تأمل في إنجيل الأحد الثاني من الصيف

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١٨ تموز ٢٠١٠

الثاني من الصيف

لو ١٥ : ٤-٣١

()لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش، وكانَ ضالاًّ فوُجِد.((

ها هو المعلم ينطق بكلام حي يُنعش ويـُبكت القلوب ويحاكي ضمير الإنسان وواقعه المر في بعض الأحيان. فالإنسان في حياته اليومية العائلية منها والعملية وفي علاقاته الإجتماعية يسقط وسقطاتـه قد تكون موجعة وذو تأثير قوي على واقعه النفسي والروحي. سقطاتنا قد تسوقنا إلى التيهان والضياع في عالم خالي من الرحمة فنغدوا أيحاء ميتين في نفس الوقت. فالضائع هو ذلك الشخص البعيد عن وطنه وبيته والفاقد الإتصال بأهله وأحبائه والماكث في بلاد ليست ببلاده وبين أناس لا يعرفهم ولا تربطه بهم علاقة ما. بتصرفه هذا وفقدان أتصاله بأخيه الإنسان وضياعه في هذا العالم الكبير يدرك التائه بأنه تصرف بغير حكمة وذهب بعيدًا جدًا عن مبتغاه فيندم وينوي تغيير إتجاه حياته والرجوع إلى الطريق الصحيح وتصليح سقطته وعلاقته مع من فقدهم وقطع العلاقة بهم.

غير إن الرجوع ليس دومـًا بالطريق السهل فهو يتطلب الكثير من الشجاعة والعزيمة لتغيير الإتجاه وتصحيح مسار الطريق وطلب الغفران وتحقيق المصالحة. كما إن البعض، منقاد بغرور بطال، يعتقد بأن لديه ما يكفي من القوة لعمل ذلك دون الحاجة لقوة مساندة أخرى تدفعنا للسير قـُدمـًا على هذا الطريق. قوة الله الدافعة والساندة لنا في حياتنا قد ننساها أو نتناساهـا متوهمين بأننا مكتفين ذاتيـًا وغير محتاجين لذلك التدخل الإلهي المملوء محبة.

يسوع في نصنا اليوم يطرح علينا ثلاث قصص تحكي جميعها قصة ضياع وفقدان وتيهان ومن ثم بحث بإصرار وتصميم وبعدها بهجة وفرح باللقاء وبرؤية المفقود من جديد. غير إن القصص الثلاثة تتدرج بقيمة المفقود فالأولى تحكي فقدان حيوان (خروف) والثانية تسرد فقدان مادة (درهم) والثالثة تشير إلى ضياع إنسان. فإذا كان فرحنا كبير بإيجاد الحيوان الضائع أو الدرهم المفقود فكم بالأحرى سيكون فرحنا برجوع الابن الضال أو التائه.

القصة الأخيرة سـُميت بأسامي كـُثـُر، فمنهم من يسميها “الابن الضال” ومنهم من يسميها بـ “الابن المسرف” ….ألخ لست بصدد سرد الأسامي هنا لكني أود التنويه على الدراسة المعمقة والكثيرة التي كرسها الكثير من اللاهوتيين من أجل أظهار جوهر القصة وتبيين شخصياتها. فيسوع يقص مثل قصير تربوي مؤثر وبسيط ومفهوم للصغير وللكبير في أن واحد. فالأب هو الله بمحبته اللامتناهية يبقى منتظرًا أبنه التائه والأبنين قد يكونان كل واحد منا.

كلما قرأت هذه القصة تأتي لوحة الفنان الهولندي رامبرانت الشهيرة على بالي. فيها نجد الأب يحتضن أبنه القادم بلمسة حنونة مملوءة بحب أبوي وأمومي في أن واحد متمثل باليدين الخشنة والملساء التي تلمس كتف الأبن الراجع لأحضان الأب والجاثو على ركبتيه أمامه. والشخصيات الخلفية مرسومة باللون الغامق مسلطـًا الضوء على الأب والابن كي ليؤكد على شخصيتيهما والعلاقة الحميمة بينهما.

لوحة رائعة لا تخلو من معاني فالأب منحني الظهر أرهقه التعب من الوقوف والأنتظار والسير بين داخل البيت وخارجه منتظرًا رجوع أبنه. يشكو الأب من عينه التي تضررت بسبب السهر الطويل وترقب رجوع الابن وبسبب الدموع الغزيرة التي سـُكبت نتيجة مغادرته الدار وتلك التي غمرت بفرح للقياه راجعـًا للدار.

أما الابن العائد الخجل والغير قادر على رؤية والده وتبادل النظرات معه، فقد لاصق رأسهُ ببطن (بأحشاء) أبيه وكأنه أيقن بان من ذلك المكان “أحشاء أبيه” يخرج كل الحب والحنان. فمن رحم الأم يولد الانسان ومن رحم الكنيسة يولد المسيحي. والرحم هو جذر ومصدر الرحمة وينبوعها والله لا يمكنهُ غلق مراحمه “أنَسيَ اللهُ رأفَتَه أَم حَبَسَ مِنَ الغَضَبِ أَحشاءه؟” (مز 76). فالذي جرى إذن هو أبعد وأعمق بكثير من الإرتماء بين أحضان الأب الذي ما إن رأى خطوة واحدة من إبنه حتى وأخذ من جانبه مئات الخطوات باتجاه أبنه “وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلا ً”

نحن أمام ولادة جديدة للابن من مراحم الله الاب.الذي لايمكنه أن ينسى ولو للحظة أبناء أحشاءه “أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ فأَنا لا أَنْساكِ.” (أش 49)

كي نعبر من جفاف وهلاك الموت “وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعاً! ” إلى ملئ الحياة (حياة كريمة مملوءة فرح وبهجة “أتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم”) يجب علينا الرجوع لله واستقبال عطاياه (الارتماء بأحضانه الأبوية، لبس ثياب الطهارة التي يلبسنا إياها والانتعال بحذاء الشجاعة للمضي بثقة في طريق الرب، لبس خاتم العهد المقطوع معه “أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً”)

حـُب الله لا يمكن وراثته فهو كينبوع لا ينبض يروي بصورة دائمية ومستمرة الإنسانية. حب الله ليس بسجن يكبلنا بسلاسله الثقيلة بل هو علاقة مرنة وحرة مع من أحبنا نستطيع تركها متى ما شئنا بمحض إرادتنا. الإختيار أختيارنا وعلينا أن نفرق بين عالم الحياة وينبوع المحبة والسلام وعالم البؤس والظلام. ولنتذكر ما قاله يسوع : “أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي.” فلنرجع إلى واهب الحياة وينبوعها لأنه ينتظرنا بشوق لا مثيل له.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO