Month: June, 2011

تأمل في إنجيل الأحد الأول من الصيف

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١١ تموز ٢٠١٠

الأول من الصيف

لو ١٤  :  ١-١٤

()فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع.((

في نص إنجيلنا اليوم يسوع يرافق أحد أعيان الفريسيين ليتناول وجبة طعام في بيته وليقتسم الغذاء معه ومع مدعويه. غير إن النص لا يذكر فيما إذا بالفعل تناول يسوع الطعام أم لا، إلا إنه ينوه بأن يسوع أنتهز فرصة وجوده في بيت ذلك الشخص ذو المكانة الاجتماعية والدينية الرفيعتين ليحول أنظار الناس إلى ما هو مهم في حياة البشر. فيلقي نظرة على رجل دخل فجأة إلى المسرح، فلا ندري من أين جاء ولا إن كان من المدعوين أو الأقارب أو من أبناء البيت ولا ندري من بالفعل أدخله أمام يسوع. غير إنه دخل والعيون كانت متطلعة بشغف نحو المسيح، فلا ندري أيضــًا إذا ما كانت عيونٌ مجربة أو مستهزئة أو فضولية أو بريئة أو عطوفة وحنونة ! كل ما نعرفه هو نظرات وترقبات تحوم حول الرب وذلك الرجل السقيم.

 سقيمٌ لأنه تعب في حياته بل كان منهك وبائس بسبب مرضه هذا الذي لا يجلب الألم الجسدي فحسب بل ألمٌ نفسيٌ كبير نتيجة نبذ المجتمع لهُ ونكران وجودهِ والابتعاد عنهُ وقطع كل علاقة معه. هذا لأن مرضه هو مصيبة من الله قد تـُعد وهو بالضرورة نتيجة خطاياه الكثيرة التي ظهرت بظهور المرض وطفحه على جلده.

مثلما دخل بهدوء خرج بهدوء بفارق ٍبسيط، فقد دخل مريض وخرج معافـا. هذا ما نلاحظه في لقطة السقيم المار من أمام يسوع.

يسوع لم يود أن تعبر هذه القصة بلا عـِبرة بل ركز جـُل جهده من أجل أظهار رحمة الله لبني البشر وأهميتهم في عيونه. “أَيَحِلُّ الشِّفاءُ في السَّبتِ أَم لا؟” سؤالٌ وجهه يسوع لجمع علماء الشريعة والفريسيين (“فلَم يَجِدوا جَواباً عن ذلك”) ليـُعلن للملأ بأن الإنسان لم يخلق لخدمة للسبت بل السبت وجد من أجل خدمة الإنسان الذي لم يعد ماكثـًا في عالم العبودية الطقسية بل عبرها وأجتاز حواجزها ليجد في يوم الرب التحرر الكامل والشفاء التام.

العبودية الطقسية هي التزمـُت الأعمى بالطقوس وقشورها دون الإلمام بمحتواها اللاهوتي والفلسفي التي وحدها تظهر وتكشف غنى حضور الله ومدى حبه الكبير للإنسان. فنجد أناس يتمسكون بحرفية لا مثيل لها بطقوسنا الكنسية وبمجرد إسقاط حرف واحد من الطقس تقوم القيامة ويصبح الطقس بدون معنى في أعينهم ناسين بأن الحرف يقتل والروح وحدهُ يحيي. رحمه يسوع ونظرته العطوفة اصطادت الرجل المريض لتسقطه في حضن الله الأب فشفـاه من كل شر وعله بغض النظر عن الوقت والمكان، فالرب جاهز ومستعد دومـًا وأبدًا أن يستقبلنا متى ما كانت لدينا الإرادة والتصميم القويين للمجيْ والارتماء في أحضانه الأبوية.

كي يتم شفائنا من أسقامنا وأمراضنا وعللنا، كي يلمسنا الرب لمسة حنان ومحبة، كي نسترجع عافيتنا ونصلح سقطتنا وعلاقتنا بالله وبالآخرين شـَرط ٌواحدٌ ينقصنا خصوصــًا في وقتنا الحاضر: “التواضع”. التواضع هو سر الدواء الشافي لأسقامنا وعللنا في عصرنا الحالي. القلب البسيط المنسحق المتواضع أمام الرب هو القلب الذي يبتغي بصدق الشفاء ويروم الحصول على لمسه الرب وخلاصه ويأمل الأكل على مائدته الربانية. فمائدة الرب هي مائدة المنسحقين المساكين والفقراء والمرضى والمعوزين وهو قد جاء من أجلهم ليرفعهم “فمجد الله، الإنسان الحي” هذا ما يقوله القديس إيرينه مطران ليون في القرن الثاني. “ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان” يقول يسوع ناصحـًا من دعاه في بيته وهذا ما يؤكده طقسنا عندما يرتل الشماس : “إتكالاً اتكلت على الرب: إن جسدَ المسيح ودمَهُ الكريم علـى المذبح المقدس، فلنقتربْ منه جميعـنا بالهيـبـة والمحبة، ولنهتفْ له مع الملائكة: قدوس قدوس قدوس الرب الإله. ليأكلُ المساكينُ ويشبعون” ” مْسَـبَّـارو سَبْرِيث بْماريا: بَغـرِه دَمْشيحا وَذْمِـه يَقّيرا عَل مذْبـح قوذشا، بْذِحِـلثا وَوْرِحِمْثا كُلَّـن نِـثقارَو لِه، وعَمْ مَلاخي نِـيَبَّو لِه: قَـدّيشْ قدّيش، قديش مـــاريا آلاها. نِخلون مِسكيـِني ونِـسْبعون

في نظر ولغة العالم التواضع هو علامة خوف وخشوع وخنوع وإستسلام بل هو علامة جـُبـُن وترك القدرية تسيطر على ذواتنا. لكن في نظر ولغة الرب، لغة المحبة والغفران، ينقلب تواضعنا وانسحاق ذواتنا ونفوسنـا إلى نصر كبير، “فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع”، فيرفعنا ويـُجلسـُنا بقرب عرش عظمته الكبير.

مثلما دخل السقيم أمام يسوع وهو متألم وقـَبـِلَ لمسة الرب الشافية فخرج مشافــا معافـا هكذا ستكون شاكلتنا نحن، فنخرج منتصرين ومملوءين فرحـًا قائمين بسلام من سقطتنا وناشدين ومرنمين مراحم الرب شاكرين إياه حبه اللامتناهي. وهكذا نسير على درب يسوع المسيح نفسه : “هو الذي في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء كيما تجثو لاسم يسوع كل ركبة في السموات وفي الأرض وتحت الأرض ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيدا لله الآب.” (فيلبي 6:2-11)

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

تأمل في إنجيل الأحد السابع من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٤ تموز ٢٠١٠

السابع من الرسل

لو ١٣  :  ٢٢-٣٥

()فقالَ لَه رَجُل :يا ربّ، هلِ الَّذينَ يَخلُصونَ قَليلون؟.((

في يوم أحدٍ ما أدهشتني امرأة عندما سارت بهدوء وتروي بإتجاه تمثال العذراء الموجود في داخل الكنيسة لتوقد شمعة ولتصلي مسبحة الوردية وكل هذا أثناء القداس الإلهي. اندهشت مرتين، الأولى لأن إيمان تلك المرأة بسيط إلى درجة، فشمعة صغيرة و صلاة الوردية تكفيها للتكلم مع الله وهذا بحد ذاته إيجابي فالرب لا يحب أن نبني لهُ جـُمل طنانة ورنانة بل جـُمل وكلمات بسيطة نابعة من القلب. أما الاندهاش الثاني فقد كان سلبيـًا بمعنى الدرجة، ففي قلب القداس الإلهي الذي هو أعظم درجة من دراجات حب الله للإنسانية بل هو حديث صريح ومباشر ودعوة من قبل الله لنا كي نشاطره نفس المائدة عندما يقول : “خذوا فكلوا منه كلكم هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم لمغفرة الخطايا. خذوا فاشربوا منه كلكم هذه هي كأس دمي الذي يراق من أجلكم لمغفرة الخطايا.” أجد أناس يتشبثون بتقاليد متوارثة، صحيحة كانت أم خاطئة، غير إنها لم تأتي بوقتها المناسب. إلم يكفي لهذه المرأة أن تتأمل بالذبيحة الإلهية، بسر الفداء هذا لتتناول عن إدراك ومعرفة جسد ودم المسيح ؟ فتقول واثقة وبصدق “آمين” عند تناولها.

عندها أدركت المرأة بأنها لفتت إنتباهي فجاءت بعد القداس لتطلب وبخشوع المعذرة، وبالرغم من إنها كانت تكبر والدتي عمرًا، إلا إنني احتضنتها بروح أبوية ككاهن وراعي لكنيسة المسيح، فقالت لي : “هذا إيماني البسيط الذي ورثته من أجدادي ولا أعرف غيره. وبه أريد أن أنال الخلاص.” فسالت دمعه من عيني لتجيب عن السؤال الذي طرحته على نفسي أثناء القداس. إيماننا البسيط هذا هو رائع وبفضله خرج جيل من البطاركة والكهنة والشمامسة والعلمانيين القديسين بالفعل. وجميعهم يمتازون بإيمان ثابت وقوي ومتحدي لكل الصعاب التي جابهت الكنيسة خصوصــًا في منطقة الشرق الأوسط وفي بلاد ما بين النهرين بصورة أخص. لكن اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين وبعد الإنفتاح على العالم الذي أصبح قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا الإتصالات الحديثة، وبعد أن هاجر أبناء كنيستنا لأوربا وأمريكا وأستراليا، هل يمكننا أن نعتمد على إيماننا البسيط الساذج ونقنع به أولادنـا فننال وإياهم خلاص المسيح ؟ لا أعتقد بتاتـــًا.

المشكلة لن تتوقف على إيماننا المتوارث البسيط بل تتعداهـا لتقف أمام حائط الغرور (الشمخرة الفارغة) الذي هو مرض يصيب الكثير منـا. فهناك من يعتقد بأنه أبن الكنيسة الفلانية العريقة التي جاءت من المكان الفلاني وبفضل القديس الفلاني وتتكلم اللغة الفلانية فيتمسك بإمور ثانوية لن توصله إلى درب الخلاص. فنطرح سؤالنا ليسوع قائلين ما قال الرجل ليسوع : “يا ربّ، هلِ الَّذينَ يَخلُصونَ قَليلون؟” فنحن من بلاد ما بين النهرين من أوائل من عرف رسالة المسيح بفضل القديس توما الرسول الذي تحتفل الكنيسة بعيده يوم 3 تموز، نحن من أكل وشرب من على مائدة الرب ” لَقَد أَكَلْنا وِشَرِبنْا أَمامَكَ، ولقَد عَلَّمتَ في ساحاتِنا” هل تشفع لنا عراقة كنيستنا ولغتنا وحسبنا ونسبنـا ؟ هل أعضاء كنيستنا وبلدتنا وقريتنا وعشيرتنا هم من سيخلصون في نهاية المطاف ؟

فلا اللغة ولا الحسب والنسب ولا عراقة الأصل ولا معرفة الكهنة ورؤسائهم ولا الإنتماء الكنسي والطقسي سيشفعوا لنا أمام الله الأب. بل هناك أشخاص سيدخلون ملكوت الله ونحن نضنهم بعيدين كل البعد عن الله وعن ملكوته “وسَوفَ يَأتي النَّاسُ مِنَ المَشرِقِ والمغرِب، ومِنَ الشَّمالِ والجَنوب، فيجِلسونَ على المائِدَةِ في مَلَكوتِ الله.” أما مصيرنا فسيكون مؤسفـًا “وتَرَونَ أَنفُسَكُم في خارِجِه (الملكوت) مَطرودين”.

حياتنا المسيحية هي حياة مكوكية، دائمية الحركة، ديناميكية الحس، نشطة في التبشير وعيش رسالة الله فعلا ًوقولا ً.لا يكفي الإنتماء الكنسي لخلاصنا بل ليكن دافعـًا مقويــًا لمسيرتنا الإيمانية ولا تكفي لغتنا الأم لدخول ملكوت الله بل لتكن وسيلة نفهم بها غاية الله ورسالته لبني البشر ولا يكفي معرفتنا بالطقوس وألحانها بل لتكن نعمه نعيش بها أسرار الكنيسة وسر الذبيحة الإلهية فنكون شهودًا لكنيسة عريقة لم تحافظ على إرثها الكنسي والطقسي واللغوي فحسب بل حافظت على إيمانها وجسدتهُ على أرض الواقع وتأملته في كل احتفال طقسي تحتفل به كما إنها أستمرت بنشر تعاليم الله الأب بوفاء منذ عصور طويلة. فشك القديس توما بحقيقة قيامة المخلص من بيت الأموات دفعه ليكون رسولا ًعظيمــًا ومؤسســًا لكنيسة عظيمة ضحت ولازالت تضحي من أجل إيمانها الحي. فالطقس واللغة هي وسيلة لعيش كلمة الله وإلا “فهُناكَ آخِرونَ يَصيرونَ أَوَّلين وأَوَّلونَ يَصيرونَ آخِرين”

هل يكفي إيماننا البسيط الساذج لعيش كلمة الرب وضمان إستمراريته من جيل لأخر وخصوصـًا في بلاد المهجر ؟ هل شعب الله يثقف نفسهُ إيمانيــًا وروحيـًا ؟ فكما الجسد يحتاج لغذاء هكذا الروح. فكم منا يقرأ اليوم كتب روحية ولاهوتية ؟ وكم منا مشترك بمجلات روحية وفلسفية ولاهوتية ؟ وكم منا قادر أن يجادل أبنائهُ لاهوتيـًا وعقائديـًا وكتابيــًا وبلغة البلد الجديد ؟ كم منا يدرك ويفهم ويعلم المفردات الدينية بلغة البلد المستقبل فيناقش أصدقائه ويجادلهم روحيـًا مبينــًا تأريخ كنيسته الأم ؟

فهمـُنا للإنجيل ولرسالة المسيح يجب أن يتعمق شيـئـًا فشيئــًا وينمو ويكبر يومـًا بعد أخر فننعش به إيمان أبنائنا ونكون شهود حقيقيين لإيمان ثابت ذو جذور عميقة وقديمة لكنها حية ومتجددة دومـًا وابدًا.

 

آمين ………

 

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

تأمل في إنجيل الأحد السادس من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٢٧ حزيران ٢٠١٠

السادس من الرسل

لو ١٢  :  ٥٧  ـ  ١٣  :  ١٧

 

()إِن لم تَتوبوا، تَهلِكوا بِأَجمَعِكُم مِثلَهم.((

تكلم يسوع هنا مع هؤلاء الذين خبروه بخبر “الجَليليِّينَ الَّذينَ خَلَطَ بيلاطُسُ دِماءَهم بِدِماءِ ذَبائِحِهِم.” مناشدًا إياهم التوبة الحقيقية والأنية. التوبة هي عنوان كرازات عديدة ومحاضرات كثيرة القيت علينا منذ زمن بعيد ولازالت تـُلقى في كنائسنا وقاعاتها. فهل سبق وأن فكرنا بمعناها ؟ هل سبق وأن توقفنا برهة لنتعمق في فحواها فننعش إيماننا بنعمها فترجعنـا لحضن القداسة الربانية ؟

التوبة تمر بمراحل فبعد سقوط الإنسان في فخ الخطيئة ومحاولته جاهدًا النهوض من جديد والمسير قدمـًا في حياته المسيحية، يتوجب عليه أتخاذ قرار مهم يبين من خلاله جديته في ترك طريق الشر والإبتعاد عنه. المرحلة الأولى هي تأنيب الضمير، فإذا كان للإنسان ضميرًا متيقظـًا وواعيـًا وأمينـًا وصادقـًا سيعرف خير المعرفة بأن أعماله الشريرة ونتائجها أضرت بعلاقته مع الله ومع الأخرين ومع نفسه أيضــًا، وأدخلته بالتالي عالم الخطيئة والشر.

بعدها تأتي خطوة الإقرار بالخطى والمجئ لقبول سر الغفران بقلب منسحق نادم على ما عملنا من خطايا كاسرين بها مشيئة الرب ووصاياه. إيماننا بدم يسوع الفادي وخلاصه المجاني لبني البشر ولكل مؤمن به يدفعنا لإتخاذ هذه الخطوة التي هي قمة الشجاعة. فهي تتطلب أن نكسر ذواتنا وأن ندوس على كبريائنا وغرورنا وأن ننزل من عرشنا العظيم العالي الذي بنيناه ومن مركزنا الإجتماعي والعلمي والثقافي لنعترف بخشوع وجهـًا لوجه أمام الكاهن بخطيئة مخجلة ومذلة. بخطوتنا هذه نتعرى من الثياب الغشاشة التي خيطت على غرار ثياب أبوينا أدم وحواء لنغطي بها عورتنا وخطيئتنا أمام من يرانا لينخدع بمظاهرنا السطحية الخداعة. ضانين بأن ثيابنا هذه تغطي بالفعل ما نحن عليه من بقع سوداء أمام الله فاحص القلوب ومختبر الكلى.

المرحلة الأخيرة هي ترك ونبذ الخطيئة. فهي تمس مدى قوة إرادتنا وحقيقة وجدية نيتنا وإصرارنا على ترك طريق الشر والتمسك بالرب وبوصاياه.فنجسد على أرض الواقع الوعد الذي قطعناه على أنفسنا أمام الرب بترك طريق الخطيئة والعيش برضى الله.

ما من توبة بلا ثمر. فالتوبة الحقيقية يجب أن تعطي ثمر ملموس. فحياة الإنسان عليها أن تتغير نحو الأحسن، عليها أن تنقلب رأســًا على عقب فيشعر الإنسان بتغير في نمط حياته، في كلامه وتصرفاته، في سلامه الداخلي، في علاقته مع الأخرين، في ثقته بالله وبالآخرين.

التوبة وترك طريق الشر صعبٌ جدًا. فطريق الشر دائمـًا سهل المنال وملتو وجذاب وخلاب بل هو ساحر ويغري من يسير فيه بشتى أنواع المغريات. فنبيت حبيسين في دائرة فارغة مملوءة بسموم تخدرنا وتعمينا وتمنعنا من رؤية طريق الحق الذي هو الخلاص بدم يسوع المسيح الذي قال: “أنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي”. لذى ما من توبة بلا تضحيات وقد تكلفنا الكثير في بعض الأحيان لذى كرز يسوع بالتطويبات ليعزي المتألمين بعد نيلهم غفران الأب.

بالرغم من إن رحمة الله كبيرة ولا تقاس وبالرغم من إن محبته لنا لاتعادلها أي محبة وبالرغم من إن صبره تجاهنا ليس له حدود إلا إنه ينتظر منا أن ننتج ثمرًا مرضيـًا ومقبولا ًفي أعينه. لذى لوقا في إنجيله اليوم يربط مباشرة ًالتوبة بالثمر: ” كانَ لِرَجُلٍ تينَةٌ مَغروسَةٌ في كَرمِه، فجاءَ يَطلُبُ ثَمَراً علَيها فلَم يَجِدْ”. ثمرة توبتنا هي أن نجسد على أرض الواقع محبتنا لله وللأخرين قولا ًوفعلا ً.

وكالعادة نجد في طقسنا الكلداني ما يعمق إيماننا بمعنى التوبة وما يسهم في فهم معانيــه العظيمة. فحينما يرتل الشماس ” لنقترِبْ كُلنا بالخوفِ والوِقـار” ” كُلَّــن بْذِحلثــا وإيقـارا …” وينهيهــا، فيجيب الشعب كلهُ “اغفرْ يـا رب خطايا عبيدِك وزلاتهم” “ماريا حَسَّـا حْطاهِـي وسَخِلواثا دْعَـودَيك”. داخلا ًحوارًا رائعـًا بينهُ و بين جوق الشمامسـة. فيقولون : “ونُنَقي نياتِنا من الخلافات والخصومات. ونفوسُنـا صافيــة مـن كُـلِ حقدٍ وعداء. فَـنَـتَـنـاولَ القربان ونتقدّس بالروحِ القدس. ونَـشـتــرِك بالأسـرار بـاتـحـاد الأفــكــار والوِفاق المتبادل. لتكونَ لنا يا رب لإنبعاث أجسادنا وخلاصِ نفوسِنا. وللحياة الأبدية.” “وَمْذَكِّـينَن تِـيراثَن مِن بولاغي وْحِريانــي. كَـذ شَبيـان نَوشاثَـن مِـن أَكثــا وَوْعِلدواووثــا. نِسَّـو قوذشـا ونِثْـقَــدَّاش بْروحا دقوذشا. بَـأويوثا وَوْحولْـطانا دْرِعيانَين نْـقَبِّـــل بْـشالموثا دَحذاذي لْـشوتابُـثهون دْرازِي. دِنْهوون لَن مار لَقيامتا دْبغريَـن وَلْبورقانا دْنوشاثَـن. وَلحَيّي دَلْـعالَـم عالْمِـين.”

فهل سبق، يا أخوتي وأخواتي، وأن تأمل شعبنا بما يرددهُ من كلمات تحث على التوبة والدخول في عالم الطهارة والنقاء والرجوع إلى الله ؟ سؤلا ًأطرحهُ على مؤمنينا اليوم راجيـًا أن يعيشوا قولا ًوفعلا ًغفران الله الأب لهم.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

Michigan SEO