عيد الثالوث الأقدس

عيد الثالوث الأقدس

الشماس نوري إيشوع مندو

القراءات الطقسية:

القراءة الأولى: أعمال الرسل 4 / 5 _ 22 فلما كان الغد اجتمع في أورشليم . . .

القراءة الثانية: 1 قورنتس 5 / 6 _ 13 لا يحسن بكم أن تفتخروا! أما تعلمون .

+ قورنتس 6 / 1 _ 11 أيجرؤا أحدكم إذا كان له شيء . . .

القراءة الثانية: لوقا 7 / 30 _ 50 فبمن أشبه أهل هذا الجيل؟ ومن يشبهون؟ .

الثالوث الأقدس: تدل كلمة ثالوث على تسمية الله بكونه في ثلاثة أقانيم متساوية في الجوهر، في طبيعة واحدة لا تتجزأ. لم يوحِ العهد القديم بثالوث الأقانيم في الله، لكنه مهد لهذا الوحي بطرق مختلفة. فالوحي التام الذي تم في يسوع المسيح مكَّن من إدراك ما تعنيه تماماً تلك التمهيدات.

والعهد الجديد لا يحتوي على ألفاظ ثالوثية. وليس هناك نصوص تأتي بعقيدة يعبر عنها بألفاظ مجردة، بل إن الله كشف عن حياته الخاصة بتدبيره الخلاصي، حيث يدنو البشر من الآب والابن والروح القدس يكشفون عما يميز بينهم في عمل المسيح الخلاصي، الذي يظهر صلاتهم الأزلية.[1]

فالإيمان المسيحي يقر بإله واحد، وفي الوقت عينه يعترف بأن في الله أقانيم ثلاثة متميزة عن بعضها هي: الآب والابن والروح القدس. وهذا سر يفوق لا فقط إدراك البشر فقط، بل إدراك السائلين الباحثين عنه أيضاً، لأن فيه سراً إلهياً لا يسبر غوره إلا روح الله وحده. ولم يعطَ للإنسان أن يفهم الله كما هو في جوهره. وعليه فوجود السر في الدين أمر ضروري، وإلا لوقف العقل البشري مدعياً بإلوهيته، وصدق في مدعاه. وقد أجهد الفكر آباء الكنيسة وملافنتها، في عمق هذا السر الذي لا يمكن نقض وجوده، وافتكروا ليس في حله بل في إعطاء شرح يستريح به العقل البشري، فميزوا الأقانيم الثلاثة في الله باستنادهم إلى ما جاء في الإنجيل. ويذكر إنجيل يوحنا عن أن الأب والابن واحد، ” أنا والآب واحد ” ( يوحنا 10: 30 ). ” ما هو لي هو لك، وما هو لك فهو لي ” ( يوحنا 17: 10 ). ” من رآني رأى الآب ” ( يوحنا 14: 9 ). ” لا يستطيع الابن أن يفعل شيئاً من عنده، بل لا يفعل إلا ما يرى الآب بفعله. فما فعله الآب يفعله الابن على مثاله، لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما يفعل، وسيريه أعمالاً أعظم فتعجبون ” ( يوحنا 5: 19 _ 20 ). من خلال هذه الآيات نرى أن الآب قد سلم كل شيء بل وكل ما هو له بيد ابنه يسوع المسيح. ولهذا فالابن يسوع الآخذ كل شيء بيده، والضابط الكل تحت حوزته يأخذه ويضبطه بما أنه من الآب. وبقدر ما نتأمل في حياة المسيح يسوع نشعر أنها حياة متجهة نحو آخر. فإن الحياة والنعمة والنور قد أتته من الآب. وإن كان الابن لا يعمل شيئاً ولا يقول شيئاً إلا بالآب، فما ذلك إلا لأن الكل بين الآب والابن مشترك: العمل، الحياة، الوجود. كلها تدل على أن الابن يجب أن يكون في الآب، والآب في الابن. ولهذا فالملافنة اللاهوتيون وكل التقليد المسيحي قد قال: لا يمكن أن يفهم الآب إلا بالابن، ولا الابن إلا بالآب.

كما نؤمن ونعلم أن الروح القدس ما هو إلا المحبة. والحال إن الحب فينا يوحد الكلمة مع العقل. فكما أن العقل الذي هو قوة جوهرية في الطبيعة مثلاً في الملاك وفي النفس الناطقة، إذا عقل موضوعاً ما، فهو يرسم في ذاك الموضوع صورته صالحاً أو طالحاً. وحينئذ تبرز الإرادة مفعولها نحو الموضوع نفسه إما بحبها إياه لصلاحه، وإما بكرهها إياه لطلاحه. فكذلك على سبيل المقايسة نقول: إن الله روح أي جوهر محض، وله ضرورة فعل التعقل والإدراك دائماً، فهو منذ الأزل يدرك ذاته. وحد هذا التعقل والإدراك هو صورة حية صادرة عن الذات بمعزل عن القوة العاقلة. ثم أنه يحب هذه الصورة سرمداً بقوة إرادته الحية الفاعلة، وحد هذا الحب ينتهي بطلعة أخرى غير القوة التي تحب بالإرادة، لأن المحبوب هو غير المحب. كما أن المعقول هو غير العاقل. فكما أن النار وضياءها والإحراق الصادر عنها هي ثلاثة أشياء. كذلك الله في أقانيمه الثلاثة. إن الأقانيم الثلاثة في الله دعيت الآب والابن والروح القدس ليس بالمعنى الذي تفهمه البشرية. فإن الابن صادر من الآب حياً من حي مع وحدة الذات. فكما أن فحوى كلمة وليدة العقل لا تزال بنت العقل وإن لفظها الفم، كذلك الابن دعي: حكمة وصورة وكلمة لصدوره عن فعل الإدراك والتعقل الإلهي الذي هو الحكمة بالذات. وكذا نقول عن الأقنوم الثالث. لأنه بصدوره عن الأب والابن بمبدأ واحد، أي فعل الإرادة وتبادل حب الذات الإلهية، لا يستلزم أبداً كفعل التعقل صدور شبهه. لأن الإرادة لا تبتغي شبهها في المحبوب منها، بل تميل إليه بانعطاف، فيأخذها روح هيجان وفيضان نفس، ولكن لائقين بالله. ولم نجد كلمة تصف هذا الانعطاف أحسن من كلمة الروح القدس.[2]

ويمكن أن نلخص عقيدة الثالوث الأقدس في نقاط ست هي: 1_ الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص واحد. 2_ هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات متميزة الواحدة عن الأخرى. 3_ هذا التثليث في طبيعة الله ليس موقتاً أو ظاهرياً بل أبدي وحقيقي. 4_ هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة بل أن هذه الشخصيات الثلاث جوهر واحد. 5_ الشخصيات الثلاث الآب والابن والروح القدس متساوون. 6_ ولا يوجد تناقض في هذه العقيدة، بل بالأحرى إنها تقدم لنا المفتاح لفهم باقي الديانة المسيحية. ولقد كان يقين الكنيسة وإيمانها بلاهوت المسيح هو الدافع الحتمي لها، لتصوغ حقيقة التثليث في قالب يجعلها المحور الذي تدور حوله كل معرفة المسيحيين بالله في تلك البيئة اليهودية أو الوثنية وتقوم عليه. وأخيراً نشير إلى أن عقيدة التثليث عقيدة سامية ترتفع فوق الإدراك البشري ولا يدركها العقل مجرداً، لأنها ليست وليدة التفكير البشري، بل هي إعلان سماوي يقدمه الوحي المقدس، ويدعمه الاختبار المسيحي.[3]

وتحتفل كنيسة المشرق بعيد الثالوث الأقدس في الأحد الثاني من سابوع الرسل.

1_ معجم الأيمان المسيحي الأب صبحي حموي اليسوعي ص 163 _ 164.

2_ سر الثالوث الأقدس مجلة النجم السنة الثالثة 1930 العدد 1 ص 29 _ 31.

3_ قاموس الكتاب المقدس ص 232 _ 233

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO