تأمل في إنجيل الأحد السادس من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٢٧ حزيران ٢٠١٠

السادس من الرسل

لو ١٢  :  ٥٧  ـ  ١٣  :  ١٧

 

()إِن لم تَتوبوا، تَهلِكوا بِأَجمَعِكُم مِثلَهم.((

تكلم يسوع هنا مع هؤلاء الذين خبروه بخبر “الجَليليِّينَ الَّذينَ خَلَطَ بيلاطُسُ دِماءَهم بِدِماءِ ذَبائِحِهِم.” مناشدًا إياهم التوبة الحقيقية والأنية. التوبة هي عنوان كرازات عديدة ومحاضرات كثيرة القيت علينا منذ زمن بعيد ولازالت تـُلقى في كنائسنا وقاعاتها. فهل سبق وأن فكرنا بمعناها ؟ هل سبق وأن توقفنا برهة لنتعمق في فحواها فننعش إيماننا بنعمها فترجعنـا لحضن القداسة الربانية ؟

التوبة تمر بمراحل فبعد سقوط الإنسان في فخ الخطيئة ومحاولته جاهدًا النهوض من جديد والمسير قدمـًا في حياته المسيحية، يتوجب عليه أتخاذ قرار مهم يبين من خلاله جديته في ترك طريق الشر والإبتعاد عنه. المرحلة الأولى هي تأنيب الضمير، فإذا كان للإنسان ضميرًا متيقظـًا وواعيـًا وأمينـًا وصادقـًا سيعرف خير المعرفة بأن أعماله الشريرة ونتائجها أضرت بعلاقته مع الله ومع الأخرين ومع نفسه أيضــًا، وأدخلته بالتالي عالم الخطيئة والشر.

بعدها تأتي خطوة الإقرار بالخطى والمجئ لقبول سر الغفران بقلب منسحق نادم على ما عملنا من خطايا كاسرين بها مشيئة الرب ووصاياه. إيماننا بدم يسوع الفادي وخلاصه المجاني لبني البشر ولكل مؤمن به يدفعنا لإتخاذ هذه الخطوة التي هي قمة الشجاعة. فهي تتطلب أن نكسر ذواتنا وأن ندوس على كبريائنا وغرورنا وأن ننزل من عرشنا العظيم العالي الذي بنيناه ومن مركزنا الإجتماعي والعلمي والثقافي لنعترف بخشوع وجهـًا لوجه أمام الكاهن بخطيئة مخجلة ومذلة. بخطوتنا هذه نتعرى من الثياب الغشاشة التي خيطت على غرار ثياب أبوينا أدم وحواء لنغطي بها عورتنا وخطيئتنا أمام من يرانا لينخدع بمظاهرنا السطحية الخداعة. ضانين بأن ثيابنا هذه تغطي بالفعل ما نحن عليه من بقع سوداء أمام الله فاحص القلوب ومختبر الكلى.

المرحلة الأخيرة هي ترك ونبذ الخطيئة. فهي تمس مدى قوة إرادتنا وحقيقة وجدية نيتنا وإصرارنا على ترك طريق الشر والتمسك بالرب وبوصاياه.فنجسد على أرض الواقع الوعد الذي قطعناه على أنفسنا أمام الرب بترك طريق الخطيئة والعيش برضى الله.

ما من توبة بلا ثمر. فالتوبة الحقيقية يجب أن تعطي ثمر ملموس. فحياة الإنسان عليها أن تتغير نحو الأحسن، عليها أن تنقلب رأســًا على عقب فيشعر الإنسان بتغير في نمط حياته، في كلامه وتصرفاته، في سلامه الداخلي، في علاقته مع الأخرين، في ثقته بالله وبالآخرين.

التوبة وترك طريق الشر صعبٌ جدًا. فطريق الشر دائمـًا سهل المنال وملتو وجذاب وخلاب بل هو ساحر ويغري من يسير فيه بشتى أنواع المغريات. فنبيت حبيسين في دائرة فارغة مملوءة بسموم تخدرنا وتعمينا وتمنعنا من رؤية طريق الحق الذي هو الخلاص بدم يسوع المسيح الذي قال: “أنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي”. لذى ما من توبة بلا تضحيات وقد تكلفنا الكثير في بعض الأحيان لذى كرز يسوع بالتطويبات ليعزي المتألمين بعد نيلهم غفران الأب.

بالرغم من إن رحمة الله كبيرة ولا تقاس وبالرغم من إن محبته لنا لاتعادلها أي محبة وبالرغم من إن صبره تجاهنا ليس له حدود إلا إنه ينتظر منا أن ننتج ثمرًا مرضيـًا ومقبولا ًفي أعينه. لذى لوقا في إنجيله اليوم يربط مباشرة ًالتوبة بالثمر: ” كانَ لِرَجُلٍ تينَةٌ مَغروسَةٌ في كَرمِه، فجاءَ يَطلُبُ ثَمَراً علَيها فلَم يَجِدْ”. ثمرة توبتنا هي أن نجسد على أرض الواقع محبتنا لله وللأخرين قولا ًوفعلا ً.

وكالعادة نجد في طقسنا الكلداني ما يعمق إيماننا بمعنى التوبة وما يسهم في فهم معانيــه العظيمة. فحينما يرتل الشماس ” لنقترِبْ كُلنا بالخوفِ والوِقـار” ” كُلَّــن بْذِحلثــا وإيقـارا …” وينهيهــا، فيجيب الشعب كلهُ “اغفرْ يـا رب خطايا عبيدِك وزلاتهم” “ماريا حَسَّـا حْطاهِـي وسَخِلواثا دْعَـودَيك”. داخلا ًحوارًا رائعـًا بينهُ و بين جوق الشمامسـة. فيقولون : “ونُنَقي نياتِنا من الخلافات والخصومات. ونفوسُنـا صافيــة مـن كُـلِ حقدٍ وعداء. فَـنَـتَـنـاولَ القربان ونتقدّس بالروحِ القدس. ونَـشـتــرِك بالأسـرار بـاتـحـاد الأفــكــار والوِفاق المتبادل. لتكونَ لنا يا رب لإنبعاث أجسادنا وخلاصِ نفوسِنا. وللحياة الأبدية.” “وَمْذَكِّـينَن تِـيراثَن مِن بولاغي وْحِريانــي. كَـذ شَبيـان نَوشاثَـن مِـن أَكثــا وَوْعِلدواووثــا. نِسَّـو قوذشـا ونِثْـقَــدَّاش بْروحا دقوذشا. بَـأويوثا وَوْحولْـطانا دْرِعيانَين نْـقَبِّـــل بْـشالموثا دَحذاذي لْـشوتابُـثهون دْرازِي. دِنْهوون لَن مار لَقيامتا دْبغريَـن وَلْبورقانا دْنوشاثَـن. وَلحَيّي دَلْـعالَـم عالْمِـين.”

فهل سبق، يا أخوتي وأخواتي، وأن تأمل شعبنا بما يرددهُ من كلمات تحث على التوبة والدخول في عالم الطهارة والنقاء والرجوع إلى الله ؟ سؤلا ًأطرحهُ على مؤمنينا اليوم راجيـًا أن يعيشوا قولا ًوفعلا ًغفران الله الأب لهم.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO