تأمل في إنجيل الأحد الثالث من الصيف

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٢٥ تموز ٢٠١٠

الثالث من الصيف

يو ٩  :  ١-٣٨

 

()مادُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم.((

أنجيل اليوم يحتوي على الكثير من الأسئلة التي يطرحها الشعب والفريسيون واليهود حول موضوع ذلك الأعمى وسبب عماه. فيسوع يجد نفسه أمام كـمٌ هائل من أسئلة ليس فيها من غاية سوى منعهُ من إتمام مشيئة الله الأب. وما إن يمنح يسوع بركته فـَيـُرجع للأعمى بصره الذي منعهُ من التمتع برؤية جمال الدنيا وما خلقه الرب من نـِعم أغدق بها على أبناءه، ما إن يـُبصِر ذلك الإنسان حتى وتثور ثائرة البشر لأن هناك من أبصر الحقيقة التي هي شخص يسوع الحي.

أعمى وشحاذ نبذه المجتمع وقلل من شأنه وقيمته كإنسان وكإبن الله متحججــًا بأن ما أصابه ليس إلا بسبب الخطيئة العظيمة التي توارثها أبــًا عن جد فغاص في عالم الظلام والسواد ودخل في ركن القطيعة مع الإنسانيــة جمعــاء.

عـُميانُ عالمنا الحديث قد يكونوا محرومين منذ الولادة من حاسة البصر أو قد يصابون بالعمى بعد فترة من حياتهم وتمتعهم بجمال الحياة. بالتأكيــد هنا لا أقصد الضرير المريض بل أقصد هؤلاء الذين حـُرموا منذ طفولتهم من معرفة الله ومحبته فعاشوا بعيدين كل البعد عن حب الله ولمسته الحنونة. وهناك من أبتعد بإرادته أو بغير إرادته عن طريق الله فدخل عالم الظلام البعيد عن النور الرباني البهي وفي كلتا الحالتين الإنسان لا يستطيع تمييز الأشياء فينقاد أمام من يعتقد بأنه يكـُنُ لهُ الحب ويسيرُ بدون أن يعرف الإتجاهات وقد يسقط في حـُفر كثيرة فيتألم وقد يصطدم بعائق فيتأذى، كما إنه لا يستطيع بسهولة أن يـُكون علاقة صداقة مع أخيه الإنسان. كل هذا بسبب فقدانه لحاسة النظر وبسبب ذلك السواد الذي غطى أعينه فمنعهُ من رؤية النور.

يسوع يأتي فينفخ في الطين من روحهِ القدوس وجـَبلَ بها عيني الضرير وغسله بماء الحياة في بركة سلوم أي الرسول “اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ، أَي الرَّسول”، ليجبلــهُ من جديد “جَعَلَ طيناً على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر”، وليخلقه معطيــًا إياه حياة جديدة أبدية يرى فيها نور الله البهي فيغدو العالم له مزينــًا بحلة جديدة، حلة الصفاء والنقاوة، حلة خالية من الغش والخداع، حلة بعيدة عن الأنانية مغسولة ومطهرة من كل شائبة. ها هي رحمة الله تنتصر على إرادة البشر الأنانية فنتذكر المزمور ٥٠ الذي يقول: “إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ اَمْحُ مَعاصِيَّ. زِدْني غُسْلاً مِن إِثْمي ومِن خَطيئَتي طَهِّرْني.”

ما إن فتح الأعمى عينيه حتى واهتدى إلى طريق الرب، طريق الحق والمحبة مستنيرًا بنور المسيح الذي هو “نور العالم”. إهتداءهُ هذا غير مجرى حياته وقلبها رأســًا على عقب. فلم يكتفي الأعمى بتجاوزه تعيير الناس لأنهُ شحاذ “أَلَيسَ هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟”، وتشكيكهم بشخصيتهِ متحججين بأنه شبيه لأخر “وقالَ غَيرُهم: ((لا، بل يُشبِهُه))”، وتشبثـم بالسبت وبخرق يسوع القوانين الدينية “لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت”، وتخويفهم لأهل الأعمى “وإِنَّما قالَ والِداهُ هذا لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود، لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح”، وتشتيمهـم وتعييرهم له “فشَتَموه وقالوا: ((أَنتَ تِلميذُه، أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى))”، و أبعادهم وطردوهم لـهُ “أَجابوه: أتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟)) ثُمَّ طَردوه”، تجاوز كل شئ من أجل الوصول إلى المسيح فأصبح بماء العماذ الذي سُكب عليه وغـَسلَ وجهـهُ بهِ مولودًا جديدًا يحمل ويشع نور الإيمان بشخص يسوع المسيح الفادي ويسير على خطاه. بل أصبح رسولا ًأمينـًا على كلمتـه الحية، رسولا ًإغتســل بماء الحياة في بركة الرُســل فأعطيَ لهُ أن يشهد بإيمانــه أمام الجميــع “فقال: ((آمنتُ، يا ربّ)) وسجَدَ له.”

عميــان زمننا اليوم قد لا يرون عظمة الله وقد لا يرون حضورهُ الدائم في حياتهم ولمستهِ الحنونــة لشخصهــم. يكفي أن يرتموا في حضنه الحنون ليعيد الرب خلقتهم من جديد ويولدهم في حياة جديدة يروا فيها حب الله في أخوتهم وأخواتهم أبناء وبنات الله ويجسدون محبتـه لبقية العميان فيكونون بحق رسـول أوفياء غيورين على بشراه السارة لبني البشر غير مكترثين بالمخاطر والإهانات التي تحوف بهـم أثناء شهادتهم هذه.

فتح عينه فأمن من اللحظة الأولى بأنه الرب “ومَن هو يا ربّ، فأُومِنَ به؟”. لنبين ونثبــت إيماننا اليوم بربنا وإلاهنــا نور حياتنا وحافظها الدائم ولنفتح عيوننا فنرى بضياء وجهه عالمنا بصورة مغايرة لأن عيوننا ستكون عيون المحبة، عيون الله نفسه.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO