Month: June, 2011

تأمل في إنجيل الأحد الثالث من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد 6 حزيران 2010

الثالث من الرسل

لو 10/23-42

” وإِذا أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ قَد قامَ فقالَ لِيُحرِجَه: (( يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟))”

من منا لم يفكر ولم يرغب بالملكوت ؟ من منا لم يطرح السؤال ذاته الذي طرحة عالم الشريعة هذا على المسيح : “كيف أرث أو أصل للملكوت ؟” لكن ما هو ملكوت الله الذي وعدنا بهِ يسوع المسيح ؟ لم يكن وعد الملكوت يومـًا لنا بالماء والخضار والوجه الحسن، ولم يكن المال والعيال ولم يكن تحقيق رغبات القلب مباشرة ً منذ الإحساس بها ولم يكن النجاح في الإمتحانات أو الهجرة الطيبة بدون المخاطر والديون.

الملكوت في وجهة النظر المسيحية هو: العيش أولا ً في حضن الله الأب والتمتع بالسلام الداخلي الذي لا يعطيه إلا ينبوع وواهب الحياة بنفسه. الملكوت ثانيـًا هو وعد، وعد من يسوع المسيح أبن الله الوحيد. وعدَ بهِ كل شخص مؤمن بالخلاص بدمه الكريم المسفوك على الصليب ومطهر الكل من الخطايا. ذلك الوعد الذي يذكرنا بقوس قزح الذي أحاط الأرض بألوانه البهية بعد الفيضان وبعد أن غطى الموت بشريتنا العقيمة، فأصبح القوس قزح رمزًا للوعد الذي قطعه الرب لنوح بأن لا يبيد البشر بسبب خطاياهم، هو نفس الوعد الذي قطعه يسوع الفادي وهو على الصليب لذلك اللص الذي طلب الدخول لملكوت الله فقال الرب له : “الحق، الحق أقول لك اليوم ستكون معي في الفردوس.”

سؤال عالم الشريعة المطروح اليوم نطرحهُ في كل قداس نقدسه ونتذكر موت وقيامة الفادي، فنرتل مزمور 15 قائلين : ” يا رب مَـنْ يـسـكـنُ فـي بيتـك ومن يحلّ في جبلِـك الـمـقـدس. ماريا منو نعمر بمشكناخ، ومنو نشري بطوراخ قديشا “

من سيكون سعيد الحظ هذا الذي سيسكن في بيت الرب ؟ من سيتمتع بالإرث الأبدي، بالحياة الأبدية ؟ فيتمم المزمر ويتحاور بصوت عذب الكاهن والشماس في حوار رائع ومدهش يأخذنا للتعمق في قلب راسلتنا المسيحية فيرتلان سويــًا قائلين : ” مَنْ يـسـلُكْ بغير عيـب، ويـعـمـل البر: ويـتـكـلــم بالحـق فـــي قلبه، ولا يغشّ بلسانِه. ولا يُـسـيء إلـى صـاحبــه : ولا يقبــل رشوة على قريبه. والــمـذنـب مـرذول لـديــه : ويــــــــكرم أتـقـيـــــــاءَ الله. يـحـلف لرفيقــه ولا يكـذب: ولا يُقــرِضُ مالَهُ بالرِباء. ولا يقبــــل رشوة على البــريء : إن من يعمل هذا بارٌ، ولــن يتزعزعَ إلى الأبد. “

” أينـا دمهلـخ دلا موم وعاوذ زديقوثـا : وملل قوشتـا بلبه ولا نكولثان بلشانـه. ولا عاوذ لحوره بيشتا : وشوحذا عـل قريـوه لا مقبل. ومسلاي بعيناو مركزانا : ولذحلاو دماريا ميقر. ويامي لحوره ولا مذكِّل : وخسبـه بربيثا لا ياهو. وشوحذا عل زكايا لا نـاسو : من دعاوذ هالين كينو، ولا متزيع لعالم.”

وكأننا نجد بين ثنايا هذا المزمور وبين أيدينا الجواب الشافي على أسئلتنا فإن عدلنا عن طرقنا العوجاء وسلكنا في طريق الرب عاملين الخير والبر لكل محتاج للمسة حنان، لفم ينطق بالعدل والمساواة والحقيقة، لأذن صاغية بسيطة، لقلب عطوف، لدرهم الأرملة سنكون سائرين مع الرب وحافظين وصاياه.

وفي مزمورنا هذا الذي يرشدنا لنصنا الإنجيلي اليوم نجد عبارة ” الصـاحب أو القريب ” ويسوع يحكي مثل السامري الصالح ويطرح مستفسرًا عن القريب فمن يكون ؟

القريب هو ليس بالشرط أن يكون من بلدي ولا من مدينتي ولا من قريتي ولا من عشيرتي ولا من عائلتي. يسوع يـُـكبر دائرة القريب ليضم بها كل من يملك إرادة صالحة، كل من يبتغي التقرب لله الأب دون التطبيل والتزمير، كل من يتحرق شوقــًا لمعرفة الله، كل من يقلق على سلامة أبناء الله. القريب أخذ بـُعدًا أكبر فقد يكون من بلد أخر ومن قارة أخرى ومن جنس أخر ولون بشرة أخرى. القريب قد يكون من ديانة أخرى أو عديم الديانة فمن يعلم فالله يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، على الأرض كلها فيخترق بالتالي شعاءه البهي قلوب البشر فيحولها من قلوب حجرية إلى قلوب من لحم.

أخي وأختي لم يعدا بعد أخي وأختي من والديَّ، بل أصبحا أخي وأختي المعمذان الذين معي يشكلا العائلة المسيحية الكبيرة فنصلي سويــًا لأبانا السماوي بنفس وروح واحدة قائلين “أبانا الذي في السموات…”

أخي وأختي تعديا هذا المفهوم فأصبحا كل من لم يشاطرنا حتى بنفس إيماننا فبلمستنا وأحساسنا الأخوي لهم نجعلهم يشعرون بإنتمائهم لعائلة الله الأب فيكتشفون يومــًا علاقة البنوة الإلهية التي أفتقدوها يومـًا ما.

هل يترك الأب السماوي أبناءه ويبعدهم عن ميراث الحياة الأبدية ؟ هل نحن مصممين أن نسير في درب القداسة هذا فنرث هذا الأرث العظيم ؟ هل سبق وإن أكتشفنا عمق العلاقة التي يطلبها منا يسوع المسيح مع أخوتنا البشر ؟

ليكن نصنا الإنجيلي اليوم مصدر تأمل شخصي لكل فرد منا ومصدر نعمه وحياة متجددة مع الله الأب.

آمين…….

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

تأمل في إنجيل الأحد عيد الثالوث الأقدس / الثاني من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد 30 أيار 2010

عيد الثالوث الأقدس / الثاني من الرسل

لو 7/31-50

” فقالَ لِلمَرأَة: ((إِيمانُكِ خَلَّصَكِ فاذهَبي بِسَلام.))”

ها نحن نختتم الشهر المريمي، شهرٌ صلى فيه المؤمنون إكرامــًا لإمرأة بسيطة سلمت ذاتها لأنها أمنت من اللحظة الأولى بكلام الرب ودعوته فقالت “نعم، ها أنا آمة الرب فليفعل بي ما يشاء”، لامرأةً أصبحت أم الفادي فجاز سيفٌ في قلبها عند رؤيته معلقــًا على الصليب، لامرأةً واكبت رسالة الله حتى الرمق الأخير فتوجها في ملكوته وغمرها بروحه القدوس حينما حل عليها وعلى الرسل المجتمعين معها روح الله في عيد العنصرة حيث كان الرسل “مثابرين على الصلاة، مع بعض النساء، ومع مريم، أم يسوع، ومع إخوته” كما يخبرنا كتاب أعمال الرسل (1، 14).

مريم مع الرسل عاشوا خبرة الوحدة التي نادى بها الرب فكانوا قلبـًا واحدًا وروحــًا واحدة فجسدوا معــًا هدف العنصرة وبدؤوا بالسير في درب حمل رسالة الله فكما قال البابا بندكتس السادس عشر يوم الأحد الماضي قبيل تلاوة صلاة افرحي يا ملكة السماء : ” في عيد العنصرة هذا، نحن أيضًا نريد أن نكون متحدين روحيًا بأم المسيح وبالكنيسة إذ نطلب بإيمان فيضًا جديدًا للباراقليط الإلهي. نطلب هذا الفيض لأجل كل الكنيسة، بشكل خاص في هذه السنة الكهنوتية، لأجل خدام الإنجيل، لكيما تُعلن رسالة الخلاص لكل البشر” ويضيف قائـلا ً: “لذا ما من كنيسة دون العنصرة. وأود أن أضيف، ما من عنصرة دون العذراء مريم”

مريم لعبت دورًا عظيمـًا في إيصال رسالة الله لبني البشر، فبأيمانها تجسد سر الخلاص، تجسدت محبة الله لنا. واليوم إيمان المرأة الخاطئة خلصها بل جعلها درســًا رائعـًا لكل من يعتقد بأنه قد ضمن الملكوت وبأنه بمجرد تردده للكنيسة ولصلواتها سيسبق الأخرين في ملكوت الله. البساطة في إيماننا وإعترافنا بعوزنا وضعفنا أمام الله الأب سيجعلننا نستقبله في قلوبنا وسيحل في بيتنا أكلا ً شاربــًا معنا.

قسمٌ من أبناء هذا العالم فقدوا بساطة الرب أو قد تناسوها فبعد اغتناءهم في بلاد المهجر ووصولهم لأرض ٍ علمتهم حرية لم يفهموها ولم يكتشفوا جوهرها لحد الأن، بدءوا يـُسخـِرون قدراتهم لمحاربة بيت الرب وكاهنهم متصورين بأنهم بسلطتهم وقدراتهم المادية والمعنوية سـَيـُصَورون الكنيسة على هواهم ومزاجهم البعيد عن روح الإنجيل وبساطة رسالة المسيح و غفرانه. وبهذا بين المسيح حيرته من بني البشر فيقال: “زمرنا لكم ولم ترقصوا، نحنا لكم ولم تبكوا”.

بساطة مريم هي أعظم صورة للبساطة الإيمانية. فإيماننا لا يحتاج للظواهر ولا للتزمير والتطبيل وحب الاشتهار وسرد البطولات وكأن الخلاص جاء بأيدي البشر وليس بفضل دم يسوع الفادي أو كأن الكنيسة بنيت بفضلهم وليس بفضل المسيح الذي هو الحجر الأساس و رأس الزاوية.

لوقا يذكر لنا هذا المقطع الرائع والذي يـُعظم به يسوع الرب ويـُبين تجسد الثالوث الأقدس في أقواله. يذكر لوقا المقطع هذا بعد أرسال السبعين تلميذًا ويؤكد بأن بساطة الطفل هي أعظم في أعين الرب من حكمة الحكماء: “في تِلكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ بِدافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس فقال: ((أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّماءِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذِه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وَكَشَفْتَها لِلصِّغار. نَعَم، يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاكَ قَد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مَنِ الِابْنُ إِلاَّ الآب، ولا مَنِ الآبُ إِلاَّ الِابنُ ومَن شاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَهُ لَه))”

بساطة مريم وبساطة المرأة الخاطئة جعلهما قدوة لنا ورمزٌ لإيمان ثابت لا يتزعزع. وها نحن نقترب من الذكرى الثالثة لإستشهاد الأب رغيد كني وثلاثة من شمامسته ليثبتوا لنا بأن بساطتهم ودمائهم التي روت أرض وطننا أصبحت اليوم مثالا ً لنا. مثالا ً لإيمان لا يبعده الخوف والقلق ولا يرهبه العنف والحقد. قـُطع رأس يوحنا المعمذان وصــُلب يسوع، قـُتل الأب رغيد وشمامسته وأخـُتيــل مثلث الرحمات المطران فرج رحو ولا زالت الإغتيالات تنال من مسيحيي العالم بصورة عامة والعراقيين بصورة خاصة، هذا لأنهم دعاة لمحبة ورسال سلام في عالم يرفض السلام ويمقت المحبة.

لا يسعني إلا أن أنوه لإسبوع الصلاة الذي أتمه أخوتنا مسيحيي لبنان من أجل أخوتهم مسيحيي العراق متحدين معهم بالإيمان ومشاركين إياهم في محنتهم هذه التي دامت كثيرًا ومستذكرين معهم شهدائهم الأبرار الذين سقوا بدماهم أرضهم وأرض أجدادهم. فقال موقع شريعة المحبة على صفحته الأولى : “إختتام آسبوع، لا نهاية صلاة… سبعة أيّام صلاة أردناها، شبيهة بأيّام الخلق السبعة برى الله فيها الوجود بجماله، وأخرجه من العدم بحنانه. سبعة أيّام صلاة من أجل إخوتنا المسيحيّين في العراق، علّها تكون تجديد لعمل الخلق في حياتهم، فيخرجون سريعاِ من عدميّة العنف والقتل والحقد والدماء، الى السلام النابع من حبّ الله لأبنائه. سبعة أيّام صلاة قضيناها، نختتمها أحد الثالوث الأقدس، آخر ذبيحة قدّاس أقامها الأب رغيد على أرض العراق قبل أن ينتقل الى قدْاس أبدّي في قلب الله، قدْاس سماويّ يحمل في العراق وكلّ شعب يعاني جور الظلم والعنف والإرهاب، ويرفعه الى رحمة الآب، ليبّدل العنف حبّاً، والإظطهاد تعايشاً، والعذاب رجاء.”

لنتحلى ببساطة مريم وبساطة المرأة الخاطئة ولنتوب ونرجع لله الأب ليستقبلنا بروح الأبوة، روح المحبة والغفران، روح السلام الذي تاقت له نفوسنا منذ زمن بعيد.

آمين…….

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

تأمل في إنجيل الأحد الثاني من الصيف

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١٨ تموز ٢٠١٠

الثاني من الصيف

لو ١٥ : ٤-٣١

()لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد.((

ها هو المعلم ينطق بكلام حي يُنعش ويـُبكت القلوب ويحاكي ضمير الإنسان وواقعه المر في بعض الأحيان. فالإنسان في حياته اليومية العائلية منها والعملية وفي علاقاته الإجتماعية يسقط وسقطاتـه قد تكون موجعة وذو تأثير قوي على واقعه النفسي والروحي. سقطاتنا قد تسوقنا إلى التيهان والضياع في عالم خالي من الرحمة فنغدوا أيحاء ميتين في نفس الوقت. فالضائع هو ذلك الشخص البعيد عن وطنه وبيته والفاقد الإتصال بأهله وأحبائه والماكث في بلاد ليست ببلاده وبين أناس لا يعرفهم ولا تربطه بهم علاقة ما. بتصرفه هذا وفقدان أتصاله بأخيه الإنسان وضياعه في هذا العالم الكبير يدرك التائه بأنه تصرف بغير حكمة وذهب بعيدًا جدًا عن مبتغاه فيندم وينوي تغيير إتجاه حياته والرجوع إلى الطريق الصحيح وتصليح سقطته وعلاقته مع من فقدهم وقطع العلاقة بهم.

غير إن الرجوع ليس دومـًا بالطريق السهل فهو يتطلب الكثير من الشجاعة والعزيمة لتغيير الإتجاه وتصحيح مسار الطريق وطلب الغفران وتحقيق المصالحة. كما إن البعض، منقاد بغرور بطال، يعتقد بأن لديه ما يكفي من القوة لعمل ذلك دون الحاجة لقوة مساندة أخرى تدفعنا للسير قـُدمـًا على هذا الطريق. قوة الله الدافعة والساندة لنا في حياتنا قد ننساها أو نتناساهـا متوهمين بأننا مكتفين ذاتيـًا وغير محتاجين لذلك التدخل الإلهي المملوء محبة.

يسوع في نصنا اليوم يطرح علينا ثلاث قصص تحكي جميعها قصة ضياع وفقدان وتيهان ومن ثم بحث بإصرار وتصميم وبعدها بهجة وفرح باللقاء وبرؤية المفقود من جديد. غير إن القصص الثلاثة تتدرج بقيمة المفقود فالأولى تحكي فقدان حيوان (خروف) والثانية تسرد فقدان مادة (درهم) والثالثة تشير إلى ضياع إنسان. فإذا كان فرحنا كبير بإيجاد الحيوان الضائع أو الدرهم المفقود فكم بالأحرى سيكون فرحنا برجوع الابن الضال أو التائه.

القصة الأخيرة سـُميت بأسامي كـُثـُر، فمنهم من يسميها “الابن الضال” ومنهم من يسميها بـ “الابن المسرف” ….ألخ لست بصدد سرد الأسامي هنا لكني أود التنويه على الدراسة المعمقة والكثيرة التي كرسها الكثير من اللاهوتيين من أجل أظهار جوهر القصة وتبيين شخصياتها. فيسوع يقص مثل قصير تربوي مؤثر وبسيط ومفهوم للصغير وللكبير في أن واحد. فالأب هو الله بمحبته اللامتناهية يبقى منتظرًا أبنه التائه والأبنين قد يكونان كل واحد منا.

كلما قرأت هذه القصة تأتي لوحة الفنان الهولندي رامبرانت الشهيرة على بالي. فيها نجد الأب يحتضن أبنه القادم بلمسة حنونة مملوءة بحب أبوي وأمومي في أن واحد متمثل باليدين الخشنة والملساء التي تلمس كتف الأبن الراجع لأحضان الأب والجاثو على ركبتيه أمامه. والشخصيات الخلفية مرسومة باللون الغامق مسلطـًا الضوء على الأب والابن كي ليؤكد على شخصيتيهما والعلاقة الحميمة بينهما.

لوحة رائعة لا تخلو من معاني فالأب منحني الظهر أرهقه التعب من الوقوف والأنتظار والسير بين داخل البيت وخارجه منتظرًا رجوع أبنه. يشكو الأب من عينه التي تضررت بسبب السهر الطويل وترقب رجوع الابن وبسبب الدموع الغزيرة التي سـُكبت نتيجة مغادرته الدار وتلك التي غمرت بفرح للقياه راجعـًا للدار.

أما الابن العائد الخجل والغير قادر على رؤية والده وتبادل النظرات معه، فقد لاصق رأسهُ ببطن (بأحشاء) أبيه وكأنه أيقن بان من ذلك المكان “أحشاء أبيه” يخرج كل الحب والحنان. فمن رحم الأم يولد الانسان ومن رحم الكنيسة يولد المسيحي. والرحم هو جذر ومصدر الرحمة وينبوعها والله لا يمكنهُ غلق مراحمه “أنَسيَ اللهُ رأفَتَه أَم حَبَسَ مِنَ الغَضَبِ أَحشاءه؟” (مز 76). فالذي جرى إذن هو أبعد وأعمق بكثير من الإرتماء بين أحضان الأب الذي ما إن رأى خطوة واحدة من إبنه حتى وأخذ من جانبه مئات الخطوات باتجاه أبنه “وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلا ً”

نحن أمام ولادة جديدة للابن من مراحم الله الاب.الذي لايمكنه أن ينسى ولو للحظة أبناء أحشاءه “أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ فأَنا لا أَنْساكِ.” (أش 49)

كي نعبر من جفاف وهلاك الموت “وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعاً! ” إلى ملئ الحياة (حياة كريمة مملوءة فرح وبهجة “أتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم”) يجب علينا الرجوع لله واستقبال عطاياه (الارتماء بأحضانه الأبوية، لبس ثياب الطهارة التي يلبسنا إياها والانتعال بحذاء الشجاعة للمضي بثقة في طريق الرب، لبس خاتم العهد المقطوع معه “أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً”)

حـُب الله لا يمكن وراثته فهو كينبوع لا ينبض يروي بصورة دائمية ومستمرة الإنسانية. حب الله ليس بسجن يكبلنا بسلاسله الثقيلة بل هو علاقة مرنة وحرة مع من أحبنا نستطيع تركها متى ما شئنا بمحض إرادتنا. الإختيار أختيارنا وعلينا أن نفرق بين عالم الحياة وينبوع المحبة والسلام وعالم البؤس والظلام. ولنتذكر ما قاله يسوع : “أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي.” فلنرجع إلى واهب الحياة وينبوعها لأنه ينتظرنا بشوق لا مثيل له.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

Michigan SEO