الإيمان

الإيمان

الإيمان هو ثقة – توبة – إصغاء تفتح المؤمن على حقيقة الله.  هو هبة من الله للإنسان كي يعيد البنوة التي فقدها في الخطيئة.

محتوى الإيمان في العهد القديم هو اعترافات تاريخية – خلاصية لعمل الله القوي والأمين، الذي مع الوقت يتركز في إعلان خاص (اعترافات فعلية واسمية)، كما هو حال فعل الإيمان في سفر تثنية الأشتراع الذي يعترف بأهم الأحداث التاريخية – الخلاصية “كان أبي آراميا تائها. فنزل إلى مصر وتغرب هناك في جماعة قليلة وصار أمة عظيمة قوية كثيرة العدد. فأساء إلينا المصريون وعذبونا واستعبدونا بقساوة. فصرخنا إلى الرب إله آبائنا حتى سمع صوتنا ونظر إلى عذابنا وشقائنا وبؤسنا. فأخرجنا من مصر بيد قديرة وذراع ممدودة ورعب شديد ومعجزات وعجائب وأدخلنا إلى هذا الموضع وأعطانا هذه الأرض التي تدر لبنا وعسلا” (تث 26: 5-9). إعلان هذا الاعتراف هو أكثر من أن يعد بعض الأحداث حقيقية: إنه تسبيح لله معبر عنه من خلال تسبيح الله في العبادة، والذي يذكر بالتاريخ كمكان لظهور- اختيار الله والإجابة بالشكر، الأمين والتجديد الدائم للإيمان

الإيمان في العهد الجديد هو أيضا يترتب في المجرى التاريخي الخلاصي. وهذا حَدَثَ مع يسوع المسيح. فيه أعلن الله عن كلمته السامية للخلاص، وأظهر سره، وحقق ملكوته، وأسس العهد الجديد الأبدي. إنه سر الله، الحب الخلاصي الإلهي لنا. جواب الإنسان هو الإيمان في يسوع المسيح: شخص يسوع – حياته ورسالته، موته وقيامته – محتوى الإيمان. هذا هو الإيمان الذي يطلبه يسوع: في الرسل أصبح اعـترافاً وحياة معاشة وتباعة. الإنجيل بأكمله شهادة عن هذا الإيمان المجدد للذات في اللقاء والحوار مع يسوع مـع كل الذين كانوا يستمعون إلى كلمته، كانوا يلتقون به عندما يدعونه، واستفادوا من رحمته، كانت لديهم الثقة بالحقيقة وبالمحبة. اعتراف بطرس – “أنت المسيح إبن الله الحي” (متى 16: 16) التصريح الأسـمى والأكثر معنى. بنفس الإيمان هناك تعابير مستمرة، بعلاقة خاصة ومميزة بحدث الفصح، الاعترافات الأولى للجماعة الأولى. سواء أكانت تلك الاسمية: “يسوع الرب” (روم 10: 9؛ 1 كور 12: 3)، “يسوع المسيح” (1يو1: 22؛ 5: 1؛ 2 يو 7)، “يسوع إبن الله” (أعمال 9: 20؛ 1يو 4: 15؛ 5: 5). أو تلك الفعلية (جمل إيمانية)، مثل الاعتراف بأن “المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب. وأنه دفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وظهر لبطرس ثم للرسل الاثني عشر” (1كور15: 3-5).

الإيمان يتضمن بالأساس معرفة الله، هذه المعرفة لا تتعلق بظواهر الأشياء أو صفات موضوعية مجردة حسب المنطق والتحليل العقلي، بل معرفة تتصف بالتعمق الشخصي بالله، الشعور به والشركة معه والتعمق في الخبرة الشخصية. لذلك فالمعرفة هي ثمرة الإيمان حينما يكون على مستوى المحبة القائمة على العلاقة الشخصية يقول القديس بولس : “فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئاً، فإنه لم يعرف شيئا بعد كما يجب أن يعرف …” (1 كور 8: 2). لهذا كل التعبيرات الإيمانية عن الله تحتاج إلى تأمل عميق وفحص واجتهاد وصلاة.

حينما وضع القديس بولس إبراهيم كمثل لبر الإيمان، فذلك لأن إبراهيم قَبِلَ وعد الله وصدَّقه، مع علمنا أن هذا الوعد يفوق الكيان الإنساني وطاقته! لكن طاعته لله كانت استجابة لنداء الله حيث حاول رفع كل الحواجز التي تعيق الإنسان عن طاعة الله، لهذا جوهر الإيمان هو الثقة بكلمة الله ووعده فوق العقل والمنطق.

الإيمان ليس مفهوماً عقلياً بل هو تمجيد لله يفوق كل مجد الإنسان لأن مجد الإنسان عقله.

الإيمان ليس مجرد استجابة منطقية لمطالب الله، بل قبول أمر من الله يستحيل عمله بواسطة الإنسان، إنه الاعتراف بقدرة الله الفائقة، وهو أيضاً عملا يفوق الطبيعة فيصبح بذلك فعل تمجيد الله أولاً وكواسطة من خلاله يتصل الله بالإنسان: “أعلمك، أُرشدك، … أنصحك” (مز 32: 8)، “ها أنا معكم كل الأيام” (متى 28: 20).

طبيعة الإيمان المسيحي يعتمد على شقين: الأول موضوعي، أي حقائق لاهوتية يلزم الإيمان بها وتصديقها حسب الإنجيل وتعليم الكنيسة. لهذا هو إيمان نصدقه ونعتقد به. مثلاً الإيمان بسر التجسد والفداء، الثالوث، …

والشق الثاني: شخصي، وهو مقدار استجابة الإنسان لهذه الحقائق الإيمانية ومقدار التأثر بها تغيير الحياة.هذا الإيمان هو الذي نحياه ونعمل به.

إيمان إبراهيم  مثلاً هو إيمان موضوعي وشخصي في آن واحد مثلما هو إيمان بولس الرسول: “مع المسيح صُلبتُ، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي” (غلا 2: 20).إيمان إبراهيم بعد أن يثق بالله ويحقق الله مطلبه في ولادة ابن له في شيخوخته يعود الله فيطلب الابن من جديد ليرى مدى عمق إيمانه وكان الجواب هو العطاء بأغلى شيء…

هكذا الإيمان بالله أو بيسوع المسيح ليس إيمان بشخصية تاريخية نؤمن بما فعله فقط، بل قوة حياتية لا تزال تعمل فينا كل يوم وباستمرار: “ولأجله هذا أتعب وأُجاهد بفضل قُدرته التي تعمل فيَّ بقوة” (كول 1: 29).

الإيمان يستلزم أن يتخلى الإنسان عن كل اعتماده وثقته بنفسه. بل هو أن يطرح الإنسان نفسه بكل ثقة على رحمة الله.

الإيمان يعني أن يمسك الإنسان بكل ثقته بوعود الله في شخص يسوع المسيح، وبالروح القدس الساكن فينا.

الإيمان يعني أن يظل الإنسان مطيعاً لله واثقاً به في كل لحظة من حياته.

لا يمكننا أن نتحاشى الصراعات والصدامات مع هذا الواقع الزمني وعجزه وتهديداته يبقى على الإنسان كيفية  الجهاد من أجل المحافظة على الإيمان. الرجاء يشد أرز الإيمان في مواجهة الواقع، وبالمتابعة الإيمانية مع الرجاء، نستطيع أن نغلب الشرير ونتجاوز كل الصعاب على مثال المرأة الكنعانية.

                                                                                    الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO