لبنان : حبيب افرام : مسيحيو الشرق: الثورات أو الأنظمة!

لبنان : حبيب افرام : مسيحيو الشرق: الثورات أو الأنظمة!

04 / 07 / 2011

حتى منذ ما قبل بدء الثورات والتغيير في بعض أنظمة المنطقة، كان سؤال جوهري يطرح على المسيحيين وضعهم ودورهم وحقوقهم في كل بلد، ولاءهم أو حمايتهم أو أمنهم. هل يكونون جزءاً من الحكم

على علاته أو من المعارضة وأحلامها.

وكثر الحديث بعد الانتفاضات، بعضهم يدعي ان الانظمة القوية وحدها تعطي الامن للمسيحي وحرية العبادة، وبعضهم يظن ان الثورات والديموقراطية هي أمل المسيحي بلْ حتى يجب ان تكون نتاج فكره ونهضته.

أين الحقيقة؟ ما هو دور المسيحي؟

أولاً: ليس هناك اي نظام عربي يعطي مسيحييه حقوقهم الكاملة كشركاء في الحكم، كقوميات لها لغاتها الخاصة، فلا اعتراف بالتنوع والتعدد. بل حكم الحزب الواحد والرأي الواحد والقومية الواحدة والزعيم الواحد. والاغلب هو التعاطي مع المسيحيين عبر طوائفهم ورجال دينهم وليس عبر أحزابهم وقواهم السياسية.

ثانياً: ليس هناك اي حزب معارض، ديني أو يساري أو قومي له موقف إيجابي واضح من حقوق المسيحيين وحضورهم. الا كلام منمق في المناسبات حول التعايش والوحدة أو حول نصوص دينية معينة تدعو الى احترام المسيحي أو تكريم السيدة العذراء.

وهنا لب مشكلة الثورات والانتفاضات.

وهذه مشكلة العراق مثلاً، فحتى بعد انتهاء حكم رجل واحد، وبعد إعطاء الاكراد إقليماً لهم، يُرفض للمسيحي، لا كجغرافيا ولا كقومية حقوقاً مماثلة، ولا يعطى ما يستحق في عدد النواب أو الوزارات أو الادارات، أو المراكز التي تشعره بأن النظام يدلـله.

 

ثالثاً: ليس هناك عند أي جهة غربية، لا الاميركيين ولا الاوروبيين أي ملف أو قضية اسمها المسيحية المشرقية. ولا أي اهتمام حقيقي الا بمصالحها من تأمين النفط ، من حماية اسرائيل ودعمها ضد كل القوانين الدولية ودون إيجاد حل مشرف للقضية الفلسطينية يقوم على قاعدة وطن سيد لهم وحق عودة لاجئيهم. وحتى في ظلال الجيش الاميركي، وخاصة في ظلاله، هجر نصف مسيحيي العراق ولا من يهتم إلا بإصدار سمات دخول لمزيد من المسيحيين الى الغرب لترك أرضهم.

ان مسيحيي الشرق ليسوا مع أحد بالمطلق، ولا يؤيدون نظاماً واحداً. فهم حسب أولوياتهم الوطنية يتطلعون أكيدة الى شرق آخر، أكثر تسامحاً، أكثر تنوعاً، أكثر احتراماً للخصوصيات، أكثر اعترافاً بالقوميات بالاثنيات باللغات. لكنهم يدركون ان كل هذا يجب ان يأتي عن وعي تام من ابناء البلد، عن قناعة تامة منهم، في حركة نهضة متدرجة لا تفرض عليهم لا بالدبابات ولا بالسلاح ولا بالاحتلال الخارجي. وهم واعون تماماً انهم لا ينبهرون بحلو الكلام عن ديموقراطية اذا كان معناها حرباً أهلية، ولا عن حرية اذا كان المقصود ضرب الهوية الوطنية الجامعة، ولا عن كرامة الانسان اذا كان المراد تفتيت أوطان.

ان مسيحيي الشرق مذهولون ان تكون النظرة اليهم قبل ثورة مصر وبعدها هي هي، وان تكون خسارتهم في العراق أقوى من كل تبرير. هل يعني ذلك انهم يترحّمون على زمن القائد الواحد؟ ليس بالضرورة.

هلْ مكتوب عليهم أن يفاضلوا بين أمن وحرية دينية مع أنظمة لها وجه دكتاتوري، وبين لا أمن وتهجير وقتل واقتلاع مع تصاعد السلفيات التكفيرية الالغائية العنفية.

مسيحيو الشرق قلقون. طبعاً. يتطلعون الى ليبيا فيخافون من التدخل الغربي، يضعون قلبهم على أقباط مصر مع حرق كنائسهم، يكادون يبكون على ضياع مسيحيي العراق وتهجيرهم، يخشون مصير سوريا ومسيحييها، وينظرون بشك الى مستقبلهم في لبنان، ويتذكرون بندم خسارة الاراضي المقدسة في فلسطين.

صحيح انهم قياميون ومؤمنون ومناضلون. لكن حجم الصراع يطحنهم ورغم ان ما زال لديهم قدرات البقاء والدور، ليس كأقليات ودون اي عقد نقص، ودون اي قبول بذمية، ودون اي تنازل عن المساواة في المواطنة، لديهم قدرات الداخل في تنوعهم المذهبي والليتورجي والفكري والحزبي واللغوي، وفي انتشارهم المذهل في زوايا الدنيا، فانهم مدعوون الى الكف عن الكيدية في ما بينهم وعلى التطلع الى الاولويات دون أوهام ودون حقد.

فنظرتنا الى أي نظام أو اي حدث لا نبنيه على موروثات الماضي فقط، ولا على نظرة أحادية سياسية جامدة، بلْ على مصالحنا. ماذا يضمن بقاءنا وهويتنا وحريتنا ومَن؟ انتهى زمن استعمالنا وقوداً لحروب الآخرين أو أحصنة طروادة لأجندات الغير.

 

أقول هذا من موقع الحرص الشديد على بقاء كل مسيحي مشرقي على أرضه في منزله، من آخر ضيعة في طور عابدين في تركيا، الى آخر منزل في أورميا إيران، الى آخر كنيسة في القامشلي سوريا، الى آخر مركز في عنكاوا في شمال العراق، الى آخر عائلة في الاراضي المقدسة، الى آخر حضور في الاردن الى الحجر الأساس لمسيحيي الشرق هذا اللبنان الباقي اذا عرفنا قيمته وتجربته وحصّنا فيه الموقع والإشعاع والرسالة .

حبيب افرام / طباين

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO