الرجـــاء

الرجـــاء

 ” أن نصل إلى معرفة الله، الله الحقّ، هذا يعني أنّنا نِلنا الرجاء

العهد القديم كله ليس إلا حقيقة قصة انتظار الله. إنه صدى لدعوة الإنسان: “من الأعماق صرخت إليك يا ربّ. يارب اسمع صوتي” (مز130: 1-2). إنه صوت نبوي، صوت يعبر لا فقط عن الشوق وحالة القلق، بل إلى الحقيقة التي تحرّك الإنسان، في التاريخ، إلى اللقاء بالله: إنه يسير نحو “ملء الزمان” (غلا4: 4)، مثل ساعة الكمال الخلاصي.

القديس بولس الرسول إلى أهل رومة: ” لأننا في الرجاء نلنا الخلاص ” (روم 8 / 24) ويشدّد البابا على أنَّ ما يميّز المسيحيين هو كونهم لهم مستقبل، وهم يعرفون أن حياتهم لا تنتهي بالعدم (الفقرة 2) (راجع 1 تس 4 / 13) ” ولا نريد أيها الإخوة، أن تجهلوا مصير الأموات لئلا تحزنوا كسائر الناس الذين لا رجاء لهم “.

ويتابع البابا مُظهراً أن يسوع لم يأتِ لكي يعرض علينا رسالة اجتماعية ثورية لأنّه لم يكن ” محارباً في سبيل تحرير سياسي “. لقد حمل لنا يسوع: ” اللقاء مع الإله الحيّ، وبالتالي اللقاء مع الرجاء الذي هو أقوى من عذابات العبودية، ولذلك فهو يحوّل من الداخل حياة العالم “.

ويقول البابا أيضاً: ” السماء ليست بفارغة. الحياة ليست حصيلة بسيطة لقوانين المادة ونتائجها، ولكن في كل شيء وفي الوقت نفسه، وفوق كل شيء، هناك إرادة شخصية، هناك الروح الذي بيسوع، ظهر لنا على أنّه الحب.”

فالمسيح هو ” الذي يقول لنا في الواقع من هو الإنسان وما عليه أن يعمل ليصبح حقاً إنساناً “. ” إنّه يدلنا على هذه الطريق، وهذه الطريق هي الحقيقة “

 

الرجاء المسيحي انتظار فقط، انتظار حدث كله في المستقبل لم يتحقق لحد الأن. لكن الرجاء هو تأكيد لحدث صار وهو في عين الوقت كحقيقة – موعودة لا زالت في دور الاكتمال. الرجاء المسيحي هو ذكرى نبوية: ذكرى الانتصار الفصحي ليسوع على الشر وعلى الموت، عمل سبق وحدث لصالح مصير الإنسان في المسيح. الرجاء المسيحي هو تأكيد لحدس القيامة والحياة من أجل الإنسان ومن أجل العالم.

إن حقيقة الرجاء من الناحية الجوهرية هي حقيقة موثوقة. فهي ليست ضماناً عقليا أو فكرياً، موضوعياً بحيث تعكس شيئاً من مستقبل الله من أجلي، لكن هي حقيقة علاقة حبّ: غير منفصلة عن الفعل الذي به أثق بطريقة غير مشروطة بحب الله في يسوع المسيح.

المستقبل الموعود من الله، الذي يجيبون عليه المؤمنين مع رجاءهم، لا يتأسس على هذا أو ذلك المستقبل الفردي، في هذه أو هذا الشيء، لكن في الحضور الإلهي وفي الوحدة. المستقبل بالنسبة للمسيحيين هو العلاقة. لأن “الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه” (عب11: 1).

هذا الرجاء العظيم الذي يسعى وراءه الإنسان من خلال رجاءاته الصغيرة والمتعددة لا يستطيع أن يكون إلاّ الله وحده الذي يُشعل العالم والذي يستطيع أن يُقدّم لنا ما لا نستطيع أن نصل إليه وحدنا.

الله هو أساس الرجاء، وليس أي إله كان، ولكن الله الذي له وجه بشري والذي أحبنا حتى النهاية كل واحد بمفرده والإنسانية بكاملها.

ملكوته ليس بعالم خيالي آخر، وليس موجوداً في مستقبل لا يتحقّق أبداً. ملكوته هو حاضر حيث هو محبوب وحيث حبّه يلتقي بنا. إن حبّه فقط يعطينا إمكانية الثبات بتجرّد يوماً بعد يوم، دون أن نفقد اندفاع الرجاء، في عالم هو في طبيعته غير كامل، ولكن وفي الوقت نفسه، إنّ حبّه لنا هو الضمان لوجود ما نشعر به بغموض ومع ذلك ننتظر في أعماقنا الحياة التي ” حقاً ” الحياة.

لذلك ولنفس السبب فهي حقيقة طبيعية: “ففي الرجاء كان خلاصنا. ولكن الرجاء المنظور لا يكون رجاء، وكيف يرجو الإنسان ما ينظره” (رو8: 24). إن الرؤية لا تحقق ولا تشهد على الرجاء لكن تؤشر إلى هدفه وغايته. إن عدم التحقيق وعدم الوصف هما من صفات الرجاء الأواخري، كما أنهما يمثّلان ضعفه وبنفس الوقت قوته. إن المسيحي لا يعرف أكثر عن الأمور المستقبلية بل أقل، وذلك لأن رجاء الإيمان ليس كشف طبقي للمستقبل بل إعلان غير قابل للاستنتاج “يوم المسيح” (فيل 1: .1؛ 2: 16) لنا.

يلصق المسيحي بالرجاء تبريراً وأساساً لأفعاله الخاصة: “نحن نجاهد ونتعب فلأننا وضعنا رجاءَنا في الله الحيّ” (1 طيم 4: 10).

 

إنّ الرجاء في الله يعدّ مصدراً لأكبر التزام. نعم نتعب ونصارع لأن الأمر يستحق ذلك. إنّ الأمر يستحق ذلك لأن كل ما يتم عمله له معنى وهدف. وسيكون لذلك معنى عندما تنفتح الحياة وتجد لنفسها قيماً. الآن، الأمر غير المشروط والأخير يعدّ ممكناً لكن لا كنتيجة أو بسبب توقعات بشرية، لكن ككشف ونعمة من الله. إنّ الله يُقدَّم للإنسان كرجاء، أو نعمة بمعناها الأواخري والسامي – رجاء في الله – الذي يحرك الحرية الإنسانية كالتزام إلى حد التعب والصراع. “رجاء ضد كلّ رجاء” (رو4: 18)، رجاء لا يخاف من الفشل والعوائق. خلاف ذلك، عدم الالتزام لا يؤدي إلاّ إلى الحزن واليأس كحرية دون الله ودون المستقبل.

 

إن الرجاء بالله الذي يحرر من الحزن واليأس، يحرر من أجل الحب، أعني من أجل الله والأخوة. نعم، يُقدم الرجاء بمعنى محرر وحامي الحرية: يمارس الرجاء دوراً أخلاقياً حاسماً من أجل أخلاق مسيحية. والتي تتحمَّل اليوم صفة التحريض أمام ثقافة تخاف الرجاء السامي كهروب وعدم الالتزام بالحاضر. إنّ الأخلاق المسيحية تواجه اليوم هذا التحدي ألا وهو الثقة بالله ومواعيده (راجع عب .1: 23؛ 2بط 3: 9). وهي التي تعرف بأن رجاء الإيمان هو الإمكانية الأكبر لممارسة الحرية الإنسانية بصورة كاملة “أما الذين يرجون الرب فتتجدد قواهم على الدوام ويرتفعون بأجنحة كالنسور. ولا يتعبون إذا ركضوا ويسيرون ولا يكلّون” (إش .4: 31).

إن الرجاء هو إعلان نبوي لهذا الحدث، حدث الخلاص الأواخري والتنظيم الأخلاقي لكل الوجود المسيحي في هذا الحدث الخلاصي للنعمة التي فينا وحولنا. إن المستقبل يؤسس ويحرك الذي يصير. لذلك، لا يحيا المسيحي الرجاء كحالة إنتظار مرسومة وسلبية لمستقبل يثبت بصورة مستقلة أو بالرغم من المستقبل، بل يحياه كحدث أواخري يتحقق اليوم في التاريخ وفي العالم”

خلال هذا الإنتظار هناك الكثير من العمل الذي يجب فعله من قبل المسيحي، من بواكير فعل الروح والتي يجب إظهارها بالأعمال من خلال شهادة الحياة اليومية”

رجاء الإيمان الذي نحن بصدده هو  “لا يتـمحور حـول ما كــان يجب أن يــكون أو ما يجب ان يصبــح؛ ولكـــن بكل بساطة هو سيكون”

 

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO