لاهوت أدبي: الخطيئة 1

لاهوت أدبي: الخطيئة (1)

   بقلم: الأب د. رمزي نعمه

 ينتقل بنا الكاتب في هذا العدد من النظرية إلى التطبيق، مما درسناه عن الضمير وتربية الضمير إلى موضوع في غاية الأهمية على جميع المستويات اللاهوتية والأدبية والاجتماعية: “الخطيئة”. ونعني بالخطيئة أي عمل يقوم به الفرد طوعاً وفيه يخالف شريعة الله، ويُسمى هذا بالخطيئة الشخصية؛ حيث يجب التمييز بينها وبين الخطيئة الأصلية وهي الحالة التي تولد فيها جميع الكائنات البشرية، حالة البعد عن الله نتيجة سقوط آدم الإنسان الأول وأصل البشرية. وليست معالجة موضوع الخطيئة الشخصية هنا معنية بتحليل الخطايا الفردية بل سيكون التركيز على الاعتبارات التي تنطبق على الخطايا جميعها. ومادة هذا المقال هي تطبيق لمادة المقالين السابقين عن “الضمير”

 مقدمة:

تتركز دراسة الحياة المسيحية في وصف الحياة النموذجية مع المسيح وفي المسيح. وتهدف الحياة المسيحية إلى نمو صورة الله في الإنسان. وتتأثر صورة الله في الإنسان بالأعمال البشرية التي تؤهله للسعادة الأبدية. ولسوء الحظ فإن بعض الأعمال البشرية لا تؤهل الإنسان للسعادة الأبدية، بل تحرمه من الحصول عليها لأنها تدمر شركة الحياة مع المسيح، الضرورية بصورة مطلقة لتحقيق غاية الحياة. لذا فإن فقدان الحياة في المسيح أو فقدان النعمة يؤدي إلى الخطيئة. إنه لمن غير الممكن دراسة الحياة البشرية دون مواجهة حقيقة وواقع الخطيئة.

وهناك اعتبار آخر. هو أنه لا يمكن فهم تجسد المسيح وعمله الخلاصي إلا بوجود فكرة واضحة لدى الإنسان حول ما قام به السيد المسيح لخلاص الجنس البشري أي تحريره من الخطيئة. ولا يسع الإنسان أن يقدّر أهمية حياة المسيح، وموته، وقيامته ملء التقدير إلا بعد فهمه لحقيقة الخطيئة.

 أولاً: الكتاب المقدس

 1) العهد القديم

 أ- ماهية الخطيئة: فكرة الخطيئة موجودة في كل صفحة تقريباً من صفحات العهد القديم. وتوصف عادة بعبارات مستمدة من العلاقات الإنسانية. والخطيئة هي انحراف عن الهدف، فشل في تحقيق هدف، إهمال الواجب، نكث بالعهد، ظلم وفساد الإنسان، ثورة وإساءة الله، إجحاف، تدنيس، وكذب وحماقة.

 ب- سبب الخطيئة: إن تجاهل الإنسان لله تعالى هو سبب الخطيئة (هو1:4و6). تنبعث الخطيئة من القلب الشرير (ار24:7). ويُلقي العهد القديم المسئولية كاملة على الإنسان لأعماله الخاطئة. وهو لا يعرف الأسباب النفسية لتخفيف المسئولية البشرية. ولا يجيب العهد القديم على التساؤل القائل كيف للخطيئة أن تدخل إلى عالم تحكمه قوة الله الخلاصية؟ لقد أخطأ أبوا الجنس البشري لأنهما رغبا في أن يصيرا “كآلهة عارفي الخير والشر” (تك5:3). فقد رغبا أن يقررا ما الخير وما الشر مثل الله. لذا فقد أثرت الخطيئة (الأصلية) على جميع البشر فاتجهت حياتهم نحو الفساد (تك 4-11).

 ج- نتيجة الخطيئة: إن النتيجة الرئيسية للخطيئة هي الموت (تك3، حز4:18). ويعلمنا العهد القديم أن الخطيئة تجلب اللعنة والكارثة. وحسبما قال الأنبياء فسقوط إسرائيل هو النتيجة الحتمية للخطيئة القومية. ورغم هذا فالعهد القديم يقدم الأمل. وقد أنبأ بالهزيمة النهائية للخطيئة والشر (تك15:3). وقد سبق وأن ورد في سفر التكوين أن الخير كان يملأ أسرتي نوح وإبراهيم. ومن خلال إبراهيم ستتبارك أمم الأرض جميعها (تك 2:12-3). فالله نفسه يبحث عن الخراف المشتتة (حز34). ويعود الإنسان إلى الله بنكران الذات والخضوع لله.

 فبعد سقوط مملكتي إسرائيل ويهوذا أصبحت الخطيئة تعني بصورة مبدئية مخالفة للشريعة. وكان يعتبر غير اليهود خطأة لأنهم لم يحافظوا على الشريعة. ويظهر الشيطان في هذه الفترة كمغو (حك 24:2). وسيظهر بهذه الصورة ثانية في العهد الجديد.

 2) العهد الجديد:

 يستعمل العهد الجديد كلمتين من اليونانية “همارتيا” (Hamartia) و “همارتيما” (Hamartema) للدلالة على حقيقة الخطيئة. وتعتبر الخطيئة فعلاً، أو حالة أو ظرفاً وقوة. ومهما كانت الخطيئة فإن يسوع المسيح قادر على قهرها.

أ- الأناجيل الإزائية: في الأناجيل الإزائية من العهد الجديد يمارس يسوع مهامه بين الخطأة لأنه جاء “لدعوة الخطأة لا الصالحين إلى التوبة” (مر 17:2). ويعترف يسوع أن الأعمال الرديئة تصدر عن القلب (مر21:7). ومثل الابن الضال يعلمنا أن الخطيئة إساءة لله، وأن الغفران ممكن بعودة الخاطئ لله (لو 17:15-32). وقد سفك يسوع دمه، دم العهد، بالنيابة عن الكثيرين لمغفرة الخطايا (مت 28:26). وهناك فرح في السماء لعودة الخاطئ (لو 7:15و10).

 

ب- كتابات يوحنا: نجد في كتابات يوحنا تعبيراً واضحاً عن شر الخطيئة. فالخاطئ يحب الظلمة أكثر من النور خشية أن تنكشف أعماله الشريرة (يو19:3-20) إن كل من يعيش في الخطيئة يكون عبداً للخطيئة (يو34:8) وعبداً للشيطان (1يو 8:3-10). والخطيئة مخالفة للشريعة (1يو 4:3)، واثم (1يو 17:5)، وشهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى (1يو 16:2). وفي هذه الفقرات، تدل الخطيئة غالباً على ظرف أو حالة تكون نتيجة لفعل خاطئ. ويرى يوحنا أيضاً القوة الشيطانية وراء أعمال الفرد الشريرة (يو34:8، 1يو 8:3-10). وبالنسبة إلى يوحنا فيسوع هو قاهر الخطيئة. وهو نفسه بلا خطيئة (يو 46:8، يو 5:3). وهو الحمل الذي يزيل خطايا العالم (يو29:1). وهو كفارة عن خطايا الجميع (1يو2:2، 10:4).

 

ج-  كتابات بولس: تحتوي كتابات بولس، خصوصاً القسم الأول من رسالته إلى أهل روميه، على دراسة لاهوتية مكتملة نسبياً عن الخطيئة. ففي عدة أماكن يضع بولس قوائم لهؤلاء الخطأة وهم: الزناة وعباد الأوثان والفسّاق ومضاجعو الذكران والسارقون والبخلاء والسكيرون والشتامون وآخرون وجميعهم لن يرثوا ملكوت السماوات (1كور 9:6-10، غل 19:5-21، الخ). ويقع اليهودي واليوناني كلاهما تحت سيطرة الخطيئة، فجميع الناس قد أخطأوا ولا يحصلون على مجد الله (رو 1:2-31:3). وتحكم الخطيئة كقوة في العالم. وقد جلب آدم الخطيئة إلى العالم بتمرده ودخلت إلى جميع الناس (رو 12:5-19). إن أجرة الخطيئة هي الموت (رو23:6)، وشمول الموت يبرهن أن جميع الناس خطأة (رو12:5). وتستعبد الخطيئة الإنسان فيعجز عن القيام بما هو صواب حتى لو أراد ذلك (رو 15:7-25).

 

إلا أن بولس يعطينا الأمل. فإذا كان التضامن مع آدم قد ورط الجنس البشري في الخطيئة والموت، فإن التضامن مع المسيح جلب له البراءة والحياة (رو15:5-19). والمسيحي وقد تبرر بالإيمان وبالمعمودية لبس المسيح (غل27:3-28). فإذا كان الواحد مع المسيح فهو خليقة جديدة (2كور 17:5). فهو لم يعد يسلك حسب الجسد ولكن حسب الروح (رو9:8).

 

ثانياً: تعليم الكنيسة

 

الخطيئة هي الابتعاد عن الله، وهي إساءة له، ومخالفة صريحة لشريعته، والخاطئ هو عدو الله، وهناك فرق بين الخطايا المميتة والعرضية:

 

1) الخطيئة المميتة:

 

إن نتيجة الخطيئة المميتة معاداة الله، وخسارة النعمة المبررة والبركة الأبدية، والابتعاد عن ملكوت السماوات، والخضوع للشيطان، والهلاك الأبدي في الجحيم. ولكن الخطيئة المميتة لا تزيل الإيمان.

 

2) الخطيئة العرضية:

 

أما الخطيئة العرضية فهي ذلك النوع الذي يقع فيه حتى القديسون من بني البشر. وباستثناء امتياز خاص، لا يستطيع الفرد تجنب الخطايا العرضية طوال حياته. ولا يسع الإنسان إلا أن يقول بصدق إنه خاطئ. فالخطيئة العرضية لا تزيل النعمة المبررة، إلا أن تطهيرها قد يكون ضرورياً بعد الموت. وقد شجبت الكنيسة الفكرة القائلة إنه لا توجد خطيئة عرضية بطبيعتها، وإن كل خطيئة تستحق الهلاك الأبدي.

 

إن إرادة الشخص الخاطئ هي السبب الأول للخطيئة. فليس الله سبب الخطيئة كما إنه لا يطلب المستحيل. الشيطان أيضاً هو سبب الخطيئة مادام هو المغري. وعلى الإنسان أن يهرب من مناسبات الخطيئة وأن يقاوم المغريات.

 

3) الخطيئة الشخصية والخطيئة الاجتماعية:

 

يركّز قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي “بشأن المصالحة والتوبة في رسالة الكنيسة اليوم” على المعنى الاجتماعي للخطيئة. ويتلخص تعليمه في  هذا الشأن في الأفكار التالية:

 

‌أ-   الخطيئة الشخصية: الخطيئة بالمعنى الحصري فعل الفرد لأنها فعل حرّ يقوم به أحد الناس ليس حصراً، فئة أو جماعة، بالرغم من أنه قد يتعرّض لضغوطات اجتماعية تقلل من مسئوليته وتخفف من حريته. وتقع أولى نتائج الخطيئة وأخطرها على الخاطئ عينه: أي على علاقته مع الله، أساس الحياة البشرية، وعلى عقله، فتضعف إرادته وتظلم بصيرته.

 

‌ب-   الخطيئة الاجتماعية: هناك ثلاثة معانٍ لهذه العبارة:

 

1- المعنى الأول:

 

إن خطيئة كل من الناس، بقوة ما بينهم من تضامن عجيب، تؤثر بطريقة ما، على الآخرين. وهذا وجه من التضامن الذي يتطور على الصعيد الديني في سر “شركة القديسين” لذلك يمكن التحدث عن “الشركة في الخطيئة” وتنحدر النفس منها بالخطيئة، فتنحدر معها الكنيسة، ونوعاً ما، العالم كله.

 

وبعبارة أخرى، ما من خطيئة، ولو كانت على أكبر قدر من الحميمية والسرية والفردية، تهم فقط من ارتكبها وحده. لأن كل خطيئة، كبر أو صغر حجمها، كثُر أم قل أذاهل ينعكس أثرها على الجماعة الكنسية كلها، وعلى العائلة البشرية جمعاء. وبهذا المعنى يمكن اعتبار كل خطيئة؛ خطيئة اجتماعية.

 

2- المعنى الثاني:

 من الخطايا ما يشكّل بموضوعه إساءة مباشرة إلى القريب والإخوة. فهي إهانة لله لأنها إهانة للقريب. ولهذا تدعى خطايا اجتماعية. فكل خطيئة تقترف ضد العدل (في العلاقات بين الأشخاص بين الشخص والمجتمع وبين المجتمع والشخص) تسمى خطيئة اجتماعية ومنها كل خطيئة تمس حقوق الإنسان، ولاسيما حق الحياة. أو تقترف بحق الخير العام: حقوق المواطنين وواجباتهم، كما إن كل إهمال يرتكبه الحكام ورجال الاقتصاد يعتبر من الخطايا الاجتماعية.

 3- المعنى الثالث:

 ويتناول العلاقات القائمة بين مختلف الجماعات البشرية: حرية، عدالة، سلام، ومن هنا فإن: – صراع الطبقات هو شر اجتماعي.

 – الخصومات المتمادية بين الأمم والفئات هي شر اجتماعي

 على مَن تقع المسؤولية إذاً في هذه الأحوال، وهل تعفي من المسؤولية الشخصية؟

 –  إن كل خطيئة هي اجتماعية، بمعنى أن مسؤوليتها لا تقع على الضمير الأدبي لشخص معين بقدر ما تقع على كيان مبهم أو مجموعة لا اسم لها مثل الحالة والنظام والمجتمع والمؤسسة إلى ما شابه ذلك.

 –  إن الكنيسة في هذه الحالة تعلن أن الخطيئة الاجتماعية من هذا النوع هي نتيجة عدة خطايا شخصية متراكمة مترابطة. ففي أساس كل وضع أو حالة خطيئة، يوجد أناس خطأة.

 4) المسيح بوساطة الكنيسة يغفر الخطايا

 المسيح هو منبع غفران الخطايا بوساطة عذاباته، إلا أن الكنيسة هي الوسيط لغفران الخطايا. وقد جُعلت المعمودية لمغفرة الخطايا السابقة للمعمودية. وقد جُعل سر التوبة لمغفرة الخطايا ما بعد المعمودية. وحتى قبل التقدم من سر التوبة، بإمكان الندامة الكاملة مغفرة الخطايا، شريطة أن تكون لنا النية في التقدم من السر في أول فرصة سانحة. وتُغفر الخطايا العرضية بعدة طرق غير سر التوبة. ويوصي بالقربان دواء لعلاج الخطيئة.

 5) المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني:

 وقد كتب المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني يعلمنا بقوله: “لقد أقام الله الإنسان في حالة من البرارة. غير أن الشرير أغواه منذ بدء التاريخ فأساء استعمال حريته واقفاً في وجه الله، راغباً في أن يصل إلى غايته بدونه تعالى. لقد عرفوا الله غير أنهم لم يعبدوه كإله… فاظلم قلبهم الغبي “وخدموا الخليقة وفضلوها على الخالق”. وإن ما يبينه لنا الوحي الإلهي بهذه الصورة يثبته اختبارنا بالذات. فالإنسان، إذا تفرّس في أعماق قلبه، يكتشف أنه ميّال أيضاً إلى الشر، تغمره ويلات كثيرة لا يمكن أن تأتيه من خالقه لأنه صالح. فغالباً ما رفض الإنسان أن يعترف بأن الله هو مبدأه ولذلك نقض النظام الذي كان يوجهه نحو غايته الأخيرة وحطم كل تناغم أمّا بالنسبة لنفسه أو لسائر الناس أو للخليقة كلها” (الكنيسة في عالم اليوم-13).

 6) الخطيئة والخيار الجذري:

 تطرّق البيان الصادر عن “المجمع المقدس للعقيدة والإيمان” بالتالي إلى الحديث “حول الأخلاقيات الجنسية” وتكلم عن الخطيئة والخيار الجذري: “إن الخيار الجذري هو الذي يحدد في نهاية الأمر استعداد الإنسان الأخلاقي. ولكن يمكن تغيير هذا الخيار عن طريق أفعال منفردة، خصوصاً، كما يحدث غالباً، عندما تسبق هذه الأفعال أفعال أكثر سطحية”. ومهما كان الحال فمن الخطأ القول أن الأفعال المنفردة ليست كافية لتكوين خطيئة مميتة. فبمقتضى تعاليم الكنيسة ليست الخطيئة المميتة معارضة لإرادة الله، ومخالفة رسمية ومباشرة لوصية المحبة وحسب، بل إنها مقاومة للحب الحقيقي، لا سيما إذا كانت مخالفة متعمدة، في المسائل الثقيلة لكل من القوانين الأخلاقية.

 ويتابع البيان موضحاً: “أشار يسوع المسيح إلى الوصية الثنائية للمحبة كأساس للحياة الأخلاقية. وعلى هذه الوصية تقوم الشريعة بأجمعها. ولذلك فهي تشمل الأوامر الخاصة الأخرى… فالشخص إذاً يرتكب خطيئة مميتة ليس فقط عندما يصدر عمله عن امتهان مباشر لمحبة الله والقريب ولكن عندما يختار، بوعيه وحريته، ومهمل كان السبب، أمراً مغلوطاً في موضوع هام. فاختياره في الأصل يتضمن، كما ورد سابقاً، امتهاناً للوصية الإلهية: فيبتعد الفرد بعيداً عن الله ويفقد المحبة” (رقم-10).

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO