الأب هنري بولاد لبناني يسوعي يريد تغيير العالم

الأب هنري بولاد لبناني يسوعي يريد تغيير العالم

اليوم السابع لم يأت بعد والثورات العربية بداية

 كل صباح، يفيق الأب هنري بولاد اليسوعي(*) كأسد، على قوله، و”أرمي نفسي في المعركة، وأحاول أن افعّل من هم حولي من اجل تحقيق ثورة”. ما يشتعل في داخله يعبّر عنه امام من يلتقونه، ويتكلم عن “نار في داخلي تحرقني وتدفع بي يوما بعد يوم”. صحيح انه عند عتبة الثمانين، “لكنني اشعر بأنني في العشرين”، يقول مبتسماً لـ”النهار”.

“ثائر، حر، ملتزم، مقتنع، طموح، مؤمن بالانسان، وبأن امامنا عملاً كبيرا”. هذه هي الصورة التي يحب ان يراها الناس فيه. لكنه يقول انها لا تهمه بقدر ما يهمه “تحفيز كل واحد على ان يكون ثائرا”. “ابو المشاريع” لقبه، وتعنّ على باله “المسكونية العالمية الشاملة”… ومحاربة الفساد هنا وهناك، وايمانه لا يتزعزع “بأن الانسان قادر على تغيير التاريخ”. وكل يوم يثبت له “ان هناك املا، رجاء”.

من البداية شكل الانسان الاهتمام الرئيسي في فكر بولاد وكتاباته الثرية التي تصل الى نحو 30 كتابا، منها ما ترجم الى نحو 15 لغة، اضافة الى مئات المحاضرات. وأول اسباب هذا الاهتمام “ان هدف كل الخليقة هو الانسان، وان كل التطور يسعى الى بنائه. حتى المستقبل الذي امامنا يسير في سبيل اكتمال هذا البناء، اذ ان الانسان لم يكتمل بعد”، يقول. في المنظار المسيحي والكتابي، “اليوم السابع لم يأت بعد. وهذه نظرة مستقبلية. ولا نزال حتى اليوم في اليوم السادس في الخليقة، لأن الانسان لم يكتمل بعد”، يشرح.

“بوادر بشر”، هذا ما يراه وما هو مقتننع به هو “اننا في العصر الحجري للبشرية. وما يتم حاليا يدل الى ان الانسانية في مخاض”. واذا كان الانسان “مفتاح التاريخ والخليقة والكون”، على قوله، فانه ايضا “الارضية المشتركة بين كل الاديان، بما يشكل سببا ثانياً ليهتم به.

 

ان يكون الانسان مشروعا الهيا فاشلا يناقشه برحابة صدر. “فشله وارد نظريا، لأن هناك ما يسمى حرية الانسان التي من الممكن ان تفشل مشروع الله. لكن الامر غير ممكن ايمانياً”، يقول: “البشرية كجسم شامل يجب ان تصل الى الكمال. وهذا هو ايماني بالقيامة”. تفاؤله “الكبير جدا” يسميه “الرجاء”. “كلمة الرجاء اقوى من كلمة تفاؤل. انها اقتناع ويقين ان مشروع الله لن يفشل، ونسمي ذلك الفداء”.

وبـ”أدلة” عدة، يدعم رأيه هذا. “لو نظرنا الى التاريخ والتقدم البشري الانساني، لتبين اننا خطونا خطوات جبارة. القضاء على العبودية انجاز كبير، والشعور بالعدالة الاجتماعية وكرامة الانسان وحريته والتضامن بين الشعوب تزداد يوما بعد يوم… هذا الشعور جديد في البشرية ويدل الى الرقي والمستوى السلوكي والاخلاقي… الى ان هناك تجدداً وتقدماً. المشهد في عينيه واضح: “الشعور بالقيم الانجيلية يزداد اكثر، حتى لو كان الايمان بالكنيسة والمسيح، او المسيحية، في حال انقراض الى حد ما”.

عملية بناء الانسان شغلت وقته من زمان بعيد ولا تزال، تفكيراً وكتابة وعملا وتخطيطاً. هو من مواليد الاسكندرية (1931)، ويحمل ايضا الجنسية اللبنانية. تنشئته الغنية مهدت لهذه العملية، وساهمت فيها كثيراً. مدرسة العائلة المقدسة للآباء اليسوعيين في مصر عرفته مديرا مدة طويلة، كذلك، عيّن مديرا لكاريتاس مصر…

“طموحاتي بلا حدود”، يؤكد. وعملية بناء الانسان التي انطلق فيها من اعوام طويلة “لا محدودة… وتعطي الحياة طعما”.

الى السيد المسيح، يتطلع ومنه يستلهم ويستوحي. “فهو الثائر الكبير الذي جاء كي يخلص البشرية. لذلك يحتاج الي، رغم ضعفي وحدودي وسني وعيوبي. وهذا شعور بأن لحياتي معنى”. وما الثورات التي شهدتها مصر وغيرها من البلدان العربية سوى “بداية البداية، صورة حقيقية للمسيح”.

“تغيير العالم” هاجسه، شعار اختاره لحياته: يقول: “الله أعطاني قوة اقناع الغير، قوة الكلمة. لدي تأثير على الناس، وربما هذه رسالتي. وحدي أكون واحداً. لكن مع الآخرين، قد نصير ألفاً أو 5 آلاف”، يقول. بالنسبة اليه، “ايماننا المسيحي يجب أن يدفعنا الى عمل يفوق قدراتنا المحدودة”، ويعوّل على “هبوب الروح القدس وتفعيله الناس”.

في كتبه الكثيرة، يرسم بولاد أمواج هذا التغيير. يختار المواضيع وفقاً “لحاجة ألمسها لدى الناس وتولد فيّ رغبة في الكتابة عنها”. على مرّ الاعوام، لاحظ أن أفكاره مقبولة، “لا بل تُحَمّس غالبية الناس، باستثناء فئة من المحافظين والتقليديين الخائفين من أفكاري، من الجديد، ومن أن يهتز ايمانهم”. الصراع مع الكنيسة ينظر اليه بايجابية. “يحصل باستمرار، الحمدلله. وهو ايجابي”. فالتجاذب بين قطبي الكنيسة “المؤسسي والنبوي” يجد انه طبيعي… و”لا يخاف” أن يعبّر عن رأيه علناً. ففي كتاب وجهه الى البابا، كتب “نقداً لاذعاً للكنيسة بوضوح واحترام وحب وجرأة”. لم يلق جواباً، لكن الرسالة انتشرت على الانترنت، وحصدت “مئات الردود من كل القارات”.

بثقة يقول لـ”التقليديين الخائفين”: “الروح هو الذي يجدد الارض والانسان كل لحظة. إلهنا إله حي متجدد في كل لحظة”. حدود هذا التجدد أو ضوابطه يعرفها جيداً. “في داخلنا بوصلة اسمها الضمير، أو الروح القدس، أو الوحي الإلهي. كذلك هناك ضوابط خارجية اسمها الكنيسة”. روح النبوة يؤمن به، يعوّل عليه. “روح المسيح، روح الله انتصر في كل البشرية. وكل الناس اليوم كلمة. وشباب الثورة، أكانوا مسيحيين أم مسلمين، ملهَمون بروح النبوة”.

“المسكونية العالمية الشاملة والانسانية” هي الفسحة التي ينوي مستقبلاً العمل فيها. “تعني ما للأرضية المشتركة بيننا كبشر، والتي تمكننا من الشعور بانسانيتنا ومن تنميتها. ويقدم كل دين نظرته من دون تعصب، ونأخذ منه خير ما فيه ونسعى الى مشروع اكتمال البشرية وتلاحم البشر واندماجهم في المحبة”. بتعابير أبسط، يطمح الى ايصال “فكرة مسكونية شاملة تتخطى الاديان والطوائف والتحزب”. وقلبه دليله، ويقول له ان المؤشر المنبعث من الثورات العربية هو أن “روح الله ليس نائماً”.

ماذا لديه بعد؟ كثير يستفيض به. ومن قلقه على مستقبل المسيحيين في الشرق، يدعوهم: “ابقوا هنا. قد تضطهدون أو تذبحون، لكن لا تسكتوا. الكنيسة بدأت بالاستشهاد وستكمل كذلك”. وللمسلمين يقول: “يجب عدم ترك المنطقة للمتطرفين والارهابيين”. ويلح في الدعوة: “لنرجع الى الانسان. نحتاج الى مجتمع انساني ينسى الاستقطاب الديني ويكون عادلاً متفتحاً. وانه هدف واحد للمسلمين والمسيحيين معاً”.

 (*) زار لبنان في أيار 2011، والقى محاضرة بعنوان: “الروح والتغيير. الشباب رجاء جديد للعالم”.

   محطات الأب هنري بولاد

 وُلد في “الاسكندرية” في 1931/8/28 ولديه اخوان اكبر منه سنا واخت اصغر، وهو من اصل سوري من جهة الاب وايطالي من جهة الام، جنسيته مصرية ولبنانية.

درس في مدرسة “سان مارك للفرير” “بالاسكندرية”، الى جانب دراساته في الفن التشكيلي على يد احد الفنانين الايطاليين.

في السادسة عشرة من عمره قرر ان يكرس حياته لله والآخرين، بعد خبرة في المحاسبة بشركة “بولاناكي” للخمور، ثم انضم الى الرهبانية اليسوعية في التاسعة عشرة من عمره.

وتوزعت حياته الرهبانية وفق الآتي:

 1950 – 1952 فترة الابتداء اي التكوين الروحي الاساسي في بكفيا لبنان.

 1952 – 1954 في مدينة لافال Laval دراسات في اللغة اللاتينية واليونانية والفرنسية.

 1954 – 1957: في مدينة شانتيلي Chantilly الفرنسية حيث تابع دراسات في الفلسفة.

وحصل في هذه الفترة على شهادات عدة:

 ا جازة في الفلسفة.

 ديبلوم في تنشيط الشباب.

 ديبلوم في الفن التشكيلي.

 1957 – 1960: عمل في حقل التربية والتعليم في مدرسة العائلة المقدسة والمعهد “الاكليريكي” للأقباط الكاثوليك في القاهرة.

1960 – 1964: تابع دراساته في علم اللاهوت حيث حصل على الاجازة في بيروت.

 1963: “السيامة الكهنوتية”.

 1965 – 1967: دراسات في التصوف والروحانيات، ثم في علم النفس التربوي، حيث حصل على درجة الماجستير في جامعة شيكاغو – الاميركية.

 الحياة العملية:

 1967 – 1975: القاهرة – عمل في مجال التربية في مدرسة العائلة المقدسة.

 1975 – 1979: الإسكندرية، رئيس دير الآباء اليسوعيين.

 1979 – 1984: القاهرة، رئيس رهبانية الآباء اليسوعيين في مصر ورئيس مجلس رؤساء الرهبانيات.

 1980 – 1990: درس علم اللاهوت في المعهد الكاثوليكي في القاهرة.

 1983: الحصول على وسام شرف من رئيس جمهورية فرنسا تقديرا لخدماته في المجالات التعليمية والتربوية والاجتماعية.

1984 – 1995: مدير كاريتاس مصر.

1991 – 1995: نائب رئيس جمعية كاريتاس الدولية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

1995 – 2004: الإسكندرية، رئيس دير الآباء اليسوعيين.

2001: الحصول على وسام شرف لعمله في مجال الخدمة الاجتماعية كرجل العام في مصر.

2004: المدير العام لمدارس العائلة المقدسة في القاهرة”.

كتاباته:

ما يقرب من ثلاثين كتابا، منها ما ترجم الى 15 لغة.

اكثر من مئة محاضرة منشورة.

اكثر من 200 محاضرة مسجلة باللغتين العربية والفرنسية.

 هالة حمصي     

hala.homsi@annahar.com. Lb

 http://www.annahar.com/content.php?priority=1&table=adian&type=adian&day=Wed

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO