّن لي يومياً وقتاً أكرّسه للدخول في أعماقي، للتأمل، للصلاة، لفحص الضمير، للقراءة، إذ لا يمكن أن يكون هناك غنى روحي، ولا يمكن أن أقطف ثماراً روحية، إذا لا أخصص دائماً وقتاً لقراءة الإنجيل، للمطالعة الروحية، فأنا أثمن وقت لي هو بعد الثامنة ليلاً وحتى الحادية عشرة، وهذا مخصص لكل هذه الفعاليات الروحية.

الزنبقـــة:بعد حادثة سيدة النجاة… لعبتم دوراً في نقل الجرحى للعلاج إلى فرنسا وإيطاليا، ثم بعد ذلك قدّمتم خدمات إنسانية جليلة… واليوم _ حسب علمي _ إن أهالي الشهداء والجرحى ربما هم خارج القطر… لا أعلم!، ولكن أرجو توضيح ذلك؟.

الأب أمير:هذا موضوع مثير ومؤلم، سأتكلم عن جانبين:

أولاً: عن الجانب الشخصي، كان لي علاقة مع المرحومين الأبوين ثائر ووسيم، وكون الأب وسيم أحد أقاربي ومن عشيرتي، فقبل ثلاثة ايام من الحادثة كانا الأبوان مدعوَّيْن إلى تناول الغذاء في الدير، وطُلب مني أن أقيم الذبيحة الإلهية في كنيسة سيدة النجاة مساء ذلك الأحد، 31/10/2010، ولكوني كنتُ مرهقاً من السفر، طلبتُ إليهم أن نحدّد موعداً آخر، بعدها سافرتُ إلى قره قوش، وهناك سمعتُ بالكارثة، وكانت لي صدمة وصدمة قوية وكأن جبلاً وانهار، وبدأتُ أتساءل في داخلي: هل هناك جدوى من العمل في العراق بعد الذي حصل؟، وبدأ الإيمان يتزعزع. تركتُ قره قوش ولحقتُ ببغداد وحال وصولي ذهبتُ لزيارة الكنيسة، هناك سمعتُ أصوات واستغاثات الآباء والأمهات، – وهنا اهنئك ابونا بيوس إذ كنت المقتحم الاول وعرفتُ انك عددتَ جثث الضحايا – ثم توجهتُ إلى زيارة المستشفيات، وهناك رأيتُ اليأس أمام عيني قائلاً: أنا الذي كرّستُ نفسي لخدمة الناس، هل يجوز هذا؟… وبدأتُ أفكر. كانت في البداية إرسال الجرحى إلى الخارج للعلاج، وخاصة بعد أن قدّمت فرنسا نداءً لقبولهم في مستشفاهم للعلاج فقط وبدون فترة محدودة. ومَن يكون في هذه الحالة، فالقانون الفرنسي يسمح إذا كان أحد في وضع اضطهاد أن يطلب اللجوء… ولكن هناك الكثير تلقوا العلاج وعادوا إلى البلد، وهناك كثير منهم أصابتهم حالة نفسية مؤلمة فهؤلاء يحتاجون إلى علاج نفسي أيضاً لمساعدتهم، وفي هذا كله أنا شخصياً ضد الهجرة ولا أشجع على ذلك، رغم أنه هناك لكل حالة حديث. فمعاناة الناس كبيرة، ومعالجتهم هو أن أعمل على إعادة توازنهم الإنساني والنفسي كإنسان.

الزنبقـــة:ولكن في العراق فُجِّرت دور عبادة كثيرة!.

الأب أمير:صحيح، نحن نتألم لكل هذه التفجيرات فهي تدمير الإنسان، والذين سقطوا ضحايا ما هم إلا أبرياء ونتمنى الرحمة لهم من عند الله… وأما نحن المسيحيين، فلكوننا أقلية صغيرة وأعدادنا معروفة، فهذا ما يؤثر علينا وعلى وجودنا. فهناك حوالي خمسين شخصاً من الضحايا إضافة إلى سبعين من الجرحى، وهذا عدد كبير يجعلنا أن نقول: ما هو مستقبلنا؟… فلا يمكن أن تقاس الأمور إلا أحياناً إنفراداً وأحياناً جماعةً.

الزنبقـــة:نظرتك لوضعنا الكنسي الحالي؟.

الأب أمير:أملي ورجائي من أجل مستقبل وطني، كونه بلدي ووطني، ولا يمكن أن يُمحى اسم العراق من ذاكرتي. ومع ذلك فأنا جداً متألم لحالة كنيستنا، حالة التشرذم الموجود والقاسي علينا. أكيد الواقع السياسي والفساد الإداري له تأثيرات، ولكن هذا الشيء قد إستشرى في جسم الكنيسة.

أمنيتي أن تتوحد الأقلية، ولا داعي لإنقسامات أو التفكير بالمصلحة الخاصة… إذ كل طائفة تتعامل لنفسها ولوحدها، وهذا جداً مؤلم. وعلى رؤسائنا وتسلسلاتهم أن يعيدوا حساباتهم بالعموم، وتكون هناك كلمة موحّدة من أجل الحوار… فكما هناك حوار ما بين الديانات المختلفة، يجب أن يكون أيضاً حوار بين الكنائس المختلفة. ورغم هذا الألم فأنا شخصياً لا يمنعني شيء أن أعمل في هذا المضمار، وأعمل كمسؤول وكأخ وككاهن، لكي نكون علامة لوحدة الكنيسة. فنحن في الرهبنة نمثّل مسكونية واحدة، فلنا أخوة كاثوليك من الكلدان والسريان، ولنا من الآثوريين والأرثوذكس ومن كل الطوائف، وهذا دليل على إمكانية وحدة الكلمة ووحدة الصلاة، ثم يكون الإنسجام كعائلة واحدة. بينما حين يعمل كل واحد لنفسه، ويكون كلٌّ في عالمه، فتلك ما هي إلاّ حالة التشرذم، وهي حالة مخيفة بسبب نقص الحكمة، ويا للأسف!!!.

لذا يجب أن يكون رؤساؤنا عند مسؤولياتهم، إذ كلنا نعمل كخدّام للمسيح دون النظر إلى النتيجة التي تكون لصالحنا بل لصالح خير الكنيسة العام. فعملنا خدمي هو، أي في مجال خدمة الآخر، هو الذي ينقذنا، ولا يجوز أن نضيّع وقتنا في تفتفات الحياة، فتلك حالة الهدم والتسلّط. ولننظر إلى معاناة شعبنا ومؤمنينا، ربما نراهم في جانب، ونحن الرؤساء في جانب آخر وكأنهما عالمَيْن متاقضَيْن… أدعو أن يُبذَل جهد كثير من أجل خدمة أبنائنا، ولا يجوز النظر إلى التفاهات بل أن ننظر إلى مساعدة الجميع، وفي مثل هذه الحالة سنكون على الطريق الصحيح في الحوار والمحبة.

فحينما تكون الكنيسة أو الرعية نشطة وفعّالة، فهذا يعطي أملاً للمسيحي كي يبقى. ولكن حينما يشعر المؤمن أن الكنيسة بعيدة عنه أخاف أن تحصل له حالة فقدان الأمل والرجاء… ورسالتنا نحن أن نزرع في قلوب المؤمنين هذا الرجاء والأمل. وهذه قضية ليست بالبسيطة، بل تحتاج إلى نفوس مسامِحَة ومُحِبّة. والرب يسوع علّمنا المحبة، والمحبة ليست في الأقوال والكلام، بل المحبة هو ما نحياه… وهكذا الغفران والمسامحة.

ما الفائدة أن نحفظ الضعينة والحقد في قلوبنا، ونوصي بها الآخرين ولا نوصي بها أنفسنا… فالكنيسة أمّنا وهي تجمعنا، وإنشاء الله ستكون نعمة الروح القدس فاعلة بيننا، إذا تعلّمنا كيف نصغي، وليس كيف نضع شروطنا وقراراتنا.

الزنبقـــة:ماذا تقول لأبناء شعبنا المسيحي؟.

الأب أمير:الصبر فضيلة مهمة في حياتنا، رغم أن هناك صعوبات كثيرة تزعزع إيماننا، فما علينا إلا أن نحارب اليأس بالصبر، كون اليأس هو الخطر الحقيقي المحدق فينا، وهو التجربة الحقيقية التي تواجه كل إنسان، وهذه التجربة تقودنا إلى التشكيك بإيماننا أو بمستقبلنا… فالصبر هو قوة من الإيمان المعاش، وهو يدلّ على قوة إحتمالنا… لذا علينا أن نعمل على توعية الناس، فمهما كانت الصعوبات قاسية يجب أن يكون الصبر هو مفتاح حياتنا… فالصبر والرجاء ولا شيء آخر.

الزنبقـــة:كلمة ختام!!!.

الأب أمير:أقول لأبناء شعبنا، إن الصبر هو الأمل بالمستقبل. والرجاء والأمل حالة صعبة من دون الإيمان… فلنؤمن بأن القيامة مهما بعدت فستكون لا محالة، كون الصبر هو رجاؤنا… وشكراً جزيلاً.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO