Month: June, 2011

تأمل في إنجيل الأحد الثالث من الصيف

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٢٥ تموز ٢٠١٠

الثالث من الصيف

يو ٩  :  ١-٣٨

 

()مادُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم.((

أنجيل اليوم يحتوي على الكثير من الأسئلة التي يطرحها الشعب والفريسيون واليهود حول موضوع ذلك الأعمى وسبب عماه. فيسوع يجد نفسه أمام كـمٌ هائل من أسئلة ليس فيها من غاية سوى منعهُ من إتمام مشيئة الله الأب. وما إن يمنح يسوع بركته فـَيـُرجع للأعمى بصره الذي منعهُ من التمتع برؤية جمال الدنيا وما خلقه الرب من نـِعم أغدق بها على أبناءه، ما إن يـُبصِر ذلك الإنسان حتى وتثور ثائرة البشر لأن هناك من أبصر الحقيقة التي هي شخص يسوع الحي.

أعمى وشحاذ نبذه المجتمع وقلل من شأنه وقيمته كإنسان وكإبن الله متحججــًا بأن ما أصابه ليس إلا بسبب الخطيئة العظيمة التي توارثها أبــًا عن جد فغاص في عالم الظلام والسواد ودخل في ركن القطيعة مع الإنسانيــة جمعــاء.

عـُميانُ عالمنا الحديث قد يكونوا محرومين منذ الولادة من حاسة البصر أو قد يصابون بالعمى بعد فترة من حياتهم وتمتعهم بجمال الحياة. بالتأكيــد هنا لا أقصد الضرير المريض بل أقصد هؤلاء الذين حـُرموا منذ طفولتهم من معرفة الله ومحبته فعاشوا بعيدين كل البعد عن حب الله ولمسته الحنونة. وهناك من أبتعد بإرادته أو بغير إرادته عن طريق الله فدخل عالم الظلام البعيد عن النور الرباني البهي وفي كلتا الحالتين الإنسان لا يستطيع تمييز الأشياء فينقاد أمام من يعتقد بأنه يكـُنُ لهُ الحب ويسيرُ بدون أن يعرف الإتجاهات وقد يسقط في حـُفر كثيرة فيتألم وقد يصطدم بعائق فيتأذى، كما إنه لا يستطيع بسهولة أن يـُكون علاقة صداقة مع أخيه الإنسان. كل هذا بسبب فقدانه لحاسة النظر وبسبب ذلك السواد الذي غطى أعينه فمنعهُ من رؤية النور.

يسوع يأتي فينفخ في الطين من روحهِ القدوس وجـَبلَ بها عيني الضرير وغسله بماء الحياة في بركة سلوم أي الرسول “اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ، أَي الرَّسول”، ليجبلــهُ من جديد “جَعَلَ طيناً على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر”، وليخلقه معطيــًا إياه حياة جديدة أبدية يرى فيها نور الله البهي فيغدو العالم له مزينــًا بحلة جديدة، حلة الصفاء والنقاوة، حلة خالية من الغش والخداع، حلة بعيدة عن الأنانية مغسولة ومطهرة من كل شائبة. ها هي رحمة الله تنتصر على إرادة البشر الأنانية فنتذكر المزمور ٥٠ الذي يقول: “إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ اَمْحُ مَعاصِيَّ. زِدْني غُسْلاً مِن إِثْمي ومِن خَطيئَتي طَهِّرْني.”

ما إن فتح الأعمى عينيه حتى واهتدى إلى طريق الرب، طريق الحق والمحبة مستنيرًا بنور المسيح الذي هو “نور العالم”. إهتداءهُ هذا غير مجرى حياته وقلبها رأســًا على عقب. فلم يكتفي الأعمى بتجاوزه تعيير الناس لأنهُ شحاذ “أَلَيسَ هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟”، وتشكيكهم بشخصيتهِ متحججين بأنه شبيه لأخر “وقالَ غَيرُهم: ((لا، بل يُشبِهُه))”، وتشبثـم بالسبت وبخرق يسوع القوانين الدينية “لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت”، وتخويفهم لأهل الأعمى “وإِنَّما قالَ والِداهُ هذا لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود، لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح”، وتشتيمهـم وتعييرهم له “فشَتَموه وقالوا: ((أَنتَ تِلميذُه، أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى))”، و أبعادهم وطردوهم لـهُ “أَجابوه: أتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟)) ثُمَّ طَردوه”، تجاوز كل شئ من أجل الوصول إلى المسيح فأصبح بماء العماذ الذي سُكب عليه وغـَسلَ وجهـهُ بهِ مولودًا جديدًا يحمل ويشع نور الإيمان بشخص يسوع المسيح الفادي ويسير على خطاه. بل أصبح رسولا ًأمينـًا على كلمتـه الحية، رسولا ًإغتســل بماء الحياة في بركة الرُســل فأعطيَ لهُ أن يشهد بإيمانــه أمام الجميــع “فقال: ((آمنتُ، يا ربّ)) وسجَدَ له.”

عميــان زمننا اليوم قد لا يرون عظمة الله وقد لا يرون حضورهُ الدائم في حياتهم ولمستهِ الحنونــة لشخصهــم. يكفي أن يرتموا في حضنه الحنون ليعيد الرب خلقتهم من جديد ويولدهم في حياة جديدة يروا فيها حب الله في أخوتهم وأخواتهم أبناء وبنات الله ويجسدون محبتـه لبقية العميان فيكونون بحق رسـول أوفياء غيورين على بشراه السارة لبني البشر غير مكترثين بالمخاطر والإهانات التي تحوف بهـم أثناء شهادتهم هذه.

فتح عينه فأمن من اللحظة الأولى بأنه الرب “ومَن هو يا ربّ، فأُومِنَ به؟”. لنبين ونثبــت إيماننا اليوم بربنا وإلاهنــا نور حياتنا وحافظها الدائم ولنفتح عيوننا فنرى بضياء وجهه عالمنا بصورة مغايرة لأن عيوننا ستكون عيون المحبة، عيون الله نفسه.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

تذكار مار سبريشوع

تذكار مار سبريشوع

 

الشماس نوري إيشوع مندو

 

مار سبريشوع: أبصر النور في بلد نينوى في مطلع النصف الثاني من القرن السادس. ولا نعرف شيئاً عن والديه. عكف على الدراسة وتلقي العلوم منذ نعومة أظفاره. ثم رحل إلى أربيل التي كانت مزدهرة بالإيمان والمدارس ليرتشف المزيد من المعارف. وبعد سنين بلغه خبر دير إيزلا الكبير والحياة الرهبانية المزدهرة فيه تحت رعاية مؤسسه العظيم مار إبراهيم الكشكري. فذهب إلى هذا الدير وتتلمذ لهذا المعلم الكبير، وسار على نهجه في حياة القداسة والتضحية. ويذكره ايشوعدناح في ” كتاب العفة ” بين تلاميذ إبراهيم الكبير العديدين.

وبعد وفاة معلمه غادر دير إيزلا متوجهاً إلى أقصى شمال العراق في منطقة الغاب الجميل، واختار في تلك الجبال الوعرة موضعاً يتلاءم مع رغبته في العزلة والصمت والاختلاء بغية العكوف على الصلاة في حضور الله والتفرغ لعبادته. إلا أن شذى فضائله عبق تلك الأصقاع وفاح عرفه بعيداً، واجتذب العديد من الناس العطاش إلى الحياة مع الله، فاجتمع حوله بعض التلاميذ الذين شرعوا يعيشون تحت أنظاره ورعايته وإرشاده الروحي. حتى تكونت جمعية صغيرة وتأسس دير يتناسب مع عددهم واحتياجاتهم الروحية والمادية. ولدى موت مار سبريشوع أودع جسده في الدير الذي أقامه.

لم يكتفِ الدير باجتذاب العديد من الناس الذين انضووا تحت إرشاد المؤسس وخلفائه في إدارة الدير، بل حدا ببعض سكان المناطق المجاورة إلى المجيء والسكنى بجواره، تيمناً بشفاعة القديس وسعياً وراء السيرة المسيحية التي رأوها متجسدة في أولئك الرهبان. وهكذا تكونت إلى جانب الدير قرية أطلق عليها ” أمرا دمار سوريشو ” أي قرية مار سبريشوع، وتقع هذه القرية على مسيرة ساعتين شمالي قرية سناط العراقية، وتفصل بينهما سلسلة جبال عالية تكوّن الحدود بين العراق وتركيا. وتقبع القرية على سفح جبل دعي هو أيضاً باسم مار سبريشوع. والقرية تقع إلى الجهة الجنوبية الغربية من المزار الذي يحتوي على ضريح هذا القديس. والقرية اليوم تقع ضمن الأراضي التركية.

وبالرغم من أن القرية كانت محاطة بقرى إسلامية من جميع الجهات، إلا أن شهرة مار سبريشوع والعجائب التي أظهرها جعلت الجميع يحترمون المزار ويتركون الحرية التامة لسكان هذه القرية في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي العيش بأمان دون مضايقات.

وكان سكان القرية والقرى المجاورة يحتفلون بعيده في الأول من تشرين الأول، فتقصده في ذلك اليوم جموع غفيرة من المسيحيين والمسلمين، فينحرون الذبائح، كل عائلة حسب إمكاناتها، ويهيئون الطعام في فناء الكنيسة، ثم يجلس الجميع ويتقاسمون ذلك الطعام الذي يعتبرونه طعاماً مقدساً، ويشترك فيه الجميع في جو من التآخي والمحبة. وقبل الطعام كانت الجموع تختلي وتصلي طالبين شفاعته لنيل النعم الضرورية.

وخلال مذابح السفر برلك هجر سكان القرية إلى العراق. ولا يزال حتى يومنا هذا أبناء هذه القرية أينما وجدوا يحتفلون بتذكار مار سبريشوع، ويعيشون تحت ظل حمايته القديرة.[1]

——————————————————————————–

1_ مار سبريشوع كتيب للأب ألبير أبونا.

تذكار مار ميخا النوهدري

تذكار مار ميخا النوهدري

الشماس نوري إيشوع مندو

مار ميخا النوهدري: ولد في منطقة نوهدرا في العقد الأول من القرن الرابع الميلادي، حوالي سنة 309 م، ولقب بالنوهدري نسبة إلى منطقة نوهدرا، التي تشمل سهول منطقة نينوى، المحصورة مابين صحراء ما بين النهرين وجبال شمال العراق. كان أبواه مجوسيين، وأجداده من رؤساء المجوس وندماء الملك. أبوه يدعى كور شاه، وقد تنصر والداه واقتبلا المعمودية من يد القديس مار أوجين أبي الرهبان في المشرق.

كان ميخا يميل إلى الكنيسة منذ صغره، فأودعه والداه الكنيسة ليقيم فيها، ويتربى التربية المسيحية. فتعلم اللغة والطقس، وختم كتاب المزامير. وكانت الكنيسة بعيدة عن موطن أبويه، فكان الوالدان يزورانه مرة واحدة كل سنة، ويجلبان له كميات من المال والملابس والمأكل والمشرب. أما هو فما أن يودع والديه حتى يعود ويوزع كل خيراته على الفقراء والمعوزين، ولا يترك له منها إلا الشيء القليل، مما يدل على بذور الخير التي كانت كامنة في كيانه منذ نعومة أظفاره. وبقي هناك حتى اشتد عوده، وقوي عظمه، ونهل من الكتب الإلهية قدراً كبيراً من العلم والمعرفة، وأصبح أهلاً للانخراط في سلك الرهبنة، التي كانت أمنيته ومبتغاه.

توجه للانضمام إلى الحياة الرهبانية في جبل إيزلا، فقبله مار أوجين في ديره وألبسه الأسكيم الرهباني. فقضى مار ميخا في الدير قرابة عشرين سنة، كان فيها مثال الراهب التقي الورع المطيع لقوانين الدير، المتمثل لأوامر الرؤساء، المكمل لكل الواجبات التي تفرضها عليه حياة الرهبنة. فكان مار أوجين يحبه حباً عظيماً ويعامله كأبنه، ويخصه بمنزلة متميزة عن أخوته الرهبان. وقد اصطحبه إلى نصيبين لزيارة أسقفها مار يعقوب النصيبيني، كما رافقه إلى جبل جودي لتكريس الدير الذي ابتناه هناك مار يعقوب النصيبيني، والمعروف بدير قيبوثا ” الفلك “، وذلك في الموضع الذي رست فيه سفينة نوح.

سنة 361 اضطهاد يوليانس الكنيسة، فهرب جميع الرهبان من الدير، ولم يبق فيه سوى مار أوجين وعشرة من الأخوة الرهبان. فعاش مار ميخا في تلك الفترة متوحداً في كوخ صغير، عيشة التقشف والشظف، ممارساً كافة العذابات الجسمية لترويض جسده وإماتة شهواته، قاضياً الليالي بالصلاة والتأمل وقراءة الكتب المقدسة. وقد تعرض عدة مرات لتجارب وإغراءات الجسد والمال، فكان يقاومها ويتغلب عليها بشجاعة وإصرار، من خلال تمسكه بالصوم والصلاة والعبادة ليلاً ونهاراً. وقد كوفيء من الرب بمنحه قدرة إلهية تعينه على شفاء المرضى من عللهم الجسدية والروحية، فشاع خبره في تلك الأصقاع، فأتوا إليه فشفاهم بقوة الله.

 

خطرت لمار ميخا فكرة زيارة الديار المقدسة، للتبرك والصلاة بجوار القبر المقدس. فشد الرحال، وما أن وصل دمشق حتى زار الهيكل الذي يضم رفات مار يوحنا المعمدان. ومن هناك توجه إلى أورشليم برفقة رجلين كانا يقصدانها، وفي الطريق تعرض لهم قطاع الطرق وأرادوا سلبهم، ولما لم يجدوا شيئاً عندهم حسبوهم جواسيس فحبسوهم في مغارة. وفي تلك الليلة حدثت أعجوبة، حيث أن اللصوص بعد ذهابهم ألمّ بهم فظيع قضَّ مضجعهم، وترك سهاد طوال الليل يتقلبون على الفراش من شدة الألم. ولما بحثوا عن السبب، لم يجدوا غير ظلمهم على أولئك المسافرين الأبرياء المسجونين في المغارة، وما هذا الألم إلا عقاب لهم بسببهم.

وما أن طلع الصباح حتى أسرعوا إلى تلك المغارة وأطلقوا سراحهم، وطلبوا منهم العفو والمغفرة. فاشترط عليهم مار ميخا بأن يتوبوا ويكفوا عن أعمال الشر. فقبل اللصوص طلبه، وتابوا وندموا فزال عنهم الألم، وتعافوا لساعتها. ثم واصل مار ميخا ورفيقاه السير إلى أورشليم، حتى بلغوها ودخلوا إليها.

دخل مار ميخا المدينة المقدسة وهو ممتلئ شوقاً ولهفة لزيارة جميع المواقع التي وطئها يوماً المخلص، وأراد أن يدخل إلى كل مكان دخله يسوع، وينصت إلى صوته يجلجل في الهيكل يعلم ويوبخ الكتبة والفريسيين على أعمالهم، ويسير في الأزقة التي سار فيها المخلص حاملاً صليبه على منكبيه. وأخيراً وصل القبر المقدس، فدخله بخشوع ورهبة، وسجد مبتهلاً إلى من دفن فيه، وقام منه أن يعينه على اقتفاء أثره والسير على هديه.

وفي أورشليم التقى بفلابيانس مطران أنطاكية، فرحب به وفرح بلقائه. وصادف في تلك الأيام أن جاء أناس من طرسوس يطلبون من فلابيانس أن يرسم لهم أسقفاً، فأشار عليهم أن يطلبوا مار ميخا فوافقوا. وألح عليه فلابيانس أن يقبل طلبتهم، لأنه مختار من الله لرعاية خرافه فوافق.

وفي يوم عيد العنصرة وضع فلابيانس يده على ميخا، ورسمه مطراناً على طرسوس. وبعد عدة أيام اختفى ميخا، وطلبه أهالي طرسوس فلم يجدوه. فقد خرج ليلاً قاصداً جبل سيناء، وكان الدافع على ذلك تواضعه واشتياقه إلى حياة النسك والتوحد. وما أن وصل هناك حتى زار المكان الذي نزل فيه الوحي على موسى النبي.

وخرج من هناك قاصداً برية الاسقيط، حيث عدد كبير من الأخوة الرهبان يعيشون عيشة الزهد، والانقطاع عن العالم وعبادة الله في صمت وهدوء. وبعد أن اطلع على حياتهم ونمط معيشتهم، ابتعد في عمق البرية وهناك وجد كوخاً اتخذه مسكناً له. وعاش فيه عشرين سنة منقطعاً كلياً عن العالم، يعبد ربه ويناجيه ليل نهار بالصلاة والصوم. وكان يقتات في كل هذه السنين على حشائش البرية، التي أضحت قوته اليومي. وفي إحدى الليالي بينما كان منقطعاً إلى خالقه في صلاة حارة، أوحي إليه أن يعود إلى الشرق، ويبني ديراً في ألقوش. فقام لتوه وشد الرحال عائداً، وفي طريقه مر بأورشليم ثانية للتبرك.

ويبدو أن ألقوش كانت مسيحية في القرن الرابع الميلادي، وكان لها كنيسة تقام فيها الصلوات والشعائر الدينية من قبل الكهنة والشمامسة وجماعة المؤمنين. وهذا ما تؤيده قصة مار ميخا، حيث تذكر أنه كان في استقبال مار ميخا كهنة وشمامسة وجمع كبير من أهالي البلدة. وكان مجيء مار ميخا إلى ألقوش حدثاً فجائياً غير متوقع، إذ لم يدر بخلد الألقوشيين أن يقوم رجل مثل مار ميخا بزيارة قريتهم والمكوث فيها. لذا فخروجهم للقائه واستقبالهم له بالحفاوة والتكريم، كان بإيحاء إلهي وتدبير سماوي.

وكان وصوله في وقت كان قد انتشر فيها وباء، راح يفتك بالأطفال فتكاً ذريعاً. فطلب مار ميخا من الناس أن يتوبوا ويصوموا ويصلوا، فلبوا طلبه بحرارة وشوق، وأقاموا بمعيته الصلاة والابتهال إلى الله. فسمع الله تضرعهم بشفاعته، وزال الوباء من القرية، وتوقف موت أطفالها. فعم الفرح والسرور بيوتها، وأيقن أهلها أن هذا الوافد الجديد هو مبعوث إلهي إلى قريتهم، جاء لينقذهم من المرض ويدعوهم إلى التوبة، ويرشدهم إلى حياة جديدة، حياة النعمة والفضيلة ومحبة الله. وكان لهذا العمل أثر بليغ في نفوس أهالي ألقوش، الذين وجدوا فيه شفيعاً ومرشداً. فأحبوه، واحتضنوه، وقدروه، وأكرموا وفاده.

وعندما قدم مار ميخا إلى ألقوش لم يكن يحمل شيئاً سوى كتاب الإنجيل، وقد انتشر خبره في الأماكن المجاورة، فجاءوا إليه بمرضاهم ومتعبيهم، فشفاهم جميعاً، وقدموا له الذهب والفضة فقبلها منهم. وقد شعر أهالي ألقوش بحاجة مار ميخا إلى منزل مستقل لسكناه، ولاستقبال الوافدين إليه، كما لمسوا لديه الرغبة في تعليم الشبان والأطفال وتهذيبهم. فقاموا ببناء دير ومدرسة في الجهة الجنوبية الشرقية من القرية، ليقيم فيها ويؤدي رسالته التي من أجلها قدم إلى ألقوش. ولما كمل البناء قام مار ميخا بتوجيه الدعوة إلى أسقف معلثايا مع إكليروسه لافتتاح الدير وتقديسه، نظراً لأن ألقوش آنذاك كانت تابعة لأبرشية نوهدرا. وقد جمع مار ميخا في مدرسته كل الأطفال وطلاب العلم من ألقوش وأطرافها، واسكنهم في ديره ليعيشوا سوية، وهذا العمل كان يتطلب مبالغ كبيرة من المال. فاستعان بالذهب والفضة التي قدمها له المؤمنين، واشترى بها أراضي زراعية في شرق وغرب ألقوش، وإلى اليوم يوجد في سهل ألقوش أراضي زراعية تسمى ” أراضي القسس “. كما يوجد غرب ألقوش في قرية بندوايا رحى باسم ” رحى مار ميخا “، ومن المحتمل أن تكون من ضمن أملاك دير مار ميخا. وكان يستعين بما تدر عليه هذه الأملاك للصرف على مدرسته واحتياجات تلامذته. وكان مار ميخا قد تنبأ عن قدوم الربان هرمزد إلى ألقوش بالقول: ” إن الله عتيد ليرسل إليكم نسراً عظيماً، يصعد بمقامه فوق الملائكة، ويعشعش بجانبكم في هذا الجبل، ويولد أفراخاً روحية. وكل من يدعو باسمه يطرد منه الرب كل وجع، ويكون له سلطان على مرارة وسم الدبيب القتال. ويسمى هذا الجبل أورشليم العليا، اخرجوا للقائه بفرح “.

وعاش مار ميخا في كوخ صغير داخل الدير الذي بُني في ألقوش مدة خمس عشرة سنة، يمارس الصوم والصلاة والفضائل المسيحية، ويدير مدرسته التي انتشر خبرها في كل الآفاق. وفي أحد الأيام بعد صلاة العصر، جمع الكهنة والشمامسة وطلاب مدرسته، ووعظهم وصلى عليهم، وقدم لهم نصائحه الأخيرة، ثم ودعهم وباركهم. وتوجه بطرفه نحو ألقوش وباركها قائلاً: ” لا يتحكم بكِ عدواً “. وأغمض عينيه، واسلم روحه لخالقها وباريها. ويذكر أن مار ميخا حفر قبره بيده في نفس الكوخ الذي كان يسكن فيه. وقد دفن في نفس المكان، وأقيمت الصلوات على روحه. وكانت وفاته في الأول من تشرين الثاني سنة 429، وقد ناهز المائة والعشرين سنة.[1]

 

وتحتفل كنيسة المشرق بتذكار مار ميخا النوهدري في الأول من تشرين الثاني.

 

——————————————————————————–

 

1_ مار ميخا النوهدري ومدرسته نوئيل قيا بلو ص 13 _ 28.

Michigan SEO