تأمل في إنجيل الأحد السابع من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٤ تموز ٢٠١٠

السابع من الرسل

لو ١٣  :  ٢٢-٣٥

()فقالَ لَه رَجُل :يا ربّ، هلِ الَّذينَ يَخلُصونَ قَليلون؟.((

في يوم أحدٍ ما أدهشتني امرأة عندما سارت بهدوء وتروي بإتجاه تمثال العذراء الموجود في داخل الكنيسة لتوقد شمعة ولتصلي مسبحة الوردية وكل هذا أثناء القداس الإلهي. اندهشت مرتين، الأولى لأن إيمان تلك المرأة بسيط إلى درجة، فشمعة صغيرة و صلاة الوردية تكفيها للتكلم مع الله وهذا بحد ذاته إيجابي فالرب لا يحب أن نبني لهُ جـُمل طنانة ورنانة بل جـُمل وكلمات بسيطة نابعة من القلب. أما الاندهاش الثاني فقد كان سلبيـًا بمعنى الدرجة، ففي قلب القداس الإلهي الذي هو أعظم درجة من دراجات حب الله للإنسانية بل هو حديث صريح ومباشر ودعوة من قبل الله لنا كي نشاطره نفس المائدة عندما يقول : “خذوا فكلوا منه كلكم هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم لمغفرة الخطايا. خذوا فاشربوا منه كلكم هذه هي كأس دمي الذي يراق من أجلكم لمغفرة الخطايا.” أجد أناس يتشبثون بتقاليد متوارثة، صحيحة كانت أم خاطئة، غير إنها لم تأتي بوقتها المناسب. إلم يكفي لهذه المرأة أن تتأمل بالذبيحة الإلهية، بسر الفداء هذا لتتناول عن إدراك ومعرفة جسد ودم المسيح ؟ فتقول واثقة وبصدق “آمين” عند تناولها.

عندها أدركت المرأة بأنها لفتت إنتباهي فجاءت بعد القداس لتطلب وبخشوع المعذرة، وبالرغم من إنها كانت تكبر والدتي عمرًا، إلا إنني احتضنتها بروح أبوية ككاهن وراعي لكنيسة المسيح، فقالت لي : “هذا إيماني البسيط الذي ورثته من أجدادي ولا أعرف غيره. وبه أريد أن أنال الخلاص.” فسالت دمعه من عيني لتجيب عن السؤال الذي طرحته على نفسي أثناء القداس. إيماننا البسيط هذا هو رائع وبفضله خرج جيل من البطاركة والكهنة والشمامسة والعلمانيين القديسين بالفعل. وجميعهم يمتازون بإيمان ثابت وقوي ومتحدي لكل الصعاب التي جابهت الكنيسة خصوصــًا في منطقة الشرق الأوسط وفي بلاد ما بين النهرين بصورة أخص. لكن اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين وبعد الإنفتاح على العالم الذي أصبح قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا الإتصالات الحديثة، وبعد أن هاجر أبناء كنيستنا لأوربا وأمريكا وأستراليا، هل يمكننا أن نعتمد على إيماننا البسيط الساذج ونقنع به أولادنـا فننال وإياهم خلاص المسيح ؟ لا أعتقد بتاتـــًا.

المشكلة لن تتوقف على إيماننا المتوارث البسيط بل تتعداهـا لتقف أمام حائط الغرور (الشمخرة الفارغة) الذي هو مرض يصيب الكثير منـا. فهناك من يعتقد بأنه أبن الكنيسة الفلانية العريقة التي جاءت من المكان الفلاني وبفضل القديس الفلاني وتتكلم اللغة الفلانية فيتمسك بإمور ثانوية لن توصله إلى درب الخلاص. فنطرح سؤالنا ليسوع قائلين ما قال الرجل ليسوع : “يا ربّ، هلِ الَّذينَ يَخلُصونَ قَليلون؟” فنحن من بلاد ما بين النهرين من أوائل من عرف رسالة المسيح بفضل القديس توما الرسول الذي تحتفل الكنيسة بعيده يوم 3 تموز، نحن من أكل وشرب من على مائدة الرب ” لَقَد أَكَلْنا وِشَرِبنْا أَمامَكَ، ولقَد عَلَّمتَ في ساحاتِنا” هل تشفع لنا عراقة كنيستنا ولغتنا وحسبنا ونسبنـا ؟ هل أعضاء كنيستنا وبلدتنا وقريتنا وعشيرتنا هم من سيخلصون في نهاية المطاف ؟

فلا اللغة ولا الحسب والنسب ولا عراقة الأصل ولا معرفة الكهنة ورؤسائهم ولا الإنتماء الكنسي والطقسي سيشفعوا لنا أمام الله الأب. بل هناك أشخاص سيدخلون ملكوت الله ونحن نضنهم بعيدين كل البعد عن الله وعن ملكوته “وسَوفَ يَأتي النَّاسُ مِنَ المَشرِقِ والمغرِب، ومِنَ الشَّمالِ والجَنوب، فيجِلسونَ على المائِدَةِ في مَلَكوتِ الله.” أما مصيرنا فسيكون مؤسفـًا “وتَرَونَ أَنفُسَكُم في خارِجِه (الملكوت) مَطرودين”.

حياتنا المسيحية هي حياة مكوكية، دائمية الحركة، ديناميكية الحس، نشطة في التبشير وعيش رسالة الله فعلا ًوقولا ً.لا يكفي الإنتماء الكنسي لخلاصنا بل ليكن دافعـًا مقويــًا لمسيرتنا الإيمانية ولا تكفي لغتنا الأم لدخول ملكوت الله بل لتكن وسيلة نفهم بها غاية الله ورسالته لبني البشر ولا يكفي معرفتنا بالطقوس وألحانها بل لتكن نعمه نعيش بها أسرار الكنيسة وسر الذبيحة الإلهية فنكون شهودًا لكنيسة عريقة لم تحافظ على إرثها الكنسي والطقسي واللغوي فحسب بل حافظت على إيمانها وجسدتهُ على أرض الواقع وتأملته في كل احتفال طقسي تحتفل به كما إنها أستمرت بنشر تعاليم الله الأب بوفاء منذ عصور طويلة. فشك القديس توما بحقيقة قيامة المخلص من بيت الأموات دفعه ليكون رسولا ًعظيمــًا ومؤسســًا لكنيسة عظيمة ضحت ولازالت تضحي من أجل إيمانها الحي. فالطقس واللغة هي وسيلة لعيش كلمة الله وإلا “فهُناكَ آخِرونَ يَصيرونَ أَوَّلين وأَوَّلونَ يَصيرونَ آخِرين”

هل يكفي إيماننا البسيط الساذج لعيش كلمة الرب وضمان إستمراريته من جيل لأخر وخصوصـًا في بلاد المهجر ؟ هل شعب الله يثقف نفسهُ إيمانيــًا وروحيـًا ؟ فكما الجسد يحتاج لغذاء هكذا الروح. فكم منا يقرأ اليوم كتب روحية ولاهوتية ؟ وكم منا مشترك بمجلات روحية وفلسفية ولاهوتية ؟ وكم منا قادر أن يجادل أبنائهُ لاهوتيـًا وعقائديـًا وكتابيــًا وبلغة البلد الجديد ؟ كم منا يدرك ويفهم ويعلم المفردات الدينية بلغة البلد المستقبل فيناقش أصدقائه ويجادلهم روحيـًا مبينــًا تأريخ كنيسته الأم ؟

فهمـُنا للإنجيل ولرسالة المسيح يجب أن يتعمق شيـئـًا فشيئــًا وينمو ويكبر يومـًا بعد أخر فننعش به إيمان أبنائنا ونكون شهود حقيقيين لإيمان ثابت ذو جذور عميقة وقديمة لكنها حية ومتجددة دومـًا وابدًا.

 

آمين ………

 

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO