معنى تكريس الشباب لقلب يسوع

معنى تكريس الشباب لقلب يسوع

من أجل اليوم العالمي للشبيبة في مدريد

حاضرة الفاتيكان، الجمعة 15 يوليو 2011 (ZENIT.org).- سيكرّسُ البابا بندكتس السادس عشر جميع الشباب لقلب يسوع الأقدس خلال سهرة السبت 20 أغسطس في مطار كواترو فينتي في مدريد بمناسبة اليوم العالمي للشبيبة.

ننشرُ فيما يلي التعليم الذي أعدّه منظّمو اليوم العالمي للشبيبة (http://www.madrid11.com) بهذه المناسبة.

* * *

هدفُ هذا التعليم مساعدةُ الشباب على الاستعداد للتكريس لقلب يسوع الأقدس، والذي سيقومُ به قداسة البابا بندكتس السادس عشر بمناسبة اليوم العالمي للشبيبة. يتكونُ هذا التكريس من ثلاثة أقسام. الأول: قراءة رسالة البابا لليوم العالمي للشبيبة من منظور قلب يسوع. الثاني: تتبّع الخطوط العريضة لتأريخ عبادة قلب يسوع. الثالث: شرح سبب تكريس الشبيبة في العالم لقلب يسوع.

1- “من قلب الإنسان إلى قلب الله”

بالاختراق في أعماق قلوبنا، نجدُ أنفسنا جميعًا أمام ذات الرغبة: نريدُ أن نكون سعداء. ولكننا نتساءل أين وكيف نجدُ السعادة؟ تقولُ لنا الخبرة إنّ الإنسان يجدُ السعادة في اللحظة التي يُشبع فيها الظمأ إلى اللامتناهي الذي يحمله في داخله. هكذا يذكرنا البابا في رسالته: “خُلقَ الإنسان لما هو عظيم، من أجل اللامتناهي” (بندكتس السادس عشر، رسالة اليوم العالمي للشبيبة 2011 في مدريد).

فلنخطو خطوةً أخرى. رغبة الإنسان في اللامتناهي تتضمنُ في رغبته لأن يكون محبوبًا من قِبل حبٍّ ليس له حدود. الإجابة على هذا السؤال تأتينا من الوحي الإلهي: “الله محبة”. فقد كشفَ الله عن ذاته كحبٍ لا متناهٍ وأبدي وشخصي ورحوم، يجيبُ بالكامل على رغبات السعادة في قلب كلّ إنسان. لهذا السبب يذكّرنا البابا: “الله هو نبعُ الحياة وإلغاؤه يعني الانفصال عن هذا النبع والحرمان بصورةٍ حتمية من ملء الفرح: “الخليقة دون الخالق تفنى” (GS 36)” (رسالة لليوم العالمي للشبيبة). والدليل على هذا العديد من المحاولات في مجتمعنا لتشييد “فردوسٍ على الأرض”، على هامش الله.

 

مشكلة قلب الإنسان تُحلّ بصورةٍ نهائية فقط في اللقاء مع قلب الله. يشيرُ القدّيس أوغسطينس في هذا الصدد: “أنت صنعتنا يا ربّ من أجلك، وقلبنا لن يهدأ إلى أن يرتاح فيك”. إنّ القلق الذي يشيرُ إليه القدّيس يعودُ إلى صعوبة “الوصول” إلى الحبّ الكامل نتيجة لطبيعتنا كخلائق، فنحنُ زائلون لا بل خطأة، ونتعثرُ دومًا بحجرة أنانيتنا وبفوضى مشاعرنا التي تمنعنا من الوصول إلى هذا الحبّ الكامل. في قلب الإنسان “حاجة” لقلبٍ يكون “على مستواه” ومن جهةٍ أخرى كلّي القدرة ليسحبه خارج محدوديته وخطيئته. في يسوع المسيح، أتى الله للقائنا وأحبّنا “بقلبٍ إنساني”. وفي لقاء قلب الإنسان مع قلب يسوع تحققَ سرُّ الفداء: “من أفق حبّه اللامحدود، أراد الله الدخول في محدودية التأريخ والطبيعة الإنسانية، وأخذ جسدًا وقلبًا لكي نتأمّل ونجد اللامتناهي في المتناهي، ونجد السرّ اللامنظور الذي لا يُوصف في القلب الإنساني ليسوع الناصري” (بندكتس السادس عشر، صلاة التبشير الملائكي، 1 يونيو 2008).

إنّ الكشف النهائي لهذا الحبّ الكامل أُعطي لنا في الصليب. فمحبة الله لأجلنا وصلت إلى “حدّ” التضحية بالذات. وفي قلب يسوع المفتوح على الصليب، بضربة رمح الجندي، نجدُ أكبر إثباتٍ كمْ وكيف يحبّنا الله. نذكرُ مرةً أخرى ما يقوله البابا في رسالته: “من قلب يسوع المفتوح على الصليب تدفقت الحياة الإلهية” (رسالة اليوم العالمي للشبيبة). هكذا وعلى الصليب، حوّل يسوع “قلبنا الصخري” المجروح بالخطيئة إلى “قلبٍ من لحم” كقلبه، إذ منحنا حبّه وجعلنا قادرين لأن نحبّ بحبّه ذاته.

من قلب يسوع، الحيّ والقائم، ينبثقُ النبع الذي على الإنسان أن يستقي منه ليُشبعَ عطشه اللامتناهي للحب ولأن يكون محبوبًا. ولذلك، ففي هذا اللقاء الشخصي “من القلب إلى القلب”، حيث يعيش الإنسان “متأصلاً ومبنيًا في المسيح وثابتًا في الإيمان” (كولوسي 2، 7). تتضمنُ القداسة الدخول كاملاً في مجرى الحبّ هذا والذي ينبثقُ من قلب يسوع. “يعطينا شعارُ الكردينال نيومان: “من القلب إلى القلب” فكرةً عن طريقته في فهم الحياة المسيحية كدعوةٍ إلى القداسة، والتي تُعاش كرغبةٍ عميقة في قلب الإنسان للدخول في شركةٍ حميمية مع قلب الله” (بندكتس السادس عشر، موعظة بمناسبة تطويب الكردينال نيومان).

2- “هذا هو القلب الذي أحبّ البشر كثيرًا”

على مدى الأجيال، تعمّقت الكنيسة في معنى العبادة لقلب يسوع الأقدس. ووجد العديدُ من الرجال والنساء في التأمّل في صورة ذلك الذي ثُقِبَ طريقًا مناسبًا للسير مع المسيح والوصول إلى ملء القداسة.

من بين هؤلاء نذكر خاصّةً القدّيسة مارغريتا ماريا دي الوك (1647-1690)، من رهبنة الزيارة في بريليمونيال، والتي ظهر لها يسوع في الاوخارستيا وكشف لها عن سرّ قلبه: “هذا هو القلب الذي أحبّ البشر كثيرًا والذي لا يتلقى سوى الاهانات والتذمّر”. خلال حياتها، علّمت القديسة مارغريتا محبّة قلب يسوع، وكانت ترافقه في الاوخارستيا من خلال الساعة المقدسة، وتتكرّس له بالقيام بأعمال المحبة للصغار وإصلاح الخطأة. وانتشرت أيضًا عبادة أول جمعة من الشهر بالاعتراف والتناول لإصلاح الخطأة. أُعلِنت مارغريتا طوباوية عام 1864 من قِبل الطوباوي بيوس التاسع ثمّ قدّيسة عام 1920 من قبل البابا بندكتس الخامس عشر، ويقع ذكراها في 16 اكتوبر.

فضلاً عن هذه القديسة نذكرُ القدّيس كلاوديو دي لا كولومبيير (1641-1682)، الذي كان المرشد الروحي للقدّيس مرغريتا ماريا. وسيقومُ هذا القدّيس فيما بعد بنشر رسالة حبّ قلب المسيح في الأماكن النائية، وبفضله اهتمّت رهبنة اليسوعيين بنشر عبادة قلب يسوع.

كان صدى هذه الظهورات في حياة الكنيسة قويًّا لدرجة أن الطوباوي بيوس التاسع أسس عام 1856 عيد قلب يسوع الأقدس لتحتفل به الكنيسة جمعاء، وفي عام 1899 كرّس البابا ليون الثالث عشر الإنسانية للقلب الأقدس. وفي هذا الوقت ولدت المئاتُ من الرهبانيات المكرّسة لتعليم الشباب ومساندة العجز والمرضى وللإرساليات وجميعهم اتّخذوا من روحانية قلب يسوع أساسًا لهم. وخلال القرن العشرين، دعا البابوات باستمرار للالتجاء إلى قلب يسوع الأقدس كـ”مرشدٍ أساسي ورمزٍ للحبّ الكامل الذي أحبّ به المخلّصُ الإلهي الآبَ الأزلي وجميعَ البشر” (بيوس الثاني عشر، Haurietis Aquas).

إنّ التأمّل في قلب يسوع اليوم يجعلُ الكنيسة تثمرُ مساراتٍ جديدة من القداسة وتعطي ذاتها لأناس عصرنا المحتاجين إلى الرحمة الإلهية كإعلانٍ للرجاء لكي “على الأنقاض المتراكمة من الكراهية والعنف، تُبنى حضارة الحبّ، ملكوت قلب المسيح” (يوحنّا بولس الثاني، رسالة إلى الرئيس العام لجمعية يسوع، الأب بيتر كولفينباج، 5 أكتوبر 1986).

3- التكرّس لقلب يسوع للبقاء “متأصّلين ومبنيين فيه وثابتين في الإيمان” (كولوسي 2، 7)

التكرّس لقلب يسوع فعلٌ نريدُ من خلاله نحنُ شباب العالم بقيادة الأب الأقدس، أن نوجّه نظرنا بثقة إلى يسوع المسيح لكي يساعدنا على العيش متأصّلين ومبنيين فيه وثابتين في الإيمان” (كولوسي 2، 7).

 

هذا يعني أن نعيش في داخلنا خبرة التلميذ المحبوب الذي تأمّل قلبَ يسوع المفتوح على الصليب وآمن بحبّه وصار شاهدًا له”. “والذي عاين شهدَ” (يوحنّا 19، 35).

لهذا السبب فهو قبل كلّ شيء فعلُ إيمان: إنّ دعوة قداسة البابا للتكرّس لقلب يسوع هي دعوة لتكريس إيماننا: “فنحنُ نؤمنُ بثباتٍ أن يسوع المسيح منحَ ذاته على الصليب ليعطينا حبّه وبآلامه حملَ آلامنا وتحمّل خطايانا وحصل لنا على الغفران وصالحنا مع الآب فاتحًا لنا الطريق إلى الحياة الأبدية” (رسالة يوم الشبيبة العالمي). نعترفُ بهذا كلّه ليس فقط من خلال فضيلة معرفة حقائق إيماننا، بل كثمرة علاقةٍ شخصيّة مع المسيح مبنية على الثقة بحبّ قلبه. كما أننا نعترفُ بالإيمان بالاتّحاد مع الأب الأقدس والأساقفة ورعاة الكنيسة، مبيّنين بأنّ “إيماننا الشخصي في المسيح مرتبطٌ بإيماننا بالكنيسة” (رسالة اليوم العالمي للشبيبة)، وأنّ في قلب الكنيسة ينبضُ قلبُ المسيح.

إنّه ثانيًا فعلُ رجاء: فالبابا لا يكرّسُ فقط كلّ واحدٍ منّا للقلب الأقدس، بل يكرّس “جميع الشباب في العالم” له. شبابُ اليوم هم رجاءُ مستقبل الكنيسة والبشرية. ومن خلال تكريسنا نحنُ الشباب، مع البابا، نريدُ التأكيد بأنّه “دون المسيح المائت والقائم لا يوجدُ خلاصٌ. أنّه هو وحده قادرٌ على تحرير العالم من الشرّ وعلى تأسيس ملكوت العدالة والسلام والحبّ الذي نطمحُ إليه جميعنا” (رسالة يوم الشبيبة العالمي). “فبقلبٍ واحد”، فلنصلّ مع الكنيسة جمعاء: “تعال أيّها الربّ يسوع”، ساعدنا نحنُ شباب الألفية الثالثة لنكون صانعين لحضارة الحبّ الذي يُبنى “عندما يستقبلُ الأفرادُ والشعوبُ حضورَ الله، ويعبدونه بالحقيقة ويصغون إلى صوته” (رسالة اليوم العالمي للشبيبة).

وفي الختام، التكرّس هو فعلُ حبّ: نريدُ نحنُ شباب الألفية الثالثة، على مثال القديس توما، “أن نلمسَ يسوع، أن نضع أيدينا في مكان آلامه، وفي علامات محبته” (رسالة اليوم العالمي للشبيبة). وبتكريس ذواتنا “نلمسُ يسوع”، مجددين نعمة المعموذية التي حصلنا بها على هذا الحبّ. فتتقوّى فينا الرغبة للاستقاء دومًا من ينابيع الحياة الإلهية التي هي الأسرار، وخاصّةً الاوخارستيا وسرّ الغفران. وحصلنا أيضًا على نظرته الرحومة لنكون قريبين دومًا من الفقراء والمرضى، ونصبح بذلك من أجلهم تعبيرًا ملموسًا لحبّ الله.

وعلى مثال التلميذ المحبوب، نحنُ أيضًا مدعوون “لنقبل مريم في بيتنا”. فلنتكرّس بقلب يسوع جاعلين العذراء حاضرة كوسيطةٍ خاصّة. تلك التي “استقبلت بإيمانٍ كلمة الله” فلتعلمّنا الإيمان بالحبّ والثقة بالله وأن نكون شهودًا له بين إخوتنا

http://www.zenit.org/article-8391?l=arabic

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO