مدعوون إلى عدم إفساد وجودنا

مدعوون إلى عدم إفساد وجودنا

              

13وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ: «يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الإِرْثَ!» 14وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُ: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِياً أَوْ مُقَسِّماً؟» 15وَقَالَ لِلْجَمْعِ: «إحْذَرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ. فَمَتَى كَانَ الإِنْسَانُ فِي سَعَةٍ، لاَ تَكُونُ حَيَاتُهُ فِي أَمْوَالِهِ». 16وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً، قَالَ «إِنْسَانٌ غَنِيٌّ غَلَّتْ لَهُ أَرْضُهُ مَحَاصِيلَ وَافِرَةً. 17فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ وَلَيْسَ عِنْدِي مَكَانٌ أَخْزِنُ فِيهِ مَحَاصِيلِي؟ 18وَقَالَ: أَعْمَلُ هَذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ مِنْهَا، وَهُنَاكَ أَخْزِنُ جَمِيعَ غِلاَلِي وَخَيْرَاتِي. 19وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ، عِنْدَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَخْزُونَةٌ لِسِنِينَ عَدِيدَةٍ، فَاسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَاطْرَبِي! 20وَلكِنَّ اللهَ قَالَ لَهُ: يَا غَبِيُّ، هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَلِمَنْ يَبْقَى مَا أَعْدَدْتَهُ؟ 21هَذِهِ هِيَ حَالَةُ مَنْ يَخْزِنُ الْكُنُوزَ لِنَفْسِهِ وَلاَ يَكُونُ غَنِيّاً عِنْدَ اللهِ!» (إنجيل لوقا 12: 13-21).

أعلن يسوع هذه الكلمات ألفين سنة معنى؛ ومع ذلك مازلت قوية وفعالة اكثر اليوم وفي عالمنا الحالي.

النص الذي قرأناه تركيبته تعطينا أربعة أقسام: أولا سؤال؛ الأساس الراسخ؛ صفحة تاريخية مميزة؛ خلاصة.

1) سؤال: واحد

أحد الأشخاص من بين الجمع، تأثر بسلطة معلم متمثلة بيسوع، يتقدم من بين وسطهم ويقف أمام الرب ويسأله أن يتدخل كل نزاع بينه وبين أخوه بخصوص مقاسمة الإرث «يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الإِرْثَ!» (13). يجب أن نقول بان الشريعة القديمة حول هذا الموضوع لم تكن واضحة جدا وكانت تعطي دوما النزاع الأخير لمثل هذه الحادثة نهاية غير لائقة. الشريعة أو القانون كان يعطي الحق بالعموم إلى ثلثين من الحصة تذهب إلى البكر والباقي إلى الأخ الصغير . “بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِبَكُورِيَّةِ ابْنِ الْمَكْرُوهَةِ، وَيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ، لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ مَظْهَرِ قُدْرَتِهِ، وَلَهُ حَقُّ الْبَكُورِيَّةِ.” (تثنية 21: 17)، “وَأَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ أَيَّ رَجُلٍ يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْلِفَ ابْناً، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ تُعْطُونَ مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ.” (عدد 27:  8-9)، ولكن في وقت تقسيم الأشياء كانت تتغير أيضا. فمن الممكن أن يحدث بان الصغير لن يرضى بمثل هذا التقسيم وغير مقتنع كان يريد أن يكون له اكثر في المقاسمة. لا نعلم أي حالة كان فيها هذا السائل الذي أتى إلى يسوع إذا كان الأخ الأكبر أم الأصغر. في المحتمل الأكبر إن كان الأخ الأصغر حيث كان يريد أن يقسم الميراث بشكل لائق، ولهذا يسال يسوع عن هذا. على أية حال يسوع لا يعطي جواباً حاسماً ولا يرغب في التهرب من هذا المشكلة، حتى وان في بداية جوابه يبدو هكذا: “وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُ: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِياً أَوْ مُقَسِّماً؟»” (14).

جواب يسوع يظهر حقيقة بأنه لا يرغب في أن يكون محامي لحل نزاع. تفكيره يذهب إلى بعد من ذلك إلى عمق والى اصل مشكلة النزاع: مصير التملك مصير الذي يريد أن يكون له اكثر ولا يرى شيء آخر في حياته غير الأشياء المادية شهوة الأشياء المادية.

يسوع لا يقدم هنا عرض بأنواع الضمير وبقائمة أخرى غير مفيدة أو سطحية انه يريد أن يحمل الإنسان وكل حياة الإنسان على الأرض إلى الأصالة الحقيقة والتي هي الحرية حرية تخلص من القيم المادية والدخول في الحياة العميقة اكثر واكتشاف الهدف.

2) الأسس الراسخة

وَقَالَ لِلْجَمْعِ: «إحْذَرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ. فَمَتَى كَانَ الإِنْسَانُ فِي سَعَةٍ، لاَ تَكُونُ حَيَاتُهُ فِي أَمْوَالِهِ». (الآية 15)

تأكيدات الأساسية تنتج من الأحداث الخاصة التي يقدمها يسوع من خبرة حياته. ليس تملك هو الذي يجعل الإنسان سعيد في حياته كم من الناس لديهم أشياء مادية كثيرة ومع هذا فهم بدون رجاء ومنزعجين؟ كم من الحالات في عدم العدالة خلقت بسبب المال ورغبة الامتلاك للمال اكثر كم من القلق والهم من اجل الغنى: مثل التفكير بالقتل، التفكير بالخزن، التفكير بالصرف، كم من الكبرياء والتعالي بين الذين يفكرون بأنفسهم.

الرب يسوع ينقد مثل هذه “إحْذَرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ …” (الآية 15) لا يجب أبدا أن ننسى هذه الكلمات فهي تصفنا أمام المرآة لكي نرى مقياس وجودنا وهدف ووسيلة المادة (المال) والهم في البحث عن الغنى حتى لو كان هذا الغنى حياته ليست ملك له. يسوع لا يريد أن يقول بان كل شخص منا يجب أن يمتلك شيء أو أن يفكر بما هو ضروري للحياة أو بان لا نخطط لأمورنا المادية، لان كل إنسان له الحق في تنظيم حياته فالخيرات الأرضية يجب أن تكون موزعة بشكل صحيح بين الناس لهذا موضوع يسوع هو اكثر عميق.

الخطر الذي ينبهنا عنه يسوع هو التعلق العميق بالمادة فنترك من المادة أن تكون هدف وجودنا وقيمة كل وجودنا (راجع لوقا12: 22-31) هذه الدعوة تحمل الإنسان إلى أن لا يكون عبد لأمور مادية تمنعه عن اللقاء بالله لان المادة تجعل من الإنسان أن ينظر في أفق الآن لهذا الإنسان بنظرته هذه يبتعد جداً عن معنى الحياة. فمن اجل امتلاك نظرة حقيقة وصالحة إنسانيا يجب أن لا تجعلني المادة بعيداً عن اخوتي وإلا ستكون المادة هي كل شيء في حياتي الإيمان وحده فقط يمكن أن يساعدنا وان ينور حياتنا في فهم هذه الحقيقة وهي إن كل إنسان سوف يموت هذا الموت الذي لا مفر منه يأتي كالسارق في الليل في الوقت الذي لا ينتظره الإنسان كل هذا يأتي بدون أي صعوبة يأتي فجأة للإنسان الذي كان يفكر لمن ستكون الخيرات؟ بالتأكيد سوف يخلق نزاعات كثيرة وجديدة بين الورثة زارعاً فيهم الانقسام والتكبر!

وَقَالَ لِلْجَمْعِ: «إحْذَرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ. فَمَتَى كَانَ الإِنْسَانُ فِي سَعَةٍ، لاَ تَكُونُ حَيَاتُهُ فِي أَمْوَالِهِ» (آية 15).

تأكيد يسوع هنا هو إنارة بشكل اكثر حي وفعال بمثل قصير وواضح شارحاً فيه المأساة التي ينتهي به الإنسان في حالة تعليقه المادي.

3) نظرة توضيحية

وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً، قَالَ «إِنْسَانٌ غَنِيٌّ غَلَّتْ لَهُ أَرْضُهُ مَحَاصِيلَ وَافِرَةً. فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ وَلَيْسَ عِنْدِي مَكَانٌ أَخْزِنُ فِيهِ مَحَاصِيلِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هَذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ مِنْهَا، وَهُنَاكَ أَخْزِنُ جَمِيعَ غِلاَلِي وَخَيْرَاتِي. وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ، عِنْدَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَخْزُونَةٌ لِسِنِينَ عَدِيدَةٍ، فَاسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَاطْرَبِي! وَلكِنَّ اللهَ قَالَ لَهُ: يَا غَبِيُّ، هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَلِمَنْ يَبْقَى مَا أَعْدَدْتَهُ؟ (الآيات 16-20)

بطل هذه القصة الإنسان الغني حيث خيراته وأرضه ازدادت ولم تكن له بعد موضح لخزنها يجلس ويفكر بنفسه ماذا افعل؟ هدم ابني اجمع وأقول لنفسي لنفكر قليلا بهذا الإنسان إذا كان هذا الإنسان يعيش اليوم من المؤكد كان بإمكانه أن يكون رجل أعمال رجل مهم رجل له إنعام خاص من الناحية المادية والاجتماعية وبالتالي إنسان متعال مع كل هذا يسوع يدعوه” غبي” لماذا؟

ليس لأنه كان غني: لم يكن يسوع أبدا ضد الغني من حيث المبدأ؛ ولكنه يدين استعمال الغنى الغير صحيح والتعلق الكبير بالمادة والأرضيات والتي ربما تعلق مع الإنسان صوت الدعوة فالمثل يقول أعطت أرضه خيرات “الخيرات هو شيء جيد” (L. Evely). المال بحد ذات ليس شراً ولا خيرا، المشكلة تكمن هن في كيفية استكماله نفس الشيء لكل الأمور الإنسانية مثلاً هناك طاقة كهربائية تشتغل عل البترول وأخرى على الطاقة النووية…

من ثم لا يدع يسوع هذا الإنسان غبي، كأنه عمل أو كسب المال بطريقة غير شرعية، بل العكس يبدو إنه عمل كثيراً في الحقل والتجارة ولهذا ربح.

لكن لماذا يدعوه يسوع غبي؟ ثلاثة أسباب

1- غبي لأنه خلط الخيرات الأرضية للحياة الآنية مع الحياة الآخرة الماديات هي وسائل مثل السيارة للنقل، البيت للسكن، الثياب للملبس الخ … هذا الوسائل أو الماديات هي ضرورية للحياة اليومية وعلينا أن نهتم جيدا في أن تكون لنا هذه الأمور، ولكنها تصبح شريرة عندما نستخدمها ونجعلها غايتنا الأخيرة وهدف حياتنا … من هنا علينا أن نتذكر كلمات يسوع “قَالَ: «مَا أَصْعَبَ دُخُولَ الأَغْنِيَاءِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ! 25فَإِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ فِي ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَسْهَلُ مِنْ دُخُولِ غَنِيٍّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ»…” (لو 18:  18-25).

2- غبي لأنه يعيش مع المظاهر الخارجية ولا يفهم معنى وجوده الجوهري. كل شيء في حياته هي الاهتمام بالعمل دون التفكر بالنفس والذات. دون أن يفكر بان كل هذه المادية هي أيضا هبة من الله، أي دون أن يفكر بالله. ولربما لا يفكر اكثر في عائلته وفي مشاعره الإنسانية. الإنسان المتعلق بالمال لا يعرف أن يحب، فهو يتحجج بان لديه أفكار تجارية وعقود ولديه الكثير كي يحصل على اكثر من لديه الآن … أي بكلمات أخرى أن لا يعرف عالم الله بل عالم الماديات انه يعيش في وحده.

3- غبي لأنه لا يؤمن بأنه عائد إلى الله، يعيش في الأنا. حديثه ومناقشته مؤسس 12 مرة. يبدو في حديثه كان هو الذي يقود الكون والمناخ والطبيعة يقول مارتن لوثر كنك: “في قراره نفسه يحس بأنه هو الخالق وليس مخلق”. انه غبي لان بالنسبة لنا وجودنا يعني بأننا بعين لله  وعلينا أن نمجد الله دوما (مزمور 19). غبائه يكمن في عدم اعترافه بالله “الغبي يقول: لا يوجد الله” (مز14: 1). هكذا فهو إنسان مغلق على ذاته. ينسى بأنه خليقة، وبالتالي لا يكرم الله الذي أعطاه الحياة، أي أصل وجوده.

هذه هي نقاط الغباء عند هذا الرجل الغني فهو مثل بعضنا الذين يهتمون بأمور عديدة دون أن يكون صوت لله هو الأهم في حياته، انه يطفئ نوره ويلقي نفسه على الفراش مطمئن ومقتنع، غارق في الاهتمامات المادية، ناسيا القيم الجوهرية لوجوده الإنساني، عندما ينسى الله، وينسى خلاص نفسه. موهما نفسه عندما يعطي معنى لكل ما عمل خلال حياته وبأنه وصل إلى الهدف، لكنه في الواقع ما زال في معترك الحياة.

4- رأي أخير

المهم في نهاية هذا القصة هو “هَذِهِ هِيَ حَالَةُ مَنْ يَخْزِنُ الْكُنُوزَ لِنَفْسِهِ وَلاَ يَكُونُ غَنِيّاً عِنْدَ اللهِ!” (الاية21)، صفحة إنسانية عظيمة وهي وجودنا في الأرض يعني رسالة من الله للعالم يعني هبة من الله لنا كي نتحمل مسؤولية وجودنا وحياتنا في وقت ما. وقت فيه نهيئ أنفسنا إلى ماذا نصبو، وهدفا الأخير. كتب كبرييل مارسيل: “سنكون دوما ما أحببناه في حياتنا الأرضية”. بالتأكيد لا نقبل على أنفسنا بأن نكون من الذين عاشوا كـ “أغبياء”. علينا دوما السؤال عن أصل وجودنا وعن معنى حياتنا؟ وإلى أين أريد الوصول؟ كل هذه الأسئلة يجيب عليها إيماننا من خلال قراءتنا لإنجيل متى (25: 31-46).

دعوة لنا كي نكون يقظين في دعوتنا كي لا نترك الأمور الثانوية تحتل قلوبنا بل لنضع وقتنا كله لله فنصبح أغنياء بوجوده في حياتنا.

                                                          الأب سامي عبد الأحد دنخا الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO