مدعوون إلى عيش مخطط حب الله الذي وضعه ووهبه لحياتنا

مدعوون إلى  عيش مخطط حب الله الذي وضعه ووهبه لحياتنا

                            

29أَمَا يُبَاعُ عُصْفُورَانِ بِفَلْسٍ وَاحِدٍ؟ وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يَقَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى الأَرْضِ خُفْيَةً عَنْ أَبِيكُمْ. 30وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شَعْرُ رُؤُوسِكُمْ كُلُّهُ مَعْدُودٌ. 31فَلاَ تَخَافُوا إِذَنْ! أَنْتُمْ أَعَزُّ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ” (متى 10: 29-31).

النص هو رائع! إذ فيه نظرة منفتحة وفائقة للحياة. وعلينا أن نتأمل به في ذواتنا كل لحظة من لحظات وجودنا. وسنرى بأنه يجيب حتى على أبسط الأمور الحياتية كالتنفس الذي يحي وجودنا. إذا كان هناك حاجة عميقة ومتأصلة فينا وفي كل واحد منا وبشكل فائق العادة فهي أن نكون محبين وان نعرف كيف نكون محبين. نشعر بأن لا يمكننا أن نكون سعداء إذا لم تكن لدينا هذه التأكيدات. يمكننا أن نرفض حقائق كثيرة ولكن هذه الحقيقة (المحبة) غير ممكن رفضها. عدم الرجاء أو فقدان الرجاء ليس إلا الروتين، وعدم الشعور بمحبة الآخر؟ نحن نعلم بان كل ما نعلمه، وكل ما يحدث له معنى أو فائدة، لأنه يعني شيء ما، وأننا نعمله من أجل شخص ما. نحن نرغب في أن يكون لنا ضمان بأن حياتنا لها معنى وهدف.

إعلان الإنجيل هو هذا: نحن محبين من قبل الله. الله أبونا، وهو يهتم بكل واحد منا، لهذا نحن لسنا وحدنا ولا يتركنا لوحدنا. نحن لسنا غبار مبعثر في العالم الكبير. نحن لسنا “كائنات متروكة لنفسها في عالم أصم وبدون معنى” الله خلق العالم، خلق البشر لكي يصلوا ويعيشوا السعادة اللامتناهية. الله له مشروع حب للبشرية ولعوائلنا، ولنا نحن. لكن مع الآسف نحن نهدم هذا المشروع دائماً، لا نقبل هذا الحب في حياتنا. الحياة هي صعبة وقاسية، وهذا ذنبنا نحن، ذنب البشرية جمعاء حيث جعلناها صعبة. لا نعرف كيف نقيّم الخيرات بشكل جيد: نزرع الحقد، العنف، اللا عدالة … فنحصد ثائر، حرب، إهمال، آلام، موت … وبالتالي نفقد معنى كوننا عائدين لله “مُلكْ له”، فنصبح ذئاب لاخوتنا، نصبح أنانيين، متعجرفين، منتفعين وشرسين ونجعل القريب يتألم فنحمل الحياة الذنب ونقول بأنها قاسية لنا وللآخرين.

إعلان الإنجيل هو بالضبط اقتراح قدّمه البابا بولس السادس:” كل إنسان هو أخي”. كل واحد منا مدعو إلى الحب والى بناء عالم يختلف عن عالم الشر، عالم فيه الحق. كل واحد منا مدعو إلى أن يعطي ويعمل لتحقيق مخطط الله الذي هو حب. نحن لسنا ملكاً لأنفسنا، خلقنا الله كي نحقق حبه الكامل على هذه الأرض. هذا التحقيق سيصل إلى ذروته في الحياة الأبدية، ولكن علينا أن نبنيه اليوم. لهذا لا يمكننا أن ننام، بل علينا أن نستقبل حب الله في حياتنا ونتعهد أن نحب وان نعطي شهادة هذا الحب.

 

“أَمَا يُبَاعُ عُصْفُورَانِ بِفَلْسٍ وَاحِدٍ؟ وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يَقَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى الأَرْضِ خُفْيَةً عَنْ أَبِيكُمْ”.

الإنجيل هو وحي للحياة الجديدة. حب الله حاضر في كل الحقائق لكل أحداث تاريخنا “لا يسقط عصفور على الأرض إلا بعلم من الله الآب”. بعض الأحيان هذه العبارة تترجم بكلمة أخرى إلا “بإرادة الآب” أو “بموافقة الآب” في الحقيقة الفعل اليوناني لا يعطِ أي فعل، يقول ببسطة “بدون الآب” بمعنى لا يحدث شيء إلا بعلم الآب. وبالتالي نقول لا يحدث شيء في حياتنا دون أن يكون الله قريباً منا ويهب لنا نعمة لقبول الشيء وتخطيه. وبالتالي كل شيء يحدث لنا ونحن على علم بأن الله يحبنا. يحبنا شخصياً، بشكل كامل، ودائم.

 

“وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شَعْرُ رُؤُوسِكُمْ كُلُّهُ مَعْدُودٌ”.

حب الله ليس فكرة نظرية أو غامضة، بل حقيقة حاضرة. في هذا الوقت الحاضر الله يفكر بي، انه ينظر إلي، انه يحبني. العيش بالنسبة لي يعني القول أني محبوب من الله. الله يعرف مشاكلي، قلقي، همومي، تنفسي (حسراتي)، وهو مازال يعطيني مساعدته، ويحبني الله يهتم بشكل خارق العادة لما يحدث لي كل لحظة. بكلمة أخرى أنا محاط من حب الله.

هنا لا نتكلم عن نوع من الخيال، بل من التأكيد، لان الله نفسه اظهر ذلك لنا. الكتاب المقدس من البداية حتى النهاية يتكلم عن شهادة حب الله للإنسان ورغبته في حمله إلى ملء الحب في الاشتراك في طبيعة الإلهية.

“فَلاَ تَخَافُوا إِذَنْ! أَنْتُمْ أَعَزُّ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ”

حتى في الأوقات الصعبة، في الأوقات التي كل شيء يذهب هباءً، حتى في هذه الأوقات علينا أن نكون مطمئنين بان الله يحبنا هذا الاطمئنان يجب أن يكون لنا حافزاً وقوةً، كي لا نترك اليأس يسيطر علينا، ولا الخوف بل أن نستمر في الصراع مع ما هو صعب ونبدأ من جديد وننهض ولا نترك الحب، لان الحب هو كما يقول المزمر” صخرتي” (مز18:  2-3). لهذا نحن بحاجة إلى إيمان قوي: فالشهادة الأكثر جمالا والتي بإمكاننا أن نقدمها للرب يسوع هي عدم الخوف من أي شيء. لان الخوف هو تعبير عن نقص في الإيمان. كم مرة يسوع نفسه كان يوبخ تلاميذه على خوفهم وقلة الإيمانهم (لو 8: 25، متى 8: 26، 14: 31، مرقس 16: 14، لو 24: 25…)

حتى في وقت الضعف، حتى في الأوقات التي نبتعد فيها عن الله يمكننا أن نمتلك الثقة بان الله يحبنا وهو لا يمكن أن ينقطع عن حبنا. حب الله هو كحب الأم للولد:”هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا وَلاَ تَرْحَمُ ابْنَ أَحْشَائِهَا؟ حَتَّى هَؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْسَاكُمْ. انْظُرُوا هَا أَنَا قَدْ نَقَشْتُكِ يَاصِهْيَوْنُ عَلَى كَفِّي، وَأَسْوَارُكِ لاَ تَبْرَحُ مِنْ أَمَامِي( أش 49: 15-16).

حب الله ثابت كحب ذاك الأب الذي ينتظر عودة ابنه الضال مترجياً ضد كل علامات اليأس (لوقا 15: 11-32). نحن الذين اغلب الأحيان ننسى الله، ولكن الله لا ينسانا أبداً. كم هي كبيرة وخطيرة تصرفاتنا وخطايانا ومع ذلك الله هو حاضر للغفران، حاضر للمغفرة، وحاضر لينقّي ما هو رديء في قلبنا، لكن كل هذا إذا عدنا إليه ثانية وطلبناه: “تَعَالَوْا نَتَحَاجَجْ يَقُولُ الرَّبُّ، إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَلَطَخَاتٍ قِرْمِزِيَّةٍ فَإِنَّهَا تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ، وَإِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَصَبْغِ الدُّودِيِّ تُصْبِحُ فِي نَقَاءِ الصُّوفِ!(أش 1: 18).

في اليوم الذي فيه نكتشف حب الله الكبير الذي يكنه لنا، نكتشفه ليس في كلمات كتبٍ لاهوتية وتأملية، بل بشكل جوهري كإيمان حي، من خلال سماع كلمة الله في الكتاب المقدس وبالصلاة، وما نقوم به خبرة شخصية حياتية، تصبح مسيرتنا مسيرة ملؤها الإيمان؛ مسيرة مبنية على العلاقة الصحيحة مع الحب الكبير، مسيرة ملؤها الشجاعة للذهاب أو العودة إلى الله، نحو الحب الذي لا ينقص أبداً. بهذا الشكل سوف نصبح “رسل السلام” فيكون بإمكاننا حمل هذا في ذواتنا:

          حب حيث البغض

                  المغفرة حيث الإساءة

                 الاتفاق حيث الخصام

                 الحقيقة حيث الخطاء

                الإيمان حيث الشك

                النور حيث الظلام

                الفرح حيث الحزن

                الرجاء حيث اليأس

ربما لا نعرف العيش حسب حب الله لأننا لا نعرف أن رفع عيوننا نحو السماء. بل عيوننا تتجه إلى أنفسنا أكثر من أن تنظر إلى الله، ننظر إلى مصالحنا المادية، لإعمالنا، ولا نعرف أن نرى أعمال الله. لقد فقدنا ومع الأسف معنى التعجب، معنى الاندهاش العميق لأعمال الله. ومع هذا يسوع يعلمنا بهذا الشكل: “26تَأَمَّلُوا طُيُورَ السَّمَاءِ: … َأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَعُولُهَا … تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو: إِنَّهَا لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ؛ 29وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: حَتَّى سُلَيْمَانُ فِي قِمَّةِ مَجْدِهِ لَمْ يَكْتَسِ مَا يُعَادِلُ وَاحِدَةً مِنْهَا بَهَاءً! … 31فَلاَ تَحْمِلُوا الْهَمَّ … فَإِنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ حَاجَتَكُمْ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. 33أَمَّا أَنْتُمْ، فَاطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرِّهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. 34لاَ تَهْتَمُّوا بِأَمْرِ الْغَدِ، … ” (متى 6: 26-34).

روعة الخليقة تدعونا دوما إلى عظمة أعمال الخالق. أعمال يجب أن تكون لنا كالسلم للذهاب إليه، لتمجيده وتسبحيه وشكره. المزامير تعلمنا بشكل مستمر هذا أن نسبّح الله دوماً في الصلاة. علينا أن ننظر إلى الحياة نظرة إيمانية ملؤها التناغم في كل وقت من أوقات وجودنا يجب أن نقراها على ضوء حب الله لنا، لأنها نعمة منه.

أَمَا يُبَاعُ عُصْفُورَانِ بِفَلْسٍ وَاحِدٍ؟ وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يَقَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى الأَرْضِ خُفْيَةً عَنْ أَبِيكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شَعْرُ رُؤُوسِكُمْ كُلُّهُ مَعْدُودٌ. 31فَلاَ تَخَافُوا إِذَنْ! أَنْتُمْ أَعَزُّ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ” (متى 10: 29-31).

هنا نصل إلى نهاية تأملنا مع كلمات مارتن لوثر كنك إذ علينا أن نضح أنفسنا أمام الرب يسوع ونهب له كل ما نملك كي يضع فينا الحب كي نحيا سعداء ونخلص العالم: “إذا كان بمقدوري أن أساعد أحد في الطريق … إذا كان بمقدوري أن افرح أحد بكلمة مع نشيد … إذا كان بمقدوري أن اظهر لإحد بان اخذ الطريق الخاطئ … حياتي إذن سوف لن تكون عبئاً أبداً“.

 

الأب سامي عبد الأحد دنخا الريّس

Antwort an sami alrais

Senden

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO