الحكم

 

الحكم

 

لم ترد كلمة دولة في القرآن الا في الآية السابعة من سورة الحشر بمعنى التداول وليس مدلولها تاليا ما في اللفظة الحديثة من مدلول أي لا تحمل مدلولا سياسيا. حاولت ان أفهم كلمة حكم في القرآن فلم أجد لها مضمونا سياسيا. هذه المفردة معطوفة على لفظة الكتاب ومعطوفة عليها كلمة نبوءة في سورة النساء. العبارة هي حكم الله في سورة المائدة والانعام ويوسف وسور اخرى. لا يسعنا اذًا ان نفتش عن مقولة الدولة في المصدر الأساسي والاول في الإسلام.

في العهد الجديد كلمة واحدة عن قيصر ولا تحمل تنظيرا سياسيا انما هي ذكر لواقع. حتى عند بولس ليس الا من إشارة الى وجود دولة في رسالته الى أهل رومية. في كل الديانات التوحيدية ليس من حديث اطلاقا على شكل الدولة أو تركيبها النظري وعلاقة سلطاتها. المعلم الأوضح والأعظم في هذا النطاق مونتسكيو والفكر الذي أحاط بالثورة الفرنسية. الفكرة المدنية كما شرعتها الديموقراطيات ملزمة ايانا لكون فكرة الدولة الدينية ايا كان الدين امرا عقليا، بشريا، تاريخيا لا علاقة له بالله من أي جانب.

هناك وقائع من نظام القبيلة الي الملكية والجمهوريات. سعينا ان نفهم على ما اجمعت عليه الأمم المتحضرة. فرأينا الحكم نظاما يتفق عليه الشعب حسب أسس باتت مقبولة.

هذه الشعوب لا تقبل، جملة، الثيوقراطية، أي الحكم الإلهي الذي رأينا ان الله لم يتكلّم عليه اذ الخطر الكبير تأويل بعض من النصوص الدينية التأسيسيّة وخلط الوحي بما هو بشري محض. فلا بد من اعتبار ان تبدل الأحكام بتبدل الأزمان. والعقول ترى اشياء جديدة لم تنزل في كتاب وترى التكنولوجيا التي لا تستطيع انت التماس وجودها قبل ان توجد ولكن يبقى العدل والمساواة أمام القانون والحرية أي حريتك في ما تعتبره حقيقة وفي ما تعتبره شرائح اخرى حقيقة فمن كان مثلا كافرا لديك له في ذلك حق أي له في هذا سياسة والتزام. «ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف، ٢٩). وهذا يعني له في هذه العجالة ليس امرا خاصا فحسب ولكن امر جماعي يحتم تعايش المؤمنين والكفرة في دولة واحدة.

على هذا الأساس التعايش عند اهل الله واهل البعد عنه تركب الدولة التي تجعل الناس جميعا يطمئنون الى حرياتهم وسبل عيشهم ومشاركتهم في بنيان الحكم بما اوتوا من عقل.

وهذا يستلزم فصل السلطات الثلاث الإجرائية والتشريعية والقضائية تأمينا لمساواة المواطنين أياً كان اختلافهم والأمر الذي لا يسوغ الخلاف عليه هو حب الوطن وخدمته في الإخلاص والنزاهة والعطاء له.

هنا يبطل الفارق بين الحاكم والمواطن العادي لأن الحاكم مسؤول حسب دستور أو أعراف أمام المواطن الذي له البلد. الحاكم في حقيقته موظف عند من سمي المحكوم الذي يغيره في النظام الانتخابي الذي يضعه الشعب في مجلس النواب ويتغير في الدولة الحديثة لأن الدولة في العربية من دال، يدول أي يتغيّر المسؤولون فيها بالضرورة حسب درايتهم وفهمهم وكفايتهم واخلاقهم لكي يتسنى لكل الناس المشاركة. ويبقى الشعب مراقبا للحاكم الموضوع لخدمته.

اجل ليس من نظام تتأمن فيه طهارة الحكم. هكذا المقامات كلها في دنياكم. فالوالد ليس دائما والدا صالحا ولكنك تعامله من حيث انه والد أي أقله بالاحترام. والموكل بشأن الجماعة الدينية كما في المسيحية فليس ما يدل على انه اعظم الناس ايمانا ولكنك تعامله على الأقل بالاحترام وهو في القانون الكنسي خاضع للمحاكمة أمام المرجع الصالح.

في الدولة المدنية يحاكم رئيس البلاد في الخيانة العظمى وكل موظفيها وفيها تأديب قبل اجراء انتخابات جديدة الا اذا اصيب المسؤول بطبائع الاستبداد كما يقول الكواكبي.

الى هذا هناك صبر على الخطايا ومواجهات سلمية بالتعابير السياسية المختلفة. ولكني لست أوافق القديس توما الاكويني الذي أحل في حالات الظلم القصوى قتل الملك. الدم يجر الدم ودم الظالم مسؤوليتي أمام الله. وانتظر ما دام ذلك ممكنا. واحترم عند ضرورة الاحتدام وأشتد اذا دعت الحاجة الى اشتداد. خارج احترام الحياة ليس من مقدس والله وحده صاحب الحياة والموت. الذي يستقبل البشر يوم القيامة وحده يدين.

آن لهذا البلد ان يقول لحاكميه ان يحبوا لبنان كما الله أحبه وكما يحبه أولو الله. الوطن ليس ملك واحد ليبيده. لا السيد ولا المسود أقامه الله للاستمتاع بمقدرات البلد.

“انتم تعلمون ان الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وان عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكن هذا فيكم. بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما ومن اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدا” (مرقس 10: 42-44).

هذه الروحية تحل المشاكل. لا يدار بلد بلا روح. الوطن لا تسوده فقط النصوص الموضوعة. القلب اهم من كل ترتيب وتنظيم. لبنان ينقصه روح وقوانينه من أجمل القوانين. والقضاة الذين كنت أتابعهم في مطلع شبابي من أهم القضاة علمًا وأخلاقًا. ويمكن الرجوع الى نوعيتهم. ولكن من يعطينا نفحات روحية اليوم نجدّد فيها قلوبنا فينبعث البلد.

الكيد وتحزب الشرائح والأفراد وربما اشتهاء المال والسلطة هي ليست اقل من كراهية البلد وايثار المنافع الشخصية. هي بيع البلد للشيطان وإعدامه في الفكر والسلوك. كبار في البلد وضعونا في اللاشيء. تدخل قوى خارجة عن لبنان في قضايانا لا يمنح احدا عذرا ليستقيم. لم ينزل من عند ربك سوى الحق. والحق وحده يجب ان يحكم الحاكم والمحكوم.

هذا البلد ممكن الوجود وممكن البقاء اذا شاء من يجب ان يشاء ومن ابى يستقيل أو يغادر لأن اولادنا يريدون ان يعيشوا وان يفخروا ببلدهم ولكن لا بد له من وضع معقول لكي يعطي ويعطى. في هذا المعطى له ان يستلم الحق ويورثه أي ان يجعل الله حاكمه فيدخل في إدارة سليمة وبذل دائم. متى نعود الى ان نصير نموذجا للإخوة العرب لنتمكّن من خدمة الرب في سبيل الانسانية جمعاء. هذا سيتم ان قبلنا ان يكون فينا الحكم لله.

 

المطران جورج خضر     

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO