أنا الراعي الصالح

أنا الراعي الصالح

 

حسب الطقس الكلداني نقرأ نص “الراعي الصالح” قبل عيد السعانين حيث تأتي فيما بعد في قراءات أسبوع الآلام أمور عديدة عن الراعي، منها “أضرب الراعي فتتبدد الخراف” (متى 26: 31، وهذا مذكور في زكريا 13: 7).

يمثل الله في العهد القديم أحد الرعاة، وهو متّحد بشعبه. “الرب راعي فلا يعوزني شيءٌ” (مزمور 23: 1). “هو إلهنا ونحن شعبُهُ، رعيته التي يرعاها بيده” (مز 95: 7). كما ويوصف مستقبل المسيحا الآتي بصورة الراعي أيضاً: “يرعى قطعانه كالراعي، ويجمع صغارها بذراعه، يحملها حملا في حضنه ويقودُ مرضعاتها على مهلٍ” (أش 40: 11). في العهد الجديد يحقق المسيح المثل الأعلى لصورة الراعي. فهو الراعي الصالح الذي يذهب للبحث عن الخروف المفقود، ويستعطف على شعبه لأنه “مثل الغنم دون راع” (متى 9: 36)، ويدعو تلاميذه بـ “القطيع الصغير” (لوقا 12: 32). والقديس بطرس يدعو الرب يسوع بـ “راعي نفوسنا” (1 بط 2: 25) وفي الرسالة إلى العبرانيين نقرأ  بأن يسوع هو: “راعي الخراف الكبير” (العبرانيين 13: 20).

نعلم جيداً بان في معظم اليهودية كانت هضبة صخرية قاسية، وفيها أيضاً تربة ملائمة للزراعة لكن بشكل متوسط. لهذا الأعشاب هي في انتشار هنا وهناك والأغنام هي في حركة مستمرة. ونعلم أيضاً بأن لم تكن هناك حدود للمدن، والراعي بحاجة إلى أن يقود قطيعه إلى الأماكن الخصبة. أحد كتاب القرن الماضي في زيارته لليهودية يصف لنا عن أهمية مفهوم الراعي فيقول: “عندما تأتي وترى في أعالي الجبال العشب للقطيع، مع تخمين المسافة البعيدة وعدم وجود حدود للمنطقة، مع التفكير بكل ما يتعرض للأحوال الطقسية وفكرة رؤية السراب، والاتكاء على العصا، والانتباه لحركة القطيع، سوف تفهم لماذا كل هذا الاهتمام بصفة الراعي في تاريخ إسرائيل، ولماذا أعطوا هذا اللقب لملوكهم وللمسيح، فمن الحق أن يخلطوا في هؤلاء الأشخاص عظمة التضحية”.

حتى أهمية الخراف تختلف من منطقة لأخرى؛ ففي البلدان الأوربية مثلاً الخراف تترعرع في المقام الأول لأجل اللحم، أما في الدول الشرقية فهي تترعرع من أجل الحليب ومن أجل الصوف وأكيد من ثم من أجل اللحم. لهذا تبقى الخراف في الشرق لسنين عديدة في علاقة وطيدة مع الراعي وهو يتعرف على طبيعة كل واحد منها.

إذن عندما يصف الإنجيلي يوحنا يسوع بالراعي علينا أن نعلم كيف ينظر هو إلى عمل الراعي. فيعطينا بعض السمات التي يتصف بها يسوع. فالأولى: وهي تنظر إلى العلاقة المتبادلة بين القطيع والراعي: “خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها وهي تتبعني”. بالتأكيد نعرف جيداً ما يقصده يسوع نفسه. فهو يعرف تلاميذه (مثلما يعرف الله شعبه)، فهو يعرفها بأسمائها وهذا أيضاً حسب التفسير الكتابي دلالة على القيمة الجوهرية لكيان الإنسان المؤمن. أما السمة الثانية فهي: الحب المتبادل: فهو يحب خرافه حب خاص فريد كأنه الوحيد في القطيع. بينما في السمة الثالثة نجد: يبذل ذاته لأجلها: كونه يبذل ذاته لأجلها هذا يعني لا أحد يستطيع أن يخطفها منه. كان كابوس الرعاة في إسرائيل هي الحيوانات البرية – الذئاب والضبع – وقطاع الطرق، فهم متواجدون في الأماكن المعزولة والتي كانت تشكل تهديدات حقيقية خطرة على الرعاة. وهنا تكمن أهمية فكرة الراعي: هل هو راعي حقيقي أم هو مجرد أجير؟ فالراعي الصالح يتصارع مع العدو حتى آخر نسمة من حياته لأنه يحب قطيعه.

لنتأمل في موضوع صفة يسوع كـ “الراعي الصالح” أنّه الراعي الصالح لشعبه، وهذه معناها أننا لسنا متروكين، ولسنا خراف مبدّدة لا راعي لها، راعينا واحدٌ هوَ يسوع المسيح، فهوَ يعتني بكل واحدٍ منّا، ويفتّش عن كلّ واحدٍ منّا ويحبّ كلّ واحدٍ منّا. وهوَ يعلِن: “أنا اتيتُ لا لأُخدَم بل لأَخدُم، وأبذُلُ نفسي فداءً عن الجميع، أحببتهم حتى النهاية…”، هذه الكلمات تُؤكّد أنّ الربّ معنا، باستمرار، هو رجاؤنا لأنّه حيٌّ وقائم من بين الأموات. وأصبح رفيق درب كلّ إنسان، لهذا هوَ رجاؤنا، وطبيعته كراعي صالح عبّرَ عنهُا كونه يعرف خرافه واحداً فواحداً، يقودُها إلى المراعي النضرة، ويدافع عنها بوجه الذئاب، وهذا الكلام ليس من الماضي إنّما حقيقة ثابتة دائمة يعيشها الربّ يسوع، ولكنّه يسألنا السؤال الذي سأله للأعميين: “أنتم مؤمنون أنّي قادرٌ أن أعطيَكم البصر؟”، قالا: “نعم”. أجابَ: “فليكُن لكما حسَبَ إيمانكما” وانفتحت عيونهما. هذا الكلام لكلّ واحدٍ منّا، وأنا اسأل نفسي بقلب العمى عمى خطيئتي وضعفي وعمى صعوبة المعيشة والمشاكل الاقتصادية الكبيرة التي نسمّيها الأفق المسدودة، وأمام كل هذا العمى، يسوع يسأل كلّ واحدٍ منّا “هل أنتَ مؤمنٌ أنّي قادرٌ على أن أزيلَ العمى”.

أننا نبحث عن هذا، يسوع النور يسوع الكلمة يسوع الراعي لنهتدي ولنتشجّع وتكون عندنا المناعة لأنّ كلامه هوَ الخبز الذي يسند كلّ جوعٍ. عبّر القدّيس أوغسطينوس عن هذه الحقيقة عندما يوضّح أن يسوع قريب منا ومعنا وهوَ طريقُ دربنا. هكذا يقول بكتابه الاعترافات: “يا ربّ أنتَ في داخلي وأنا خارجٌ عن نفسي، أنتَ معي وأنا لستُ مع ذاتي أنتَ رجائي، أنتَ كلُّ رحمتُكَ الواسعة هي رجائي أيها الحب الذي يشتعل دوماً ولا ينطفئ أبداً”.

نعم هوَ فينا أكثر مما نحن في نفوسنا، هوَ معنا أكثر مما نحن معَ ذاتنا، فإذا كان هوَ على طريقنا فعليّنا أن نعرفه ونراه مثل الأعمى ونلتقي به مثلما التقى به الأخرس، فيسوعُ هو حيّ أينما كان ولكن عليّنا أن نعرف كيف نلتقي به، وعندما نلاقيه نجد بأنه هو قد سبقنا وجاء لملاقاتنا. والقديس أوغسطيونوس يقول أيضاً: “لو لا كنتَ أنتَ لاقيتني لما وجدْتُكَ”.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO