تأمل في إنجيل الأحد الرابع من الرسل

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١٣ حزيران ٢٠١٠

الرابع من الرسل

لو ٦:٢٣-٤٢

 

()لِماذا تَنظُرُ إِلى القَذى الَّذي في عَينِ أَخيكَ ؟ والخَشَبَةُ الّتي في عَينِكَ أَفَلا تأبَهُ لَها ؟((

يستند طقسنا الكلداني في هذا الوقت من السنة على إنجيل لوقا الذي سيرافقنا حتى نهاية شهر تموز ليعطينا، كما عهدناهُ، تفاصيل دقيقة ورائعة عن رسالة المسيح بين بني البشرى يـُصيغـُها بلغةٍ بسيطةٍ مفهومة ودقيقة وكأنها تحاكي مباشرة ً الضمير الإنساني في عصرنا هذا.

بعد أن كان نصنا الإنجيلي في الأسبوع الماضي يتحدث عن مفهوم القريب وتعريفه وبعد أن سرد يسوع قصة السامري الصالح الذي لم يتوانى بتقديم المساعدة لشخص لم يكن يعرفه قط، فأعطى بعملهِ هذا تعريفـًا مباشرًا لماهيــة الأخ أو القريب. فأخي هو ليس أبنُ وأمي وأبي فقط بل هو كل شخص مخلوق على صورة الله ومثالهِ.

نصنا الإنجيلي اليوم هو نصٌ طويلٌ وعميق أيضــًا، كما إنهُ متشعبٌ كثيرًا لكنهُ يصب في نهاية المطاف في نهر الحب الإلهي فيعطي للإنسانية طعمها وللبنوة الإلهية مكانتها وللأخوة البشرية معناها الحقيقي. لوقـا يأخذنا في سفرةِ عُـمر ٍ رائعة فيبدءُ بنشأة الرسل واختيارهم من قبل الرب، ثم يقودنا نحو الانفتاح على الأخر فيسرد دخول المسيح ورسلهِ عالم الجموع الكبيرة ليلمسهم ويشفيهم من عللهــم ويطرد الأرواح الشريرة التي سكنت بهم فأبعدتهم عن طريق الحق.

بعدها يبدء يسوع بتعليم الجموع فيعظ عليهم التطويبات التي تحاكي الماضي والحاضر والمستقبل لكل مؤمن بخلاص المسيح. يقودنا لوقا بعدها إلى لب البشرى السارة، إلا وهي المحبة، فمحبة القريب والرحمه الإلهية والغفران الغير مشروط وعظها لنا يسوع الناصري لنسير بوضوح على خطاه، خطى المحبة اللامتناهية والرحمة الغير محدودة.

حتى إن البابا نفسه في قداس الجمعة الماضي (11 حزيران الجاري) طلب الصفح والرحمة والغفران لهؤلاء الكهنة الذين خانوا عهدهم مع الله والكنيسة بتعديهم على الأطفال. الكل إذن من صغير إلى كبير يستطيع أن يتحلى بتواضع المسيح ويطلب بصدق ذلك الغفران والرحمة التي نادى بها المسيح في حياته.

 

“كيف نـُحـِب ؟” سؤالٌ قد نخجل أن نطرحهُ اليوم. فكلمة الحب اُستـُهلـِكــت من قبل البشر ولم تعُد تـُعطي نفس القيمة والمعنى الذي أرادهُ يسوع المسيح أن تعطيه. فتم تحويرها وتشويهها وصبغهــا بأصباغ بشرية عدة فأضحت تعني الأنانية وحب الذات والميل لرغبات صبيانية وعدوانية في نفس الوقت

فإنسان اليوم يقول بكل سهول : ” أحب الطبق الغذائي الفلاني – أحب سيارتي – أحب درسي – أحب اللعبة الفلانية – أحب السفر – أحب هذا الحيوان – أحب زوجتي وأبنائي ….ألخ” وبالتالي قد يتصور السامع بأن الحب هو كلمة مستهلكة وعامية والكل يستخدمها بسهولة في حين هي قمة الرسالة الربانية. تــُرى هل حـُبـَنـا لله هو بنفس القدر وبنفس المعنى ؟

ليس عيبٌ أن نطلب الغفران من الله وليس عيب أن نطلب منه أن يعلمنا إياه. ففي نصنا اليوم يسوع يـُعلم من يبغي وينشد تعاليمه. فيكرز بالرحمة والغفران ويبدء غفرانه وفعل المحبة بالشخص نفسه لينطلق نحو الأخر. فرؤية سلبياتنا وخطايانا وضعفنا يجعلنا نقترب نحو أخينا وأختنا الخاطئة بنظرنا ونشكل معها عائلة تنشد غفران ومحبة الله. والعكس يجعلنا نتقوقع على ذواتنا ونبرئ أنفسنا من خطايا نحن منغمسين بها. عاكسينها على الأخرين فيغدوا الأخر عدي المتربص بي في كل صوبٍ وحـَوب.

الإنطلاق من الذات ورؤيتها على حقيقتها تجعلنا نـُحَسـِن واقعنا المؤلم والمملوء بوحشية الغاب وحب التسلط والنميمة العقيمة. الإنطلاق من الذات تجعلنا نـُنتـِج ثمارًا أطيب، نقية ومفيدة ومقبولة في عين الرب.

رُبَ قائلٍ يقول : كيف سيغفر لي الرب إذا كنت منغمس في عمق الشر هذا والعمى قد ملئ عينيَّ ؟ الحل بسيط وهو في طلب الغفران من الله ومن القريب من خلال سر التوبة أو المصالحة أو الغفران.

قال الكاردينال يواكيم مايسنر، رئيس أساقفة كولونيا في مداخلته بمناسبة اللقاء العالمي للكهنة، في ختام السنة الكهنوتية في ٩ من حزيران الجاري، إن “الله يكشف عن وجهه بشكل خارق عندما يجعلنا نختبر غفرانه. الله محبة ! هو هبة الذات بشكل كامل ! والحب الأقوى هو ذلك الحب الذي يتخطى الحاجز الأكبر أمام الحب، أي الخطيئة.

سر التوبة يؤهلنا أن ندخل في حياة لا نفكر فيها إلا بالله. يقول لنا الله في حميميتنا: “السبب الوحيد الذي لأجله أخطأت هو أنك لا تستطيع أن تؤمن أني أحبك كفاية، وأني أهتم حقًا بشأنك، وأنك تجد فيّ الحنان الذي تحتاجه، والذي يولد في الفرح مع أية بادرة تقوم بها”. أن نذهب إلى عيش سر التوبة يعني أن نجعل حبنا لله أكثر حسية، وأن نكتشف من جديد وبشكل أكبر أن الله يحبنا.”

ينتهي نصنا الإنجيلي اليوم بهذه الآية : ” لِماذا تَدعونَني: يا رَبّ، يا رَبّ ! ولا تَعمَلونَ بِمَا أَقول ؟” لنكن أبناء وبنات الله قولا ً وفعلا ً من خلال تجسيدنا لمحبته في عقلنا وقولنا وأفعالنا وجسدنا برمته. فالإيمان بلا أفعال ميت !

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO