تأمل في إنجيل الأحد عيد الثالوث الأقدس / الثاني من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد 30 أيار 2010

عيد الثالوث الأقدس / الثاني من الرسل

لو 7/31-50

” فقالَ لِلمَرأَة: ((إِيمانُكِ خَلَّصَكِ فاذهَبي بِسَلام.))”

ها نحن نختتم الشهر المريمي، شهرٌ صلى فيه المؤمنون إكرامــًا لإمرأة بسيطة سلمت ذاتها لأنها أمنت من اللحظة الأولى بكلام الرب ودعوته فقالت “نعم، ها أنا آمة الرب فليفعل بي ما يشاء”، لامرأةً أصبحت أم الفادي فجاز سيفٌ في قلبها عند رؤيته معلقــًا على الصليب، لامرأةً واكبت رسالة الله حتى الرمق الأخير فتوجها في ملكوته وغمرها بروحه القدوس حينما حل عليها وعلى الرسل المجتمعين معها روح الله في عيد العنصرة حيث كان الرسل “مثابرين على الصلاة، مع بعض النساء، ومع مريم، أم يسوع، ومع إخوته” كما يخبرنا كتاب أعمال الرسل (1، 14).

مريم مع الرسل عاشوا خبرة الوحدة التي نادى بها الرب فكانوا قلبـًا واحدًا وروحــًا واحدة فجسدوا معــًا هدف العنصرة وبدؤوا بالسير في درب حمل رسالة الله فكما قال البابا بندكتس السادس عشر يوم الأحد الماضي قبيل تلاوة صلاة افرحي يا ملكة السماء : ” في عيد العنصرة هذا، نحن أيضًا نريد أن نكون متحدين روحيًا بأم المسيح وبالكنيسة إذ نطلب بإيمان فيضًا جديدًا للباراقليط الإلهي. نطلب هذا الفيض لأجل كل الكنيسة، بشكل خاص في هذه السنة الكهنوتية، لأجل خدام الإنجيل، لكيما تُعلن رسالة الخلاص لكل البشر” ويضيف قائـلا ً: “لذا ما من كنيسة دون العنصرة. وأود أن أضيف، ما من عنصرة دون العذراء مريم”

مريم لعبت دورًا عظيمـًا في إيصال رسالة الله لبني البشر، فبأيمانها تجسد سر الخلاص، تجسدت محبة الله لنا. واليوم إيمان المرأة الخاطئة خلصها بل جعلها درســًا رائعـًا لكل من يعتقد بأنه قد ضمن الملكوت وبأنه بمجرد تردده للكنيسة ولصلواتها سيسبق الأخرين في ملكوت الله. البساطة في إيماننا وإعترافنا بعوزنا وضعفنا أمام الله الأب سيجعلننا نستقبله في قلوبنا وسيحل في بيتنا أكلا ً شاربــًا معنا.

قسمٌ من أبناء هذا العالم فقدوا بساطة الرب أو قد تناسوها فبعد اغتناءهم في بلاد المهجر ووصولهم لأرض ٍ علمتهم حرية لم يفهموها ولم يكتشفوا جوهرها لحد الأن، بدءوا يـُسخـِرون قدراتهم لمحاربة بيت الرب وكاهنهم متصورين بأنهم بسلطتهم وقدراتهم المادية والمعنوية سـَيـُصَورون الكنيسة على هواهم ومزاجهم البعيد عن روح الإنجيل وبساطة رسالة المسيح و غفرانه. وبهذا بين المسيح حيرته من بني البشر فيقال: “زمرنا لكم ولم ترقصوا، نحنا لكم ولم تبكوا”.

بساطة مريم هي أعظم صورة للبساطة الإيمانية. فإيماننا لا يحتاج للظواهر ولا للتزمير والتطبيل وحب الاشتهار وسرد البطولات وكأن الخلاص جاء بأيدي البشر وليس بفضل دم يسوع الفادي أو كأن الكنيسة بنيت بفضلهم وليس بفضل المسيح الذي هو الحجر الأساس و رأس الزاوية.

لوقا يذكر لنا هذا المقطع الرائع والذي يـُعظم به يسوع الرب ويـُبين تجسد الثالوث الأقدس في أقواله. يذكر لوقا المقطع هذا بعد أرسال السبعين تلميذًا ويؤكد بأن بساطة الطفل هي أعظم في أعين الرب من حكمة الحكماء: “في تِلكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ بِدافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس فقال: ((أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّماءِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذِه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وَكَشَفْتَها لِلصِّغار. نَعَم، يا أَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاكَ قَد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء، فما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مَنِ الِابْنُ إِلاَّ الآب، ولا مَنِ الآبُ إِلاَّ الِابنُ ومَن شاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَهُ لَه))”

بساطة مريم وبساطة المرأة الخاطئة جعلهما قدوة لنا ورمزٌ لإيمان ثابت لا يتزعزع. وها نحن نقترب من الذكرى الثالثة لإستشهاد الأب رغيد كني وثلاثة من شمامسته ليثبتوا لنا بأن بساطتهم ودمائهم التي روت أرض وطننا أصبحت اليوم مثالا ً لنا. مثالا ً لإيمان لا يبعده الخوف والقلق ولا يرهبه العنف والحقد. قـُطع رأس يوحنا المعمذان وصــُلب يسوع، قـُتل الأب رغيد وشمامسته وأخـُتيــل مثلث الرحمات المطران فرج رحو ولا زالت الإغتيالات تنال من مسيحيي العالم بصورة عامة والعراقيين بصورة خاصة، هذا لأنهم دعاة لمحبة ورسال سلام في عالم يرفض السلام ويمقت المحبة.

لا يسعني إلا أن أنوه لإسبوع الصلاة الذي أتمه أخوتنا مسيحيي لبنان من أجل أخوتهم مسيحيي العراق متحدين معهم بالإيمان ومشاركين إياهم في محنتهم هذه التي دامت كثيرًا ومستذكرين معهم شهدائهم الأبرار الذين سقوا بدماهم أرضهم وأرض أجدادهم. فقال موقع شريعة المحبة على صفحته الأولى : “إختتام آسبوع، لا نهاية صلاة… سبعة أيّام صلاة أردناها، شبيهة بأيّام الخلق السبعة برى الله فيها الوجود بجماله، وأخرجه من العدم بحنانه. سبعة أيّام صلاة من أجل إخوتنا المسيحيّين في العراق، علّها تكون تجديد لعمل الخلق في حياتهم، فيخرجون سريعاِ من عدميّة العنف والقتل والحقد والدماء، الى السلام النابع من حبّ الله لأبنائه. سبعة أيّام صلاة قضيناها، نختتمها أحد الثالوث الأقدس، آخر ذبيحة قدّاس أقامها الأب رغيد على أرض العراق قبل أن ينتقل الى قدْاس أبدّي في قلب الله، قدْاس سماويّ يحمل في العراق وكلّ شعب يعاني جور الظلم والعنف والإرهاب، ويرفعه الى رحمة الآب، ليبّدل العنف حبّاً، والإظطهاد تعايشاً، والعذاب رجاء.”

لنتحلى ببساطة مريم وبساطة المرأة الخاطئة ولنتوب ونرجع لله الأب ليستقبلنا بروح الأبوة، روح المحبة والغفران، روح السلام الذي تاقت له نفوسنا منذ زمن بعيد.

آمين…….

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO