تأمل في إنجيل الأحد الأول من الصيف

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١١ تموز ٢٠١٠

الأول من الصيف

لو ١٤  :  ١-١٤

()فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع.((

في نص إنجيلنا اليوم يسوع يرافق أحد أعيان الفريسيين ليتناول وجبة طعام في بيته وليقتسم الغذاء معه ومع مدعويه. غير إن النص لا يذكر فيما إذا بالفعل تناول يسوع الطعام أم لا، إلا إنه ينوه بأن يسوع أنتهز فرصة وجوده في بيت ذلك الشخص ذو المكانة الاجتماعية والدينية الرفيعتين ليحول أنظار الناس إلى ما هو مهم في حياة البشر. فيلقي نظرة على رجل دخل فجأة إلى المسرح، فلا ندري من أين جاء ولا إن كان من المدعوين أو الأقارب أو من أبناء البيت ولا ندري من بالفعل أدخله أمام يسوع. غير إنه دخل والعيون كانت متطلعة بشغف نحو المسيح، فلا ندري أيضــًا إذا ما كانت عيونٌ مجربة أو مستهزئة أو فضولية أو بريئة أو عطوفة وحنونة ! كل ما نعرفه هو نظرات وترقبات تحوم حول الرب وذلك الرجل السقيم.

 سقيمٌ لأنه تعب في حياته بل كان منهك وبائس بسبب مرضه هذا الذي لا يجلب الألم الجسدي فحسب بل ألمٌ نفسيٌ كبير نتيجة نبذ المجتمع لهُ ونكران وجودهِ والابتعاد عنهُ وقطع كل علاقة معه. هذا لأن مرضه هو مصيبة من الله قد تـُعد وهو بالضرورة نتيجة خطاياه الكثيرة التي ظهرت بظهور المرض وطفحه على جلده.

مثلما دخل بهدوء خرج بهدوء بفارق ٍبسيط، فقد دخل مريض وخرج معافـا. هذا ما نلاحظه في لقطة السقيم المار من أمام يسوع.

يسوع لم يود أن تعبر هذه القصة بلا عـِبرة بل ركز جـُل جهده من أجل أظهار رحمة الله لبني البشر وأهميتهم في عيونه. “أَيَحِلُّ الشِّفاءُ في السَّبتِ أَم لا؟” سؤالٌ وجهه يسوع لجمع علماء الشريعة والفريسيين (“فلَم يَجِدوا جَواباً عن ذلك”) ليـُعلن للملأ بأن الإنسان لم يخلق لخدمة للسبت بل السبت وجد من أجل خدمة الإنسان الذي لم يعد ماكثـًا في عالم العبودية الطقسية بل عبرها وأجتاز حواجزها ليجد في يوم الرب التحرر الكامل والشفاء التام.

العبودية الطقسية هي التزمـُت الأعمى بالطقوس وقشورها دون الإلمام بمحتواها اللاهوتي والفلسفي التي وحدها تظهر وتكشف غنى حضور الله ومدى حبه الكبير للإنسان. فنجد أناس يتمسكون بحرفية لا مثيل لها بطقوسنا الكنسية وبمجرد إسقاط حرف واحد من الطقس تقوم القيامة ويصبح الطقس بدون معنى في أعينهم ناسين بأن الحرف يقتل والروح وحدهُ يحيي. رحمه يسوع ونظرته العطوفة اصطادت الرجل المريض لتسقطه في حضن الله الأب فشفـاه من كل شر وعله بغض النظر عن الوقت والمكان، فالرب جاهز ومستعد دومـًا وأبدًا أن يستقبلنا متى ما كانت لدينا الإرادة والتصميم القويين للمجيْ والارتماء في أحضانه الأبوية.

كي يتم شفائنا من أسقامنا وأمراضنا وعللنا، كي يلمسنا الرب لمسة حنان ومحبة، كي نسترجع عافيتنا ونصلح سقطتنا وعلاقتنا بالله وبالآخرين شـَرط ٌواحدٌ ينقصنا خصوصــًا في وقتنا الحاضر: “التواضع”. التواضع هو سر الدواء الشافي لأسقامنا وعللنا في عصرنا الحالي. القلب البسيط المنسحق المتواضع أمام الرب هو القلب الذي يبتغي بصدق الشفاء ويروم الحصول على لمسه الرب وخلاصه ويأمل الأكل على مائدته الربانية. فمائدة الرب هي مائدة المنسحقين المساكين والفقراء والمرضى والمعوزين وهو قد جاء من أجلهم ليرفعهم “فمجد الله، الإنسان الحي” هذا ما يقوله القديس إيرينه مطران ليون في القرن الثاني. “ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان” يقول يسوع ناصحـًا من دعاه في بيته وهذا ما يؤكده طقسنا عندما يرتل الشماس : “إتكالاً اتكلت على الرب: إن جسدَ المسيح ودمَهُ الكريم علـى المذبح المقدس، فلنقتربْ منه جميعـنا بالهيـبـة والمحبة، ولنهتفْ له مع الملائكة: قدوس قدوس قدوس الرب الإله. ليأكلُ المساكينُ ويشبعون” ” مْسَـبَّـارو سَبْرِيث بْماريا: بَغـرِه دَمْشيحا وَذْمِـه يَقّيرا عَل مذْبـح قوذشا، بْذِحِـلثا وَوْرِحِمْثا كُلَّـن نِـثقارَو لِه، وعَمْ مَلاخي نِـيَبَّو لِه: قَـدّيشْ قدّيش، قديش مـــاريا آلاها. نِخلون مِسكيـِني ونِـسْبعون

في نظر ولغة العالم التواضع هو علامة خوف وخشوع وخنوع وإستسلام بل هو علامة جـُبـُن وترك القدرية تسيطر على ذواتنا. لكن في نظر ولغة الرب، لغة المحبة والغفران، ينقلب تواضعنا وانسحاق ذواتنا ونفوسنـا إلى نصر كبير، “فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع”، فيرفعنا ويـُجلسـُنا بقرب عرش عظمته الكبير.

مثلما دخل السقيم أمام يسوع وهو متألم وقـَبـِلَ لمسة الرب الشافية فخرج مشافــا معافـا هكذا ستكون شاكلتنا نحن، فنخرج منتصرين ومملوءين فرحـًا قائمين بسلام من سقطتنا وناشدين ومرنمين مراحم الرب شاكرين إياه حبه اللامتناهي. وهكذا نسير على درب يسوع المسيح نفسه : “هو الذي في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء كيما تجثو لاسم يسوع كل ركبة في السموات وفي الأرض وتحت الأرض ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيدا لله الآب.” (فيلبي 6:2-11)

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO