المحاضرة الثانية: تاريخ الخلاص هو قصة حب بين الله وشعبه.. مسلسل العهد والخيانة

المحاضرة الثانية: تاريخ الخلاص هو قصة حب بين الله وشعبه.. مسلسل العهد والخيانة

الأب ديفيد نيوهاوس – القدس

  

نكمل سلسلة المحاضرات ضمن مشروع “خمسة دقائق مع الكتاب المقدس يومياً”، بمناسبة إقرار سينودس الأساقفة الخاص بالشرق الأوسط لتكون سنة 2011 عاماً للكتاب المقدس. في هذه المحاضرة إطلالة على تاريخ الخلاص، مع الأب ديفيد نيوهاوس اليسوعي، النائب البطريركي للجماعة الكاثوليكية الناطقة باللغة العبرية (الكاهيلا) في إسرائيل، والمحاضر في الكتاب المقدس في المعهد الإكليريكي التابع لبطريركية اللاتين في بيت جالا.

 

المقدمة

 

تقرأ الكنيسة الكتاب المقدس كقصة حب بين الله والبشرية. هي قصة فريدة يملؤها فرح كبير ناجم عن الحب، كما يملؤها ألم مرير ناجم عن الخيانة. خلق الله الإنسان لإقامة علاقة مودة معه. والقصة بين الاثنين هي قصة بركة ونعمة بدأت منذ أصول البشرية. والدعوة الإنسانية تقوم على هذه الحقيقة: الإنسان مدعو للعيش من أجل شخص اخر، وليس من أجل ذاته. خُلق الإنسان للحب، غير أنه أخفق العيش في حدود هذا الحب. والإخفاق ناتج عن خبرة الخطيئة التي يسردها علينا الكتاب المقدس. ورفض محبة الله هو جزء لا يتجزأ من قصة هذا الحب. ورغم الخطيئة، التي هي خيانة الإنسان لمحبة الله، يظل الله مخلصا وفيا، ويحاول ساعيا إلى تجديد تلك المحبة رغم إخفاقات الإنسان الكثيرة. وهذا السعي المتواصل يكشفه لنا تاريخ الخلاص ويرويه لنا الكتاب المقدس. إذاً، نحن أمام روايتين الاولى تتعلق بالبركة والثانية بالخطيئة. وكلاهما يتشابكان ويشكلان تاريخ الخلاص كما يرويه الكتاب المقدس.

 

وتتابع الكنيسة مسلسل الحب بين الله والبشر، كما ورد في الكتاب المقدس، على أربعة مراحل:

 

1. الإنسان (آدم) خُلق للحب ورفض ذلك الحب (التكوين 1-11).

 

2. الشعب العبري الذي جعله الله شعبا له، مدعو لتجديد ذلك الحب. انها قصة نجاح وفشل (التكوين 12 – ملاخي).

 

 

3. يسوع المسيح هو الصورة المثالية لحب الله.

 

4. الكنيسة، شعب الله في العهد الجديد، مدعوة للعيش في حب المسيح. وقصتها ايضا تتراوح بين النجاح والفشل (أعمال الرسل – الرؤيا).

 

يسعى ألله إلى الدخول في علاقة محبة دائمة مع البشرية عن طريق عهد يتقيد هو نفسه به ويدعو البشر لأن يتقيدوا به أيضا. والكتاب المقدس يتحدث عن عدد من “العهود” (جميع هذه التعابير تشير إلى استمرارية العهد الإلهي الواحد) – مع آدم، ومع نوح، ومع إبراهيم، ومع داود وفي النهاية مع شعب إسرائيل في العهد القديم، ومن ثم في العهد الجديد، عهد اكتمل بدم المسيح مع كل من يؤمن به. إن تأملنا في المراحل الأولى للمسلسل كما يرويها العهد القديم، نتمكن من إقامة علاقة أوثق مع الآب كما بيّنها لنا الإبن بكمالها في العهد الجديد. وتاريخ الخلاص هو تاريخنا ككنيسة وكأفراد.

 

1. الفصل الأول من مسلسل المحبة – الإنسان (التكوين 1 -11)

 

إن المبادرة الإلهية في الخلق (كما جاءت في الفصل الأول والثاني من سفر التكوين) ما هي إلا مبادرة محبة. يقيم الله حيزا لسواه، للإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله، فيخلق الكون، وهو المكان الذي يعيش فيه علاقة المحبة التي يريدها مع هذا الإنسان. ودعي آدم لأن يشارك في حياه الله الحميمة وهو امتياز لا يشارك فيه غيره من الخلائق. ولم يوح الله لآدم كلمته فقط بل أوحى ذاته.

 

على أية حال، لا يُظهر لنا الكتاب المقدس هذا الوحي على شكل مونولوج أي كلام شخص مفرد! بل على شكل حوار: يتكلم الله مع آدم، وآدم مدعو أن يتكلم مع الله. وتعبر بينهما النسمة الإلهية، الروح الذي يعطي صوتا للكلمة المتبادلة بمحبة والتي تجمع الخالق بالمخلوق كما لو كانت علاقة اب بابنه. وأما مسؤلية آدم في السيطرة على الخليقة فهي مشروطة بالمحافظة على التواصل مع الله. وأما التواصل هذا فيتضمن وعيا مستمرا بأن الله وحده قدوس وعلى الإنسان أن يستغفره باستمرار لان الانسان يفشل في الارتقاء إلى مستوى المحبة التي يظهرها الله له.

 

 إن خيانة آدم لمحبة الله والتي أدت إلى هروبه من وجهه تعالى، سبّبت انقطاعا في العلاقة الحميمة بين الله وآدم. وهذه الخيانة تدعى بالخطيئة ويتأتى من جرّائها الخوف. والخطيئة الأصلية وُصفت في أربع مراحل: أكل آدم وحواء للثمرة المحرمة (التكوين 3)، قتل قاين لهابيل (التكوين 4)، ارتكاب الخطايا التي أدت إلى الطوفان (التكوين 6-9)، وبناء برج بابل (التكوين 11). في كل مرة، تتم خطيئة الإنسان من جراء مخالفة صريحة لكلمة الله أي وصيته، وبدلا من الإسراع في طلب المغفرة من الخالق المحب، يختبئ ادم خجلا وخوفا ويحاول إلقاء اللوم على سواه. وينتج عن ذلك استبعاد الله، الذي أوجد الحياة والمغفرة، وهذا الاستبعاد يؤدي حتما إلى الموت.

 

غَضَب الله هو أيضا لحظة رؤيا واكتشاف جديد. لا يمكن لله أن يكون غير مبال بخيانتنا: بالعكس هو مبال والى أبعد الحدود! عندما قرر آدم أن يختبئ خوفا من الله وجد نفسه خارج الجنة وبقي يحلم بعودة أخذت تبدو له مستحيلة. غير أنه في اللحظة التي قُطعت العلاقة فيها مع الله أظهرالله محبته لآدم. ومذ هذه اللحظة يبدأ تاريخ الخلاص، حيث أن الله يعمل دائما على تأكيد عودة آدم إلى وضعه الصحيح كابنٍ لله.

 

2. الفصل الثاني لقصة الحب: دعوة شعب خاص (التكوين 12 – ملاخي)

 

وأما الخبر السار الذي يتخلل تاريخ الخلاص في مجمل الكتاب المقدس هو أنه رغم آثامنا وخيانتنا، لم يتخل الله عنا وبقي مخلصا وبمثابة أب لابنه. وجد الله في إبراهيم إنسانا مؤمنا ومثاليا. ومن خلال ذريته تأمل أن يعيد البشرية إلى الألفة معه بعد مراحل الخطيئة الأربع. الإيمان هو الإنفتاح على العلاقة مع الله حيث لا مكان للخوف بل للثقة الكاملة. واختار الله شعبا خاصا ليكون شعب الإيمان، وهو الذي سيجاهر بإله الحياة، والغفران، والمحبة للعالم.

 

قال الله لإبراهيم بأنه سيكون بركة (تكوين 12:2). وبعد اللعنات التي حلت بالإنسان بسبب الخطيئة، ينادي الله هذا الشخص ويسعى إلى جعله هو وذريته بركة مرة أخرى. ولغاية هذه المرحلة من قصة التكوين، كان الله يبارك الخليقة والناس، غير أنه من الملفت بمكان أن إبراهيم يدعى أن يكون البركة. للمرة الأولى تجسدت البركة في إنسان سيكون بركة للبشرية جمعاء وللخليقة بكاملها. في الحقيقة إن هذه لفاتحة جديدة بعد ظلمة الخطيئة التي أوشكت أن تمحو  البركة الأصلية المُدَوّية في الفصلين الأولين لسفر التكوين.

 

يتضمن العهد مع إبراهيم وعدا لأن يكون أبا لشعب جديد. فذرية إبراهيم ستصبح شعب إسرائيل، الشعب المطلوب منه أن يعيش في القداسة والعدل وبذا أن يكون نورا للشعوب. نحن سكان هذه البلاد، كثيرا ما نتسائل ونُسأَل عن هذه النقطة من تاريخ الخلاص. إنها على ما يبدو تخالف المبدأ اللاهوتي بأنه ليس لدى الله محاباة للوجوه وأن الله يحب الجميع سواسية. إذاً ما معنى أن اختيار الله رسا على إسرائيل؟ من الأهمية بمكان أن نتذكر أن الله يسعى إلى بسط البركة عن طريق هذا الشعب على البشرية جمعاء، وهذا ما فعله تماما بيسوع المسيح، الذي تجسد أبنا لهذا الشعب. إن يسوع هو البركة التي دعي أن يكونها إبراهيم وذريته. على أية حال، لا يفرض الله نفسه على البشرية التي احتاجت الى قرون طويلة من الجهد وتصبب العرق والدم والدموع قبل أن ينبلج عصر العهد الجديد. ويسرد العهد القديم هذه القصة الطويلة حتى نتمكن نحن أيضا من فهم الاسلوب الذي ربى به الله شعب إسرائيل حتى يتمكن هذا الشعب من إعطاء مسيحه للعالم الذي ينتظر الخلاص. (وأسمح لنفسي بتذكير الذين يتضايقون من الجملة الاخيرة بضرورة التفريق بوضوح بين إسرائيل العهد القديم ودوله إسرائيل في أيامنا الحاضرة).

 

إسرائيل العهد القديم وُلد كشعب مُستعبَد في مصر وقاده موسى إلى سيناء حيث استجاب الشعب للشريعة التي أعطاها الله له، بعبارته المُدَوّية ” كل ما تكلم به الرب نعمل به” (الخروج 24:3.7). هذا شعب يريد الخدمة بصفته خادما لله ونورا للأمم. يقودهم الله ألى الأرض التي وعد بها لتكون لهم مكانا يعيشون فيه دعوتهم. وبينما هو سائر في الطريق، أظهر الشعب ضعفه البشري رافضا الثقة بالله والعمل بإرادته. وبدلا من أن تستغرق الرحلة من سيناء إلى حدود أرض الميعاد مدة أحد عشر يوما، احتاج الشعب إلى أربعين سنة للوصول. هذا يعلمنا أن الله قد يدخلنا الملكوت بلحظة ولكن خطايانا تتسبب في تأخير العملية هذه.

 

إن العهد الذي أُبرم بحرارة وبدأ بحماس كبير تعرض للنقض والنكوث. وسوف يذكّر الأنبياء الناس مرارا وتكرارا بأنهم فشلوا وأخلوا بالتزامهم. ان إخلاص الله لهم سيوصلهم إلى أرض الميعاد غير أن عدم إخلاصهم سيقودهم إلى المنفى. وأما إخلاص الله فسيعيدهم إلى البلاد لعمرانها ولاعادة تشييد الهيكل، غير أن الخطيئة ستهيمن  من جديد وسيتأرجح الشعب بين الطاعة لكلمة الله والخنوع إلى الخطيئة. من هو ملك إسرائيل؟ هل هو الله؟ أو إنه ذلك الملك البشري الذي يسعون إلى تتويجه؟ تُبين لنا كتب التاريخ كيف يقود الملوك عادة شعبهم إلى الخطيئة. إنه دور الحكماء (في أسفار الحكمة) والأنبياء (من إشعيا والى ملاخي) أن يذكروا الشعب بواجبهم في العيش بروح الله بدلا من اتباع أهواء هذا العالم.

 

في النهاية، قله باقية من ذلك الشعب المدعو للقداسة يكافح للعيش في أمانة لكلمة الله. فنجد من بينهم عظماء إسرائيل في العهد القديم وبالأخص الأنبياء والحكماء، وفي العهد الجديد، نجد فقراء الله مثل مريم ويوسف، وزكريا وإليصابات، وسمعان وحنه.

 

3. الفصل الثالث لقصة الحب: الله يرسل ابنه (متى – يوحنا)

 

قصة إسرائيل في العهد القديم تبلغ القمة بمجئ يسوع المسيح، وهو ابن الشعب المختار، كما وصفته أسفار الإنجيل الأربعة. وأهله هم من القلة الباقية، هؤلاء المؤمنين الذين يعيشون كلمة الله ويحفظون عهده. كلمة “نعم” من مريم هي صدى لكلمة “نعم” من الشعب في سيناء.

 

ونرى في يسوع المسيح الامر”الجديد”: الكلمة التي صارت جسدا ودما. وبينما أظهر الله عظمة كلمته في العهد القديم، فإنه في العهد الجديد يظهر الطاعة المثلى لتلك الكلمة من خلال حياة وأعمال يسوع المسيح، ذلك الإنسان الذي هو من لحم ودم. فهو من كُتبت كلمة الله في قلبه، مُبيّنا لنا معنى “العهد الجديد” كما ورد في وصف إرميا النبي: “ها إنها تأتي أيام، يقول الرب، أقطع فيها مع بيت إسرائيل (وبيت يهودا) عهدا جديداً، (…) هذا العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في بواطنهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا” (إرميا 31:31-33). هذه حقيقة حياة المسيح، الذي عاش بالطاعة الكاملة لله، تلك الطاعة التي وصلت به إلى الموت على الصليب. عرف تلاميذه أنه مات من أجلنا، وكان أبوه قد أرسله ليبذل حياته كأسمى فعل تتجلى فيه المحبة لكل من آمن به. ومن خلال تأملنا في يسوع المصلوب وحده نتمكن من أن نعي اثمنا وأن نتوسل إلى الله كي يغفر لنا خطايانا. ومن أجل هذا جاء المسيح إلى العالم، كحمل يحمل خطايا العالم. وبدم المسيح تجدَّد العهد مرة أخرى وإلى الأبد إذ أن البشرية مدعوة للتأمل في تجسد كلمة الله وأن تتشبه به.

 

طاعة المسيح تُظهر لنا إخلاص الله. ذلك أن القبر الخالي الذي اكتشفه رسل المسيح في اليوم الثالث هو البرهان القاطع على إيماننا. لا يدع الله الكلمة الأخيرة للموت بل يقهر الموت بالقيامة. المسيح الذي قام من بين الأموات يجسد الإنتصار على الموت، ذلك الموت الذي تغلغل في العالم عن طريق الخطيئة والخوف.

 

4. الفصل الرابع من قصة الحب: دعوة الكنيسة (الأعمال – الرؤيا)

 

إن دعوة شعب العهد القديم يوازي دعوة الكنيسة في العهد الجديد. تماما مثلما دعيت إسرائيل لعيش كلمة الله التي أعطيت في سيناء، هكذا دعيت الكنيسة للعيش على مثال كلمة الله المتجسدة، وهي المسيح. بهبة الروح القدس فقط تصبح الجماعة حية، مستعدة لقبول دعوتها الصحيحة الى البنوة الالهية – العيش كأبناء وبنات لله في عالم لم يعد يعي وجود المسيح. الروح القدس أحيا المسيح الذي مات، وهو معطي الحياة، وها ان الذي أسلم الروح على الصليب يستردها بعد ثلاثة ايام. والروح القدس نفسه هو الذي يبث الحياة في جماعة المؤمنين منذ يوم العنصرة حتى اليوم.

 

رغم أن أسفار الإنجيل تضمنت وعدا بولادة “شعب لله” (نواته التلاميذ الإثنا عشر) فان الوعد تم فعلا بعد موت المسيح فقط. التلاميذ الذين كانوا في البدء مدعوين لأن يتبعوا المسيح (والذين فهموا القليل اثناء حياة المسيح على الأرض) مدعوون الآن لأن ينوبوا عن المسيح اذ قال لهم: “إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (متى 28:19). كم هي مسؤولية كبيرة! هذه هي دعوتنا أيضا، دعوتنا ككنيسة: “أما أنتم فانكم ذرية مختارة وجماعة الملك الكهنوتية وأُمة مقدسة وشعب اقتناه الله للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب” (بطرس الأولى 2:9).

 

حياة الجماعة الاولى كما وردت في أعمال الرسل هي قصة واقعية. ورغم التأكيد على الحياة في الروح القدس، لا يخلو كتاب أعمال الرسل من الخيانات والتذمر والفشل. كانت المسؤولية كبيرة جدا حيث أنه كان مطلوبا من هؤلاء المدعوين أن يجسدوا بنوة الله على الأرض. وبما أن الكنيسة تخلت عن روح العالم، وعاشت في الروح القدس وهو عطية الله، فهي وسيلة الله لخلاص جميع الشعوب. وبعد مجيء المسيح مطلوب من الجماعة أن تنفتح لتتقبل وتضم جميع امم العالم.

 

في حين أن رسائل الرسل تحث الكنيسة على عيش الإخلاص لكلمة الله، فان كتاب الرؤيا، رغم لغته الغريبة ورموزه، هو الذي يصف كمال دعوة الكنيسة. في نهاية الكتاب المقدس، نجد صورة عن الكنيسة التي تعيش كلمة الله وبالتالي تغدو عروس ابن الله المحبوب. بدأ كتاب التوراة بوصف دعوة البشرية لان تكون خليقة خُلقت للمحبة (حب الله والحب في الزواج وفي المجتمع)، ويختتم العهد الجديد بصورة رائعة لتلك المحبة التي هي الكنيسة، عروس المسيح والتي لديها الاستعداد والرضا لتنادي عريسها قائلة: “تعال، أيها الرب يسوع” (رؤيا 22:20).

 

GMT ص 06:46 03 حزيران 2011

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO